وسط شارع مُهدَّم على أطراف مدينة داريا غرب دمشق، تقع حديقة صغيرة تُحيط بها أبنية مدمّرة بشكل شبه كامل. قبل نحو أربعة أشهر، شهدت الحديقة فعالية زَرعَ فيها أهالي المغيبين والمغيبات شجيرات زيتون حملت أسماء أولادهم وصورهم، مطلقين واحدة من سلسلة «حدائق التين» التي تهدف إلى تخليد ذكرى الراحلين والراحلات في سوريا.

تبدو الحديقة اليوم مهجورة إلى حد ما. عندما زُرتها قبل أيام، أخبرني أحد الأشخاص بأن بعض الأهالي يحضرون بين الحين والآخر ليلقوا نظرة على الشجرة التي تحمل اسم ابنهم أو ابنتهم، ويسقونها ويقفون إلى جانبها، كأنها بديلٌ عن قبر يضمُّ الرفات. ما زال الغرافيتي الذي رُسم عند افتتاح المكان ماثلاً على جدار يحمل آثار قصف واضحة، فيما تحتاج الأشجار والتربة إلى كثير من العناية.

هذه الحديقة، وغيرها من الأماكن التي استضافت فعاليات تتعلق بقضية المفقودين في الغوطة الشرقية ومخيم اليرموك ومناطق أخرى، تقدم مثالاً واضحاً على مخاوف الأهالي حيال مصير حراكهم، بعد أكثر من عام ونصف على سقوط نظام الأسد. خيام كبيرة امتلأت بصور المفقودين وأعمال فنية عنهم، وجلسات تناولت أوجاع الأهالي ومطالبهم، لم يعد لها اليوم حضور يُذكَر. أخبرتني إحدى سيدات بلدة شبعا في الغوطة الشرقية بأنها حزينة جداً لأن لافتة كبيرة تحمل صور شهداء ومفقودين من عائلتها أُزيلت بعد فترة وجيزة من وضعها في ساحة البلدة.

بدأ حراك «خيام الحقيقة»، وهو تجمع لأهالي المفقودين والمغيّبين قسراً في سوريا، بعد أقل من ثلاثة أشهر على سقوط نظام الأسد، ضمن مبادرة أهلية تطوعية دعا إليها ناشطون وناشطات. كان الهدف أن يُنظِّم الأهالي أنفسهم ويدعموا بعضهم محلياً وبشكل لا مركزي، وأن يتسع الحراك ليصبح وطنياً، وربما الأول من نوعه في عموم البلاد، وخاصة في المناطق التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة الأسد.

لم يكن وجود «خيمة» فعلية ضرورياً؛ كانت الخيمة رمزاً لمكان ثابت يجتمع فيه الأهالي، ويتبادلون حكاياتهم وأوجاعهم، ويطرحون مطالبهم على الهيئات الحكومية والمنظمات المحلية والدولية العاملة في الملف. شهراً بعد آخر، نُظِّمت خيام حقيقة في جرمانا والغوطة الشرقية ومخيم اليرموك وسلمية وداريا وجديدة الفضل، بقيادات نسائية في الغالب ومن ذوي المفقودين. شهدت هذه الخيام فعاليات عدة خلال العام الفائت، ثم تراجعت وتيرتها رويداً رويداً، حتى بات من النادر أن نسمع خبراً عنها.

في اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، الموافق الثلاثين من آب (أغسطس)، فكّرنا أن نسأل: أين خيام الحقيقة، وأين حراك أهالي المفقودين؟

تواصلنا مع عدد من القائمات على الخيام في مناطق مختلفة. كان اللقاء بالأهالي صعباً أحياناً، إذ يشعر معظمهم بالإحباط واليأس واللاجدوى. قالت إحدى المُنسِّقات: «صرت أخجل وصارت عندي صعوبة بدعوة الأهالي لاجتماع متعلق بالخيام. الكل يقول: شو منستفيد؟ عم تاخدونا وتجيبونا وما في نتيجة».

