من المفترض أن تحمل بداية شهر تشرين الأول المقبل تطوراً مفصلياً على الصعيد الكردي. فقد تم الاتفاق على تسليم ما يقارب أربعة آلاف من مقاتلي حزب العمال في جبال قنديل أسلحتهم، بموجب عملية تطلق عليها قيادة الحزب اسم “عملية السلام والمجتمع الديمقراطي”، في حين تطلق عليها الحكومة التركية اسم “عملية تركيا خالية من الإرهاب”. يُذكر أن العملية انطلقت بعد رسالة من الزعيم التاريخي للحزب عبدالله أوجلان، نقلها عنه من سجنه في آخر شباط 2025 القيادي في حزب “الديمقراطية والمساواة للشعوب” أحمد ترك، حيث دعا أوجلان حزبه إلى إلقاء السلاح وحلّ نفسه.
المرة الأخيرة التي دعا فيها أوجلان إلى السلام ليست سابقة في مسيرة الصراع الذي يخوضه حزب العمال الكردستاني، فبعد اختطاف أوجلان واعتقاله في عملية دولية، ووضعه في سجن إيمرالي التركي في عام 1999، نُقل عنه إعلانه رسمياً وقف الكفاح المسلح. ذلك الإعلان فُهِم في وقته على نطاق واسع بأنه أتى تحت ضغط السجن والاعتقال، فلم تنجم عنه عملية سلام جدية. ثم تكرر الإعلان في عام 2013، وشُرِع في مفاوضات استمرت حتى 2015، إلا أنها أيضاً لم تُسفر عن نهاية لعقود من القتال بين أنقرة وقنديل.
إيذاناً بعملية اعتقاله، كان أوجلان قد طُرِد من دمشق التي تستضيفه، بعد تهديدات تركية رافقتها حشود عسكرية وتهديدات بعمل عسكري. ومنذ ذلك التاريخ يمكن القول إن جبال قنديل صارت المعقل السياسي بعد العسكري لحزب العمال الكردستاني، ولا شك في أن اختطاف أوجلان بعد طرده من دمشق كان درساً مفاده عدم الركون إلى رعاية أو مساعدة الأصدقاء والحلفاء، والتشبّث بقنديل المنتَزعة من سلطة المركز العراقي ومن سلطة إقليم كردستان، لتكون دويلة ضمن الإقليم.
خلال عقود لم تفلح الحملات العسكرية التركية العديدة في اجتثاث مقاتلي الحزب هناك، فالطبيعة الوعرة بين جبال ووديان كانت دائماً لصالح مقاتلي الحزب المدرَّبين على حرب العصابات. في الوقت نفسه تعالت الأهمية المعنوية لقنديل لدى شرائح واسعة من الأكراد، وارتفعت أسهم قيادات قنديل في غياب الزعيم الذي أصبح رمزاً للحزب أكثر مما هو قائد له. ورغم أن أحداً لم يتبّوأ مكانة أوجلان، فقد برزت أسماء مثل جميل باق ومراد قايلان العضوان في القيادة العليا لمنظومة الحزب وفروعه في المنطقة.
أن تأتي لحظة ينتهي فيها كل ذلك فهذا بلا شك حدث كردي تاريخي، خصوصاً مع عدم وجود مؤشرات لتحول تركي كبير جداً في الملف الكردي يكون ملازماً للحظة تسليم الأسلحة، ولعودة بعض المقاتلين إلى تركيا من دون عواقب التقديم إلى المحاكم بتهمة الإرهاب. في كل الأحوال، إذا لم يحدث ما يعيق هذا السيناريو فإن رؤيته لا تنبئ فقط بانتهاء النزاع في تركيا، إنما تؤكد أيضاً على التغييرات التي حدثت وتحدث في المنطقة ككل.
كانت مبادرة أوجلان الأخيرة قد أتت بعد المتغيّرات في سوريا، والمتغيرات بدورها عكست حالة الضعف والانكسار في المحور الإيراني في المنطقة. خسر الحزب عملياً السند الإقليمي بتضعضع المحور الإيراني، والتوجه الأميركي ظهر واضحاً لجهة رفع المظلة عن الفرع السوري للحزب لصالح دمشق، بعدما أدت قوات قسد دورها في محاربة داعش، وهذا التوجّه يلقى رضى قيادة إقليم كردستان “البارازانية” التي راح حزب العمال يسعى إلى مزاحمتها في مناطقها. ومن المؤكد أن خروج المقاتلين من قنديل يريح قيادة الإقليم، لأنه ينهي التهديد القائم دائماً بحرب واسعة النطاق لا تريدها، مثلما لا تريد النهج الذي كان يعِد به توسّع حزب العمال خارج تركيا.
