ملخص
صدرت ترجمة عربية من كتاب “التحول الكبير: التخلص من الليبرالية الجديدة”، للباحثين الفرنسيين في “المركز الوطني للبحث العلمي” جيرار ديمونيل ودومينيك ليفي، في باريس عام 2014، تحت عنوان La Grande Bifurication En finir avec le neoliberalism، عن المركز القومي المصري للترجمة. وكانت أستاذة اللغة العربية والحضارة الإسلامية في جامعة جنيف فوزية العشماوي قد أنجزت الترجمة قبل رحيلها عام 2022. يتناول الكتاب النيوليبرالية باعتبارها سبباً للتراجع الاجتماعي، بما أنها كما لاحظ المؤلفان “تقلص القوة الشرائية وتدهور التعليم والحماية الاجتماعية والبيئية”.
الرأسمالية ليست نهاية التاريخ وتجاوزها ممكن، وما يثبت ذلك هو التغيير التدريجي لعلاقات الإنتاج وهياكل الطبقات، وهو يعد من إرهاصات ما يمكن تسميته “التحول الكبير” الذي سيتحدد أساساً بنضال الطبقات الشعبية، إما بالاتجاه نحو اليمين وصولاً إلى سيطرة طبقات الكوادر واندماج الطبقات الرأسمالية الحالية تدريجاً داخل روابط اجتماعية مستجدة، أو بالاتجاه نحو اليسار لفتح طريق نحو عالم أفضل للطبقات الشعبية، والأخير هو الخيار الذي يتبناه مؤلفا هذا الكتاب.
يهدف كتاب “التحول الكبير: التخلص من الليبرالية الجديدة”، إلى إحداث “تحول كبير”، من خلال خريطة طريق تتجاوز الرأسمالية إلى نظام “العيش معاً” القائم على التعاون والمساواة والحد من سلطة الملاك داخل القطاعين المالي والصناعي، وإعادة الاعتبار للصالح العام، والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاقتصاد الذي يخدم البشرية.
إطار نظري
يطرح الجزء الأول من الكتاب إطاراً نظرياً لتفسير الديناميكيات التاريخية لنظام الإنتاج الرأسمالي: تجديد هياكل المجتمعات (بخاصة صعود طبقات الكوادر الجديدة)، ودور ونوع صراع الطبقات، ومعاني معطيات اليمين واليسار الناتجة من ذلك، وتعاقب مراحل الرأسمالية حتى أحدث مرحلة: الليبرالية الجديدة. وهذا التحليل يؤدي إلى تأكيد أن مجتمعاتنا (الأوروبية على وجه التحديد) تواجه حالياً “تحولاً كبيراً”. ويتم طرح التساؤل: أي مرحلة جديدة من تاريخ المجتمعات البشرية ستتبع الليبرالية الجديدة؟
وهل سيكون هناك أنواع متجددة من السيطرة من قبل الطبقات العليا أو طرق جديