لم تبدأ اتّفاقية مكّة الثلاثيّة يوم توقيعها، ولن تتوقّف حدود قيمتها عند بنودها. هناك إجماع على أنّها انطلاقة لمسار جديد في الأمن والشراكة والردع. لكنّ السؤال الأهمّ ليس ما الذي تبحث عنه السعوديّة في المنطقة، بل ماذا تبني في الإقليم بشراكة تركيّة ـ باكستانيّة، وما الذي تريد تغييره؟
ما جرى في مكّة في السابع من آب 2026 كان محطّة في مسار ثلاثيّ أوسع، تتحرّك فيه المنطقة نحو ترتيبات أكثر قدرة على التعامل مع المتغيّرات المتسارعة في موازين القوّة والمخاطر المتزايدة.
في قلب هذا المسار تقف السعوديّة. فالرياض لا تتحرّك نحو شراكة دفاعيّة جديدة بمعزل عن شبكة علاقاتها العربيّة والإقليميّة والدوليّة، ولا تبدو في وارد استبدال شريك بآخر، بقدر ما تعمل على توسيع خياراتها والمساهمة في بناء قدرة أكبر، تمكّنها من التعامل مع إقليم تتغيّر فيه مصادر القوّة والمخاطر، وتساهم في تأمين الاستقرار وحماية المصالح.
بهذا المعنى، تندرج قيمة اتّفاقية مكّة الحقيقيّة في أنّها تضع لبنة أولى في شبكة أمنيّة تقودها قوى إقليميّة من داخل المنطقة، من دون أن تعلن القطيعة مع القوى الدوليّة أو التخلّي عن الاتّفاقات القائمة.
لكنّ معرفة ما تريد السعوديّة أن تبنيه بعد مكّة، تقتضي العودة خطوة إلى الوراء: إلى البيئة الإقليميّة التي دفعت الرياض إلى إعادة التفكير في معنى الأمن، وإلى التحوّلات التي جعلت بناء الشراكات والقدرات جزءاً من حماية المصالح، لا مجرّد استجابة لتهديد طارئ. وهنا تتّضح دوافع التحرّك السعوديّ، ولماذا اختارت الرياض لهذه الشراكة هذه الصيغة تحديداً.
السّعوديّة لن تنتظر الخطر عند حدودها
تغيّرت طبيعة الأمن في المنطقة، ولم يعد التهديد يُقاس بما يحدث على الحدود فقط. الصواريخ والمسيّرات، أمن الطاقة، المنشآت الحيويّة، الممرّات البحريّة وسلاسل الإمداد، كلّها جعلت المسافة بين الخطر ومصالح الدولة أقصر بكثير.
السعوديّة تتعامل مع هذا التحوّل بطريقة مختلفة: بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات، تتحرّك نحو بناء بيئة تستطيع فيها تقليل المخاطر قبل وصولها إليها. حماية المصالح تبدأ من تشكيل البيئة الأمنيّة، لا من انتظار الأزمة.
الأمن السّعوديّ يتجاوز الخليج
الأمن السعوديّ يبدأ من الخليج، لكنّه لا ينتهي فيه. البحر الأحمر وباب المندب وطرق التجارة والطاقة، وصولاً إلى المشرق والأناضول وجنوب آسيا، كلّها أصبحت أجزاء من مشهد أمنيّ واحد.
لهذا لا تبدو الشراكة مع تركيا وباكستان توسّعاً جغرافيّاً فقط، بل استجابة لجغرافيا أمنيّة تتّسع هي الأخرى. تعكس اتّفاقية مكّة هنا فكرة بسيطة لكن استراتيجيّة: اتّساع دائرة المصالح السعوديّة يفرض اتّساع دائرة الشراكات القادرة على حمايتها.
تركيا وباكستان.. التّنسيق مع القوّة التي تحتاجها السّعوديّة
لا تكمن أهميّة تركيا وباكستان في مجرّد انضمامهما إلى اتّفاق دفاعيّ مع السعوديّة، بل في نوع القدرات التي يمكن أن يضيفها كلّ منهما إلى المسار السعوديّ الإقليميّ الجديد. إذ بلغت صادرات الصناعات الدفاعيّة والجويّة التركيّة نحو 8.5 مليارات دولار في 2025، مع استهداف تجاوز 10 مليارات دولار في 2026، وهو ما يمنح “الشراكة مع أنقرة” ثقلاً اقتصاديّاً وصناعيّاً ملموساً بدل البقاء في إطار التحليل الاستراتيجيّ المجرّد.