كانت التجربة البارازانية فيما مضى مصدر الإلهام الوحيد للأكراد في الإقليم، قبل ظهور تجربة حزب العمال. كانت مصدر إلهام، من دون أن تطرح نفسها ممثّلة أو قائدة للأكراد في تركيا وسوريا وإيران، بخلاف تجربة حزب العمال الذي تطلّع مبكراً إلى قيادة الأكراد في الدول الأربع، رغم أن أدبيات الحزب كانت تركز على حل القضية الكردية في تركيا بوصفها القضية المركزية للأكراد عموماً. لأسباب تكتيكية على الأقل، لم تكن أدبيات الحزب تشير إلى قضية كردية في سوريا وفي إيران، في الفترة ذاتها التي شهدت انتشاراً للحزب في سوريا، ومساهمة بشرية ذات وزن من المتطوعات والمتطوعين للقتال معه ضد أنقرة.
إذا سارت الأمور على ما يرام، الانتقال من الكفاح المسلح إلى النضال السلمي سيقدّم نموذجاً جديداً مغايراً لما طبع تجربة الحزب من قبل. ويُفترض أن يحدث هذا بمشاركة من الحكومة التركية، لأن الحل الديموقراطي لن يكون من طرف واحد بطبيعة الحال، ولأن عملية نزع السلاح هي المقابل لتوقف أنقرة عن النظر إلى القضية الكردية من منظور أمني فحسب.
وفق السيناريو الأخير أيضاً، يكون حزب العمال الكردستاني في سبيله إلى تقديم نموذج مختلف عن نموذج إقليم كردستان، الإقليم الذي يحظى بحكم ذاتي سياسياً، بينما يمكن الحديث عن درجات متعددة من الانفصال عن المركز على أصعدة أخرى. في المدى المنظور، لا معطيات تشير إلى حل يقوم على الحكم الذاتي في تركيا، أو في سوريا وإيران؛ أي إن النموذج البارازاني لن يكون ملهماً، إلا ربما على صعيد مساعدته النموذج السلمي للأوجلانية، فقيادة الإقليم بذلت جهوداً للوساطة بين قسد ودمشق، وكذلك هو موقعها في عملية نزع سلاح حزب العمال إذا لم تتعثر.
ربما، إذا وُضِعت القضية الكردية على سكة الحل في تركيا، سيكون أكراد سوريا، ثم أكراد إيران، إزاء نموذج مستقبليٍّ. فتركيا تقدّم حتى الآن النموذج السياسي الأكثر قابلية للتطور في المنطقة، والحل الديموقراطي للقضية الكردية لن يكون إيجابياً للأكراد وحدهم، بل للمسألة الديموقراطية في تركيا ككل. علاقة تركيا بالجوار ستأخذ منحى مختلفاً عمّا كانت عليه طوال العقود الماضية، فهي ستتحرر من الهاجس الأمني المرتبط بالأكراد، وربما تسعى إلى تعزيز نموذجها في الجوار، كضمانة إضافية لترسيخه إقليمياً فيما لو نجح.
الطريق ليس مفروشاً بالأزهار، وحتى يحين موعد تنفيذ اتفاق إلقاء السلاح (في الأول من الشهر المقبل) قد تحدث تطورات تطيح الصفقة بأكملها. هذا ما تنذر به تصريحات جميل بايق قبل ثلاثة أيام، وبايق يُصنّف على الصقور الميدانيين الذين ربما لم يكونوا راضين عن إعلان أوجلان إلقاء السلاح وحل الحزب. بايق أدلى بتصريحاته لوكالة أنباء “فرات” المقرّبة من حزب العمّال، وضمّنها تهديداً بوقف عملية تسليم السلاح، بل العملية بأكملها، ما لم تتخذ أنقرة خطوات ديموقراطية، مؤكّداً على “ضرورة الاعتراف بوجود الأكراد ولغتهم وثقافتهم وإرادتهم السياسية، وحقوقهم في الحكم الذاتي المحلي، من خلال تعديلات دستورية وقانونية”.
تصريحات بايق تدق جرس إنذار في خصوص التسوية في تركيا، وأيضاً في سوريا وفي إقليم كردستان العراق. بعد ثلاثة أسابيع سيكون الحسم، فإما خيار المواجهة الذي يعود بالصراع إلى حلبة العسكرة، أو التقدّم إلى الأمام بخطوة تصعب العودة عنها، ولن يكون خبراً ساراً أن تعجز تركيا بأتراكها وأكرادها عن تقديم المثَل الأفضل.