ما كان هذا المؤتمر الذي حضرته هو الأوّل لدار أو دور الإفتاء بمصر. لكنّه كان مهمّاً جدّاً بسبب حساسيّة الموضوع، المتّصل بالأسرة وما يطرأ عليها من تحوّلات. فالتغيير في الحياة الأُسريّة حاصل في كلّ عصر. لكنّه هو الأشدّ في العصر الذي نعيشه والذي يسمّى: العصر الرقميّ. لقد غصّ المؤتمر بحوالي عشرين موضوعاً تدور جميعاً حول الأسرة والمتغيّرات. وقد اخترت منها أربعة موضوعات رأيت أنّها الأهمّ والأكثر دلالة.
كان مؤتمر دار الإفتاء المصريّة هذا العام لافتاً وحافلاً. إذ هناك هيئة عامّة لدور الإفتاء في العالم برئاسة مصر، وهذه الهيئة عقدت هذا العام مؤتمرها الحادي عشر برئاسة الدكتور نظير محمّد عياد مفتي الدار المصريّة. ولذلك حضره معظم مفتي العالم الإسلاميّ أو من ينوب عنهم. وكان عدد البحوث المقدّمة أكثر من ثلاثمئة. فالموضوع حسّاس وشديد الأهميّة، ولكلّ بلد إسلاميّ أو مختلط تجربة أو تجارب في مسائل الأسرة وقضاياها ومشكلاتها. ولذلك كان عند كلّ محاضرٍ ما يقوله أو يوصي به.
لقد ركّز المؤتمر في المحاور التي طُلب من المشاركين معالجتها، وهذه هي البنود الرئيسيّة:
تحدّيات التّربية في العصر الرّقميّ
1 ـ العصر الرقميّ: الموضوع الذي يشغل الجميع هو العيش في العصر الرقميّ الذي يشمل وسائل التواصل والذكاء الاصطناعيّ. وأكثر الفئات الاجتماعيّة تأثّراً به هم الأطفال والفتيان. وإذا كان من الممكن اعتبار وسائل التواصل تقنيّات وأدوات، فإنّ الذكاء الاصطناعيّ ليس كذلك، بل هو أسلوبٌ في الاجتذاب وتغيير التفكير أو رؤية العالمWorld View .
نحن نعيش في ظلّ ثقافةٍ جزءٌ منها موروث، وجزءٌ آخر صنعته البيئات الجديدة. بينما أولادنا يتأثّرون بنا، لكنّهم يتأثّرون أكثر كلّما تقدّمت بهم السنّ بوسائل الاتّصال والذكاء الاصطناعيّ، وهي إمكانيّاتٌ متاحةٌ بغزارة، كما أنّها الأكثر إغراءً من نصائحنا التربويّة، ومن جهات المحرَّمات والمنهيّات التي نحاول زرعها في عقل الفتى وقلبه.
من الضروريّ أن تصل المحرّمات والمنهيّات إلى الأخلاد والقلوب، إنّما دون مبالغة، وبأساليب تربويّة مقبولة. وفي مجتمعاتنا ما يزال الأمر محتملاً، وأمّا في أوروبا وأميركا فإنّ أمر الإرشاد الأُسَريّ صار صعباً وصعباً جدّاً أحياناً. فحتّى القوانين صارت ضدّ التربية الأُسريّة التقليديّة من جانب الأب والأُمّ.
تصدّع القيم الأخلاقيّة ومشتركات العالم
2 ـ متغيّرات القيم: القرآن الكريم يطالبنا بأن نكونَ جزءاً من العالم، عندما يطلب منّا أن نتّبع المعروف وأن نأمر أو ننصح به. والمعروف هو الفضائل والأمور الأساسيّة المتعارف عليها بين البشر: من مثل الفضائل العشر في التوراة، ومثلها في القرآن. وهذا هو معنى مطلب الحوار بين الأديان لأنّ بينها مشتركات كثيرة.
لكن لنلاحظ أنّ المعروف العالميّ يتصدّع، وتصدّعُهُ نوعان:
أ ـ التصدّع في النظام العالميّ والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان والإعلانات الملحقة.
ب ـ النوع الآخر هو القيم والأخلاق الفرديّة.
كلا النوعين يتصدّعان أو يتضاءل الالتزام بهما: من جانب الدول في ميثاق الأُمم المتّحدة، وفي إعلان حقوق الإنسان. ولدى الأفراد في المآثر الأخلاقيّة مثل الصدق والأمانة والإيثار ومحبّة الجار وتكوين الصداقات بالمدرسة… إلخ. كلا المعروفين يتصدّعان إمّا للتمرّد عليهما أو للاستكبار مع التظاهر بالإيمان.