تُقدِّر المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا عدد المفقودين والمفقودات بما يتراوح بين 130 و300 ألف، وتقول إن «كل أسرة سورية تقريباً تعرف شخصاً مفقوداً أو فقدت أحد أفرادها». وتشير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن ما لا يقل عن 177 ألف شخص ما زالوا في عداد المختفين قسراً، وقد اختفت غالبيتهم العظمى على يد نظام الأسد.

لم تختفِ الخيام تماماً، لكنها فقدت كثيراً من زخمها تحت وطأة إنهاك الأهالي، وغياب النتائج الملموسة، وانعدام الموارد، والعراقيل التي تضعها بعض الجهات المحلية، ومحاولات التعامل مع المُنسِّقات بصفات فردية عوضاً عن الاعتراف بالحراك المستقل.

زخم البدايات

انطلقت الخيام في الأشهر الأولى من عام 2025، وسط حراك واعد وزخم كبير. خلال فترة وجيزة، أُقيمت فعاليات عدة، كان بعضها ضخماً وجمع المئات من الأهالي. عند مدخل مخيم اليرموك وفي ساحة بلدة دير العصافير وساحة السيوف في جرمانا وساحة بلدة جديدة الفضل، بات مألوفاً أن تُرَى صور المفقودين والمفقودات معلقة، وأن يلتقي الزائرُ أهاليهم وهم يحملون صورهم، أو يشعلون الشموع لذكراهم، أو يتحدثون بصوت مرتفع عن مطالبهم، وخاصة من الجهات الحكومية المعنية.

تقول شفاء جنبلاط، وهي من مُنسِّقات خيمة داريا: «إثرَ الصدمة التي عشناها بعد سقوطِ النظام وفتحِ السجون من دون أن يخرج أحبابنا منها، كنا نعيش ألمنا لوحدنا ونتساءل عمّا سيحدث بهذا الملف الذي لا يبدو أنه يَلقى اهتماماً كافياً».

وتُتابع: «انطلقت أولى خطوات الخيمة بدعم معرفي وقانوني من أشخاص مقيمين خارج البلاد وعلى اطلاع بالقضية. بدأنا بجمع البيانات واختيار فريق تنسيق متنوع، مؤمن بالقضية وقادر على العمل بصبر رغم التعب. فكّرنا أيضاً بما يمكننا الحديث عنه مع الأهالي من مواضيع مشتركة وغير خلافية؛ فما يجمعنا هو وجعنا. هدفنا بشكل أساسي إلى التوعية بملف المفقودين والعدالة الانتقالية، كي يكون الأهالي قادرين على التعبير عن حقوقهم وتضحياتهم، وتخليد الذكرى، والعمل على ضمان عدم التكرار. انطلقنا بنحو ثلاثين أسرة، ونحن اليوم 300، وما زال هناك كثيرون لم ينضموا إلينا بعد».

وتشير تقديرات ناشطين إلى وجود نحو 2700 مفقود أو مختفٍ في داريا وحدها.

وتقول فوزية الأسد، وهي من مُنسِّقات خيمة بلدة شبعا في الغوطة الشرقية، التي ما زال نحو 600 من أبنائها في عداد المفقودين: «بدأنا بتنظيم الحراك بعد سقوط النظام بنحو ثلاثة أشهر، وركزنا بشكل أساسي على احتياجات الأهالي وخيبة أملهم الكبيرة في تلك الفترة. كانوا ينتظرون خروج أولادهم، أو الحصول على أي تعويض يُعينهم على إعالة عائلاتهم، وخاصة أن غالبية المفقودين من الرجال. تواصلنا معهم وجمعنا صور الأشخاص وطبعناها، ونَسَّقنا مع بلدات القطاع الجنوبي في الغوطة، ومنها دير العصافير والمليحة وزبدين، ثم أطلقنا خيمة القطاع كاملاً ضمن فعالية ضخمة».

تحولت الخيام في الأشهر التالية إلى مكان يلتقي فيه الأهالي، ويفرّغون أوجاعهم ويتحدثون عن مطالبهم. وتضيف فوزية أن المنسقات أخذنَ على عاتقهنَّ أن يَكُنَّ صلة وصل بين الناس والجهات الحكومية، وعلى رأسها الهيئة الوطنية للمفقودين، التي تشكّلت في أيار (مايو) 2025 بغرض الكشف عن مصير المفقودين ودعم عائلاتهم.