العلاقة مع أنقرة انتقلت من مرحلة طغت عليها الخلافات إلى مساحة أوسع من المصالح والتعاون العمليّ، ما جعل التحوّل إلى التعاون الأمنيّ والدفاعيّ أكثر قابليّة للبناء عليه. أمّا باكستان فتضيف بعداً مختلفاً، فخبرتها العسكريّة وموقعها في جنوب آسيا وعلاقاتها الدفاعيّة تجعلها شريكاً يوسّع المجال الاستراتيجيّ للمسار.
السعوديّة لم تجمع قوّتين متشابهتين، بل اختارت قوّتين مختلفتين يمكن أن تتكاملا حول مصالح أمنيّة مشتركة.
هنا تكمن إحدى أهمّ نقاط القوّة في الصيغة الثلاثيّة. عندما تتّسع الدائرة لاحقاً لتشمل دولاً إسلاميّة أخرى، مثل مصر “المتأرجحة” سياسياً واقتصادياً، فإنّ الاختبار لن يكون في عدد الأعضاء، وإنّما في قدرة الصيغة على التحوّل من شراكة ثلاثيّة إلى شبكة إقليميّة أوسع.
الرّياض تريد صناعة التّوازن لا مجرّد التّعامل معه
السعوديّة لا تغلق باباً عندما تفتح باباً آخر. فهي تحافظ على علاقاتها الدوليّة، وتتحرّك في محيطها العربيّ والخليجيّ، وتبني في الوقت نفسه شراكات إقليميّة جديدة.
لكنّ النقلة الحقيقيّة هي أنّ الرياض تحوّلت من دولة تتعامل مع توازنات يريد أن يصنعها الآخرون إلى دولة تساهم في صناعة هذه التوازنات. وهذا ما يمنح السعوديّة مساحة أوسع للحركة، من دون أن تربط خياراتها بطرف واحد أو بقعة جغرافيّة محدّدة.
مكّة أعطت المسار شكلاً
الاتّفاقية لم تبدأ في مكّة، لكنّها أعطت مساراً سعوديّاً متراكماً وإطاراً دفاعيّاً واضحاً. والسؤال من هنا ليس ماذا وقّعت الدول الثلاث، بل ماذا ستفعل بعد التوقيع؟
بدأت اتّفاقية مكّة بالتحوّل إلى مؤسّسات وتنسيق وتدريب وتبادل معلومات وصناعات وطاقات مشتركة، فانتقلت السعودية خطوة أخرى من امتلاك النفوذ إلى تنظيمه وتحويله إلى قدرة مؤثّرة.
اتّفاقية مكّة بداية لمسار سعوديّ إقليميّ استراتيجيّ جديد. وما سيحدّد قيمتها في النهاية ليس توقيعها، ولا عدد من قد ينضمّ إليه، بل ما تنتجه من تنسيق وقدرات وترتيبات جديدة في الإقليم. وبالفعل، عقدت اللجنة السياسيّة والدفاعيّة الاستراتيجيّة المنبثقة عن الاتّفاقية اجتماعها الأوّل في إسطنبول يوم 31 آب 2026، بمشاركة وزراء الخارجيّة والدفاع ورؤساء هيئات الأركان في الدول الثلاث، وهذا يُظهر أنّ المسار انتقل فعليّاً من التوقيع الرمزيّ إلى آليّة تنفيذ مؤسّسيّة.
هنا يبدأ السؤال الأصعب: ما الذي ستقدّمه الاتّفاقية للإقليم، وكيف يمكن أن تنتقل من اتّفاق دفاعيّ إلى صيغة تساهم في إعادة تشكيل الأمن الإقليميّ؟
*غداً في الحلقة الثانية: ماذا سيحدث عند بداية تفعيل اتفاقية مكة؟
ل