إذا كان الحال هكذا، وهو واقع، فالسؤال: على ماذا نلتقي إذن مع جوارنا ومع العالم؟ ما دام المعروف العالميّ مهدَّداً، فأما يزال ممكناً الاحتكام إلى قواعد أخلاقيّة أو مشتركات مع العالم في شؤون الأُسرة؟
لقد تنوّعت الآراء وتضاربت. فهناك من يرى نظاماً، وإن لم يكن صارماً فهو كامل لقيم الأسرة في الإسلام. بالطبع يمكننا الاستماع لوجهات نظر أُخرى. لكنّ الثقافات والأعراف تتنوّع، وفي الغالب لا يمكن التوافق. في حين رأى آخرون أنّ التشاور مع آخرين في تجارب أُسريّة أمرٌ مفيد جدّاً، ويمكن ذكر أمثلة كثيرة، وبخاصّةٍ أنّ منظّمات رعاية الطفولة والمرأة والأسرة ذات الأبعاد العالميّة انتشرت بيننا من دون أن تلقى استنكاراً في ما عدا حالات قليلة. ما عاد أحد يحبّ الأخلاق المعياريّة، لكنّها موجودة بقوّة في منظوماتنا التربويّة الإسلاميّة.
التّعليم بين التّخصّص والهويّة الثّقافيّة
3. ملفّ التعليم: الملفّ الكبير الثالث الذي طُرح من بين عشرين ملفّاً هو ملفّ التعليم واختلاطه القويّ بالتربية. فالمجتمع ثلاث فئات:
أ ـ الفئة العليا التي ترسل أولادها إلى مدارس النخبة، وهذه لا قياس عليها لقلّة العدد وإن كانت سلوكيّاتها عظيمة التأثير.
ب ـ الفئة الثانية التي نسمّيها بحسب التوصيف الغربيّ الفئة الوسطى وفيها شرائح عريضة بين الأعلى والأسفل. وهؤلاء يرسلون أولادهم أيضاً للتعليم الخاصّ وهمُّهم أن يتقنوا الإنكليزيّة وأن يبرعوا في تخصّصاتهم العلميّة لكي يجدوا عملاً أو أعمالاً بعد نهاية الدراسة. ويمكن القول إنّ هؤلاء هم عقل المجتمع الذي يتشكّل وسط التخصّصات الحديثة في الطبّ وأنواع الهندسة والرياضيّات والكيمياء والفيزياء.. إلخ. وكلّ هؤلاء بارعون في الذكاء الاصطناعيّ واستخداماته. ولا شكّ أنّ ذلك يؤثّر على حياتهم النفسيّة وعواطفهم وشخصيّاتهم. وتلعب المدارس الخاصّة والجامعات أدواراً كبيرةً في التوجيه وزرع القيم والسلوكيّات. وفي خطّة دار الإفتاء للمؤتمر حديث عن الإلحاد ورفض الدين. وهذا أمر وارد. لكنّ الأهمّ هو الضياع العاطفيّ أو التجرّد من الاهتمام بغير فئاتهم المباشرة.
ج ـ هناك عنصر مهمّ شديد التأثير ولا يأتي إلّا من التعليم، وهو اللغة. والعربيّة اليوم نشكو جميعاً من ضعفها في مدارسنا. والسمعة أنّ الفئة الثالثة الذين يتعلّمون بالمدارس الرسميّة ممّن هم من الفقراء، تكون لغتهم العربيّة أفضل، وهو أمرٌ غير صحيح دائماً.
اللغة لدى الشعوب هي المقياس المعياريّ للهويّة والانتماء. وصحيح أنّنا مغرمون بتعليم أولادنا الإنكليزيّة، لكنّ الشخصيّة والهويّة شديدتا الأهميّة وغالباً لا تبقيان بدون اللغة الأمّ. وحتّى لا يضيع ذلك سدى ينبغي أن يكون المدرّسون عرباً متقنين للّغة وخلفيّاتها الثقافيّة والحضاريّة.
ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الخبرات
- ثقافة الحوار: تنمية ثقافة الحوار لدى فئات التدريس والتدريب، ولدى التلاميذ والطلاب. لكنّ الذين تحدّثوا عن الحوار، وكنت منهم، قصدوا إلى محاورة التجارب الأُخرى في التربية والإرشاد. ففي عام 2019 أصدر الفاتيكان وثيقةً عن التربية والتعليم والذكاء الاصطناعيّ والحياة الأُسريّة. وقد اقترح ثلاثةٌ من المحاضرين (وكنت واحداً منهم) أن يكون هناك حوار منظّم مع الفاتيكان في هذه المسألة ومسائل أخرى.
كان الفاتيكان قد أقرّ الحوار مع المسلمين في المجمع الفاتيكانيّ الثاني (1962-1965)، ومنذ ذلك الحين جرت حوارات كثيرة في سائر المسائل مع المسلمين، وأشهرها وثيقة الأخوّة الإنسانيّة التي وقّعها البابا فرانسيس وشيخ الأزهر عام 2019 في أبوظبي. وقد جاء مطلب الحوار أيضاً في العام نفسه في وثيقة مكّة المكرّمة التي أصدرتها رابطة العالم الإسلاميّ. والواقع أنّ الحوار ينبغي أن يشمل سائر الفئات ولا يقتصر على المتخصّصين.
ما كان النشاط الرئيس في المؤتمر منصبّاً على المحاضرات الوجاهيّة. بل كانت هناك ورش، وكثافة في استعمال الرقميّات، وفي تتبّع التجارب، وفي تبادل الإحصاءات والخبرات. وقد انعكست هذه النشاطات في التوصيات التي صدرت عن المؤتمر وقرأها على الحاضرين المفتي عياد، وهي تمزج بين الإنجاز، وما يمكن عمله لزيادة التأثير، واستعادة التوازن.