كما أتاح بروز صوت موحد للأهالي حضورهم في فعاليات أخرى، مثل التجمعات المركزية في دمشق والاجتماعات التي تتناول قضية المفقودين، وصار من المألوف دعوة «خيام الحقيقة» بوصفها ممثلاً عنهم.

عوائق العمل واستنزاف الأهالي

سرعان ما اصطدمت الخيام بكمّ هائل من التعقيدات والتحديات، يرتبط بعضها بحساسية الملف وأحوال الأهالي، وينتج بعضها الآخر عن الإهمال والتهميش ومحاولات مصادرة الحراك.

تقول سماء محمود، وهي من مُنسِّقات خيمة سلميّة ومؤسسة «لن ننسى»: «بدأنا بتشكيل الخيمة بعد سقوط نظام الأسد بأشهر قليلة. كنا مهتمين بتوحيد جهود أهالي المفقودين وإيصالهم إلى مواقع فاعلة في صنع القرار، والتأكيد على مطالبنا بحمايتهم وسماعهم وضمان عدم التكرار. أطلقنا الخيمة فعلياً في أيار (مايو) 2025، ونفذنا جلسات دعم قانوني ونفسي، ووَزَّعنا مساعدات إغاثية وطبية، ووثَّقنا حالات ابتزاز لبعض الأهالي للحصول على شهادات وفاة لأولادهم. كما أطلقنا حديقة ’صوت المُغيَّبين‘ في كانون الأول (ديسمبر)، فتحولت إلى مكان لاجتماعات عفوية بين الأهالي».

واجهت هذه الفعاليات عراقيل كثيرة، وفق سماء. لم يحصل المنظمون على تسهيلات أو دعم لوجستي أو مكان مناسب من الجهات الحكومية، ومُنعوا من وضع شعارات الخيام أو المؤسسة بحجة عدم حصولهم على تراخيص. وبعد ذلك، نُشرت أخبار الأنشطة ودعواتها باسم مديرية المنطقة من دون أن تُقدَّم مساعدة واضحة.

وتقول: «لاحظنا توجهاً للتعامل معنا كأفراد لا كتجمُّع، ولدعوة الفاعلين إلى الاجتماعات بصفتهم الشخصية، لا كممثلين عن الكيانات والمنظمات، وكأن الأمر مجرد ’رفع عتب‘. لعلَّ ذلك ناتجٌ عن انتقاداتنا العلنية لسير العمل الحكومي، فهناك إهمال لملف المفقودين، في مقابل استفزاز الأهالي عبر إعادة تدوير عدد من رموز النظام القديم واستقوائهم على الناس بالسلاح. وهناك تجمُّعات أخرى تستغل الملف لجمع التبرعات. كل ذلك يدفعنا نحو اليأس أحياناً».

لم يكن الحراك في داريا أكثر سهولة. لفتت سيدات من ذوي المفقودين التقيتُ بهنَّ إلى عوائق تتعلق بقيادة النساء للحراك، وهو أمر ما زالت مجتمعات محلية عدة في سوريا تتعامل معه بتحفظ. رُفِضَ اجتماع النساء في المساحات العامة، وطلبت بعض الفضاءات المتاحة، ومنها المركز الثقافي، أجوراً مرتفعة جداً لاستئجار قاعاتها، فكان الحل الأكثر جدوى وأماناً أن يجتمعنَ في أماكن خاصة.

وأشارت السيدات إلى محاولات لمُصادَرة الحراك ووضعه ضمن أطر معينة، وخاصة من جانب الإدارة المدنية، وهي جسم غير رسمي تشكل بعد سقوط نظام الأسد لإدارة شؤون المدينة. كما فُرِضَ الحصول على موافقات من «الأمانة العامة للشؤون السياسية» التابعة لوزارة الخارجية قبل كل نشاط.

