
كاتب وسياسي.. جريدة الثورة السورية دمشق
لعل إحدى مشكلات عصر «التريند» أنه يمنح القضايا قدرة هائلة على الانتشار، لكنه لا يمنحها بالضرورة قدرة مماثلة على إنتاج الفهم. فقد تتحول واقعة صغيرة خلال ساعات إلى موضوع يشغل بلداً بأكمله، ويتدافع الناس إلى التعليق عليها وإعلان مواقفهم منها، ثم تختفي بالسرعة نفسها التي ظهرت بها.
وفي هذه الدورة السريعة يصبح «ركوب التريند» نوعاً من الاستثمار في الاهتمام العام، يتمثل في الحضور حيث يتجمع الجمهور، وإظهار الموقف الذي يتوقعه، والحصول على نصيب من التفاعل، قبل الانتقال إلى القضية التالية.
والمشكلة هنا ليست في التفاعل، وإنما في ضياع فرصة الفهم. فبعض الحوادث التي تبدو عابرة تحمل في داخلها، إذا وُضعت في سياقها الأوسع، مفاتيح لفهم مجتمع كامل: ماضيه، وما تراكم في وجدانه، والتحولات التي تجري فيه، والاتجاه الذي يمكن أن يسلكه في المستقبل.
بهذا المعنى تستحق قصة الشاب القادم من الحسكة إلى دمشق قراءة تتجاوز التنمر الذي تعرض له، وتتجاوز أيضاً المبادرة الجميلة للمؤسسة العربية للإعلان حين وضعت صورته على شاشة ضخمة في ساحة الأمويين تحت عبارة «ابن الحسكة نوّرت الشام».
فالحادثة تطرح سؤالاً أكبر من أصحابها جميعاً: من أين جاءت هذه القابلية إلى تصنيف السوري وفق منطقته ولهجته ومظهره وبيئته الاجتماعية؟ وإلى أي حد يمكن فهم بعض هذه السلوكيات خارج التاريخ السياسي والاجتماعي الذي عاشته سوريا طوال العقود الماضية؟
هنا، تحديداً، يظهر السؤال الذي يجب طرحه: ماذا فعل بنا البعث؟ ذلك أن تجربة البعث في سوريا لم تتمثل في مجرد وجود نظام سلطوي صادر السياسة وأقام دولة أمنية واسعة. وإنما فيما خلقته طريقة الحكم نفسها من آثار عميقة في بنية المجتمع وفي العلاقة بين أفراده وجماعاته. فالسلطة التي تستمر عقوداً لا تحكم المؤسسات وحدها؛ وإنما تعيد، بصورة مباشرة وغير مباشرة، تشكيل الحوافز الاجتماعية، ومصادر المكانة والنفوذ، وأنماط الثقة والخوف، وحتى الطريقة التي يتصور بها الناس بعضهم بعضاً.
فقد كان نظام البعث يدرك أن المجتمع السوري، بطبيعته التاريخية، شديد التنوع. تتجاور فيه المدن والأرياف، والمركز والأطراف، والقوميات والأديان والطوائف واللهجات وأنماط الحياة المختلفة. وكان ممكناً لهذا التنوع أن يتطور داخل دولة مواطنة إلى مصدر استثنائي للغنى الثقافي والاجتماعي. غير أن الحكم الأمني أدار جانباً مهماً منه بمنطق مختلف، يقوم على معرفة الانقسامات والحساسيات، واستثمارها وضبطها، وعلى توزيع غير متكافئ للنفوذ والموارد والفرص، وربط قطاعات من الحراك الاجتماعي بشبكات الولاء والواسطة والقرب من السلطة.
ومع تراكم الزمن، تجاوز أثر ذلك عالم السياسة إلى فضاء الاجتماع السوري. فتشكلت صور ذهنية عن مناطق وبيئات وفئات بأكملها، واكتسبت اللهجة والمكان واللباس والانتماء الأهلي دلالات تتجاوز معناها الطبيعي. وظهرت أشكال من الاستعلاء على الريف والأطراف، في مقابل مرارات وشكوك تجاه المدن والمركز، وأصبح السؤال عن أصل الإنسان أو بيئته قادراً في بعض الحالات على استدعاء حزمة جاهزة من الأحكام المسبقة.
