هناك اتفاق دولي ضمني على إنهاء حقبة الجماعات العابرة للحدود؛ فبعد «داعش» و«القاعدة» جاء دور الأذرع الإيرانية التي أصبحت خطراً يهدد العالم بقيادة «الحرس الثوري» الإيراني. وهنا المنعطف العالمي الذي لم يدركه «الحرس الثوري» ولا فصائله، أن نصف القرن الماضي لم يكن «الحرس الثوري» يشكل تهديداً على الطاقة أو سلاسل الإمداد الدولية، وما إن شكّل هذا التهديد حتى انتهى الأمر، وأصبح مصيره يلحق بمصير تلك الفصائل؛ إذ لم تعد إيران في الداخل «دولة»، ولم يعد العالم يتعامل معها بصفتها دولة بتراتبيتها ومؤسساتها، بل أصبح التعامل الآن مع «الحرس الثوري»، أي مع ميليشيات تهدد وتبتز العالم مثلها مثل من سبقها من تلك الجماعات.
«الحرس الثوري» الآن أصبح وحيداً، لا توجد دولة أو حليف يقف معه؛ ومن يمده ببعض العون (الصين وروسيا على سبيل المثال) فهو يقوم بذلك لمصالح ذاتية، نكاية بالولايات المتحدة والرئيس دونالد ترمب تحديداً، وأملاً في إضعافه وإنهاكه، أو لمصلحة تجارية تخصه. إنما الكل يعلم أن ذلك سيعود بالضرر حتى على تلك الدول عاجلاً أم آجلاً، مما يؤكد في النهاية أن النظام الإيراني (أو ما تبقى منه) انتهى بصفته دولة، وانتهت معه التحالفات التي عقدها. فأين هي تلك التحالفات من الضربات التي تعرضت لها إيران وقُضي فيها على قياداتها وسلاحها؟ أقصى ما حصلت عليه إيران هو مجرد «وساطات» لتخفيف الضغط عليها.
والحصار المفروض عليها الآن لن يُبقي لها حليفاً؛ فهناك خنق اقتصادي تام سيسرع باتساع رقعة الخلاف الإيراني – الإيراني في الداخل، مما سيقود حتماً إلى صراع الجناحين الإيرانيين: الجناح الذي يريد أن يستسلم ويقبل ببقاء فلول النظام وما تبقى من شكل الدولة، وسيزيد من ضغطه على «الحرس الثوري» والمرشد معاً مستعيناً بالشارع، فإن نجح فذلك يعني التخلي عن القيادات المتشددة في «الحرس الثوري»، ومعه التخلي عن تلك الأذرع مقابل إنقاذ إيران.
ومع هذا كله، تتردد الأذرع الإيرانية إلى الآن في تسليم سلاحها للدولة الوطنية في لبنان والعراق، بالرغم من تلك المعطيات جميعاً، وبالرغم من الضغوط المحلية والدولية التي تحثها على ذلك تجنباً لتهديدات تمس أمنها وسلامة من بقي من أعضائها. والسبب هو أن رهانها ما زال قائماً على «الحرس الثوري» الإيراني الذي يطلب من تلك الفصائل الصمود لعامين حتى انتهاء فترة ترمب، وعدم تسليم السلاح، حتى لو أدى الأمر إلى مواجهة مع جيش الدولة المدعوم من الأطراف الإقليمية والدولية.
نتمنى أن يتغلب العقل والمنطق، أو على الأقل تتغلب المصلحة الشخصية لقيادات تلك الفصائل، ليجنبوا لبنان والعراق حرباً، وإراقة دماء لا مصلحة لأحد فيها.