رافقَ ذلك توجيه اتهامات إلى كل من بقي في مناطق سيطرة نظام الأسد بأنه من «الفلول» أو «متخاذل». وكان الثمن سجالات وعملاً مضنياً قبل إطلاق الخيمة، وحتى قبل وضع شعارها على الفعاليات التي تنظمها، ما أثار مخاوف بعض الأهالي من المشاركة. تلخص إحدى السيدات هذا الخوف بقولها: «صرنا نخاف، اليوم بدهم موافقة، بكرا بيضبّونا». وتُنوِّه السيدات أيضاً إلى تَعرُّض صفحة الخيمة على مواقع التواصل للتبليغ والإغلاق التام.

وركزت سيدات داريا وشبعا على التحديات الهائلة التي تواجه العائلات في حياتها اليومية، من إعالة الأولاد إلى الأوضاع الاقتصادية المتردية، وصعوبة تأمين فرص العمل والتعليم. تضطر نساء كثيرات إلى العمل في وظائف مُتعِبة وغير مجدية مادياً، وإخراج أولادهنّ من المدارس لعدم القدرة على تحمل تكاليف التعليم، والاستغناء عن علاجات وأدوية ضرورية لكنها مكلفة. كما انعكس كل ما عانته الأسر خلال السنوات الماضية على أوضاعها الصحية، جسدياً ونفسياً.

وتتساءل إحدى السيدات: «لماذا لا نحصل مثلاً على راتب شهري، أو بطاقة توضح أننا من أُسَر المفقودين، فتكون لنا ميزات نستحقها، مثل الأولوية في فرص العمل أو مشاريع صغيرة تناسب أوضاعنا، أو الوصول إلى الطبابة والمواصلات العامة مجاناً؟».

وتهكّمت سيدة في شبعا من أن نظام الأسد كان يعطي أولوية أكبر لعائلات من قُتلوا في صفوف جيشه، فيما يُعاني أهالي المفقودين اليوم الأمرّين لتأمين حياة كريمة.

تدفع هذه الظروف أحياناً إلى نشوء نزاع غير مُعلَن بين العائلات على الفرص القليلة المتاحة. تقول السيدات في داريا: «لو لم يكن هناك تقصير حكومي واضح في هذا الملف، ولو شعر الجميع بالعدالة، لما حدث شرخ بينهم كما هو الحال اليوم. نحن نشعر بأننا غير مرئيين».

وتتحدث سيدات شبعا عن نُدرة الدعم المُقدَّم من المنظمات لعائلات المفقودين، وعن التمييز بين من كانوا في الشمال السوري ومن بقوا في مناطق سيطرة الأسد، إضافة إلى التمييز ضد النساء عموماً، وهنَّ قائدات هذا الحراك.

خيبة أمل من الهيئات

رغم مرور أكثر من عام على تأسيسها، ما زالت جهود الهيئات المعنية بملفَي المفقودين والعدالة غير واضحة أو كافية بالنسبة إلى الأهالي الذين التقينا بهم.

سألتُ إحدى السيدات في شبعا إن كانت تعرف بوجود مقر لهيئة المفقودين في حي المزة بدمشق، أو تعرف صفحاتها الرسمية وطرق التواصل معها، فأجابت بالنفي. ويبدو أن عدم المعرفة هذا شائع بين الأهالي، ونحن نتحدث هنا عن شريحة قد لا تمتلك القدرة على الوصول إلى المعلومات المتعلقة بعمل الهيئات، وتحتاج إلى استراتيجيات تواصل مخصصة لا تبدو متاحة حتى الآن.

وتقول سيدات داريا: «شاركنا في كثير من الفعاليات منذ تأسيسنا، وفي كل مرة نذهب بهمّة قوية ونعود بخيبة أمل، وخاصة من هيئة المفقودين. نسمع كلاماً وردياً من قبيل: ’عم نشتغل، رح نعمل، رح نساوي‘. لكن ما الإطار الزمني؟ وكيف سيتم هذا العمل؟ لا أحد يعرف. ولماذا تُدعَى الأسماء نفسها في كل مرة؟ نريد خطة واضحة لأرشفة الوثائق والتعامل مع المقابر الجماعية وغيرها. الإجابات الفضفاضة والوعود غير المرتبطة بتفاصيل أو تواريخ، وغياب الشفافية والتطمينات، كلها تجعل حراك الخيام أصعب».

دفعت خيبةُ الأمل هذه، وحتى الغضب «المحق» وفق تعبير السيدات، بعض الأهالي إلى الاعتقاد بأن تشكيل هيئتي المفقودين والعدالة الانتقالية جاء في إطار ذر الرماد في العيون. تقول إحدى سيدات داريا: «لما بدنا نطالب الحكومة بأي شي، بيقولولنا صار عنا هيئات روحوا طالبوها. والهيئات نفسها بتقول ما عنا مصاري ولا موارد ولا آلية واضحة. مستوى التهرُّب والتسويف عندهم كبير كتير».

كما يفتح غيابُ المعلومات البابَ واسعاً أمام الشائعات التي تنتشر بين الأهالي حول عمل الكيانات المعنية مباشرة بقضيتهم.

كان الإجماع، عندما سألنا السيدات عن مطالبهنَّ المباشرة من الهيئتين، على ضرورة تقديم دعم فوري لعائلات المفقودين، مادياً وفي مجالات العمل والسكن والتعليم، إلى جانب حل المعضلات القانونية الناتجة عن الفقدان الغامض لأحد أفراد العائلة.

تقول إحدى السيدات: «ما عُدنا نريد كشف المصير والحصول على رفات أحبتنا، فقد يَئسنا من ذلك، ولسنا قادرين على انتظار أربع أو خمس سنوات أخرى. نريد على الأقل حياة كريمة لأولادنا».

تشملُ المطالب أيضاً ضمان المحاسبة، التي لا يحصرها بعض الأهالي في المحاكمات القضائية، إذ يطرحون وسائل أخرى مثل الخدمة المجتمعية، إضافة إلى تأمين حماية الشهود ضمن المسارات القانونية، وخاصة النساء.

ولا تُغفِلُ السيدات أهمية جبر الضرر المعنوي وحفظ الذكرى، من خلال تخليد أسماء المفقودين وتسمية أماكن عامة بأسمائهم، على سبيل المثال. ابتسمت إحدى الأمهات في بلدة شبعا، وهي التي فقدت ابنها، عندما تحدثت عن فعالية نُظِّمَت منذ فترة لأمهات الشهداء وُزعت خلالها الورود عليهن: «انبسطت إنهم تذكروني، رغم إنها شغلة صغيرة كتير».

وتتحدث أخرى بغضب أكبر. ما زالت بناتها ينتظرنَ تكريماً يليق بوالدهنَّ المفقود، بعد سنوات من الخوف من الحديث عنه لئلا يُتهمنَ بأنهن «بنات الإرهابي». تقول: «بناتي قالولي حاج تروحي ما في شي. كل ما تروحي منفكر بدك تجيبي بطاقة شرف نرفع راسنا بأبونا، على أساس صرنا أولاد شهيد».

تبقى الشفافية التامة في عمل الهيئات أحد المطالب الأساسية. تقول السيدات في شبعا: «اقعدوا معنا واحكولنا، واسمعوا منّا لأننا بحاجة نفرّغ اللي بقلبنا. منعرف الشغل صعب، بس نحنا بحاجة نفهم. كل سجّاني صيدنايا اللي انمسكوا شو حكوا؟ أهالينا وين مدفونين؟ لو الهيئات تحكي معنا أكتر، منحسّ إنه حدا عم يفكر فينا، وبيضل عنا أمل. بس نحنا تعبنا وملينا».

ما مستقبل الحراك؟

تقول سماء: «من غير المسموح أو المقبول أن نتعب أو نستسلم. هذه لم تعد قضيتنا الشخصية، وإذا توقفنا عن هذا العمل، مهما كان بسيطاً، فنحن نفتح الباب لأفعال انتقامية نتيجة الغضب الكبير. بعد أشهر، استطعنا بناء ثقة قوية مع الأهالي، وصرنا عائلة واحدة كبيرة. لعبت لقاءات حديقة المغيبين والزيارات الميدانية دوراً كبيراً في ذلك، فالجميع بحاجة إلى الحديث عن أوجاعه والإحساس بالتضامن».