هكذا، نشأت بيئة خصبة لمجموعة من الرذائل الاجتماعية التي لا يصعب العثور على آثارها اليوم: المناطقية، والتمييز، والانتهازية، والواسطة، والتنمر على اللهجة والمظهر والبيئة، والتعالي الاجتماعي، والشك في المختلف، وتراجع القدرة على التعاطف معه. والأشد خطورة أن هذه البيئة أضعفت ما يمكن تسميته «الثقة الأفقية» بين السوريين، في الوقت الذي عظمت فيه حاجتهم العمودية إلى السلطة. فالمجتمع الذي تتوجس جماعاته من بعضها يصبح أكثر استعداداً للقبول بمركز سلطوي يقدم نفسه حَكَماً بينها وضامناً لاستقرارها.
ولعل هذه إحدى أكثر مفارقات التجربة السورية مرارة: أن تساهم السلطة في تعميق الشقوق الاجتماعية، ثم تستخدم وجود تلك الشقوق دليلاً على ضرورة استمرارها. ومن هذه الزاوية تحديداً تصبح قصة «ابن الحسكة» أكثر إثارة للاهتمام. فوجود المتنمرين يكشف استمرار رواسب اجتماعية قديمة، لكن الاستجابة التي أعقبت تنمرهم تكشف حركة أخرى تجري في الاتجاه المقابل. ذلك أن آلاف السوريين تعاطفوا مع الشاب، ثم انتقلت المسألة من المجتمع إلى مؤسسة عامة قررت أن تمنح الصورة التي استُخدمت في الإهانة معنى معاكساً تماماً، وأن تضع صاحبها في قلب الفضاء العام للعاصمة.
إن قيمة هذه الواقعة لا تكمن في الاعتقاد بأن لوحة إعلانية تستطيع معالجة مشكلة اجتماعية متراكمة. وإنما تكمن أهميتها في أنها تقدم مؤشراً على تغير «معيار القيمة» نفسه. فالسلوك الذي ظهر في المجال العام لم يمر باعتباره طبيعياً أو مقبولاً، والمؤسسة العامة لم تستخدم سلطتها الرمزية لتعزيز التصنيف، وإنما لتعزيز كرامة الشخص الذي تعرض له.
وهذا التحول يستحق الانتباه، لأن التغير السياسي يمكن أن يقع خلال أيام، أما التغير في منظومات القيم والعلاقات الاجتماعية فيحتاج عادة إلى زمن أطول بكثير. وإذا بدأت الدولة الجديدة ومؤسساتها، ومعها المجتمع، بإنتاج إشارات متكررة تعيد الاعتبار إلى المواطنة والاستحقاق والكرامة والمساواة واحترام التنوع، فإننا نكون أمام عملية تتجاوز تغيير النظام السياسي إلى إعادة تشكيل المجال الأخلاقي الذي تعمل داخله الدولة والمجتمع معاً.
وهنا تحديداً تظهر العلاقة بين الأخلاق والحضارة. فالثقة بين الناس، واحترام القانون، وتكافؤ الكرامة، والقدرة على التعاون مع المختلف، وتقديم الكفاءة على الواسطة، ليست قيماً تجميلية يمكن الاهتمام بها بعد إنجاز الاقتصاد والعمران. إنها جزء من البنية التحتية غير المرئية لأي نهضة اقتصادية أو مؤسسية أو معرفية. وحين تتغير قيمة الإنسان في عين الإنسان، تبدأ بالانفتاح أبواب كثيرة بعدها.
لذلك ربما يكون من المفيد أن نقرأ مرحلة ما بعد التحرير على مستويين متوازيين. الأول ظاهر، يتعلق بإعادة بناء الدولة والاقتصاد والمؤسسات. والثاني أبطأ وأعمق، يتعلق بإعادة بناء السوري بعد عقود طويلة من الخوف والتصنيف والشك المتبادل.
لقد كان إسقاط النظام لحظة تاريخية يمكن تحديد تاريخها. أما تجاوز العالم الاجتماعي الذي تركه وراءه فلن تكون له لحظة واحدة مماثلة. لأنه سيكون عملية طويلة تتراكم عبر القانون والتعليم والإعلام والثقافة والفن، وعبر آلاف الممارسات الصغيرة التي تعيد تعريف المقبول والمرفوض في الحياة العامة.
ومن هنا تصبح قصة «ابن الحسكة» جديرة بالاهتمام، ليس لأنها «تريند» ناجح، ولا لأنها دليل على أن المجتمع تغير بالفعل، وإنما لأنها تسمح برؤية المعركة التالية بوضوح أكبر: أن يكتشف السوريون ما فعله بهم الاستبداد، وأن يميزوا بين ما هو منهم وما تراكم عليهم، وأن يجعلوا من التحرير السياسي بدايةً لتحرير أكثر تعقيداً واستدامة: تحرير علاقتهم بأنفسهم وببعضهم بعضاً!