تَأمَلُ سماء أن تنتشرَ الخيام في أنحاء سوريا، فتجمعَ أصوات الأهالي وتتحول إلى أجهزة ضغط ورقابة على الجهات العاملة في الملف، من دون إجبارها على أن تصبح كيانات مرخصة، لما يحمله ذلك من مخاوف تتعلق بالرقابة والبيروقراطية. وترى أن صوت الأهالي يجب أن يبقى قوياً وموحداً ومستقلاً.

وتتفق شفاء معها، إذ ترى أن خيام الحقيقة لا ينبغي أن تُجبَر على الترخيص كي لا يصبح الحراك مُصادَراً ومُوجَّهاً. تقول: «هذه مساحتنا الآمنة للتعبير. الغرض منها الحديث عن آلامنا ومطالبنا المحقة، وليس التخريب أو الإيذاء. لا نريد أن تصبح أنشطتنا تحت رعاية هذا الشخص أو تلك الجهة، ونريد الاستمرار حتى تحقيق ما ننادي به».

لكن الاستمرار ليس سهلاً. تضيف شفاء: «كانت هناك مقترحات لتنفيذ وقفات شهرية كي تبقى القضية حاضرة، لكنها عبء على الأهالي. نحتاج إلى أخذ إجازة من العمل ودفع تكاليف المواصلات، وفي النهاية نذهب إلى الوقفة لنستجرّ آلامنا ونسرد قصصنا للإعلام، ثم نعود خائبات الأمل بجراح مفتوحة».

تُدرك مُنسِّقات الخيام حاجتهن إلى تطوير العمل وتمكين الفرق، ولذلك يواصلن التنسيق وعقد الاجتماعات بهدف تحسين الهيكليات والضوابط واستراتيجيات التواصل في الأشهر المقبلة.

وفي نهاية لقائنا، تقول شفاء: «حراك الخيام لم يتوقف ولن يتوقف، وإنما تباطأ ليجد الطريقة الأصح ويحافظ على سلامة الأهالي ويرفع أصواتهم من دون تكليفهم عناءً إضافياً. ما زلنا نعمل بصبر كبير لإيجاد الحلول ودعم ذوي المفقودين حتى تحقيق مطالبهم».

أَسأل سيدات شبعا إن كُنََّ يخشين أن تموت قضيتهن، فيجبن: «ربما، لو سكتنا، فالقضية لا تنجح من دون الأهالي. نعم، لدينا خوف من تسكير الملف ونسيانه. شعرنا بالكآبة العميقة عندما فُتحت قضية رانيا العباسي، وخفنا أن يكون ملف المفقودين قد انتهى، وأن نموت ويموت أولادنا من دون أن يحصلوا على شيء. لذلك نحن مصرّون على المتابعة رغم كل الصعوبات». بالإشارة إلى إعلان الهيئة الوطنية للمفقودين نهاية أيار (مايو) الفائت عن كشف مصير ووفاة عائلة الطبيبة رانيا العباسي التي اعتقلها نظام الأسد مع زوجها وأولادها الستة عام 2013، شعرَ الأهالي حينها بأن الحالات الأكثر معرفة وشهرة ربما هي فقط ما سيتم الإعلان عن مصيره، في حين قد تبقى معظم حالات الفقدان والاختفاء قيد الانتظار.

في المكان الذي التقيتُ فيه سيدات شبعا، وهو قاعة للفعاليات في البلدة، خُصِّصت زاوية لصور المفقودين والمفقودات، وإلى جانب كل صورة معلومات عن صاحبها. لا تكلُّ السيدات من الحديث عن الصور بالتفصيل؛ فلكل مفقود حكاية لا تشبه غيرها.

«لا خيار لنا سوى أن تبقى القضية حاضرة»، يؤكدنَ لي وأنا أغادر المكان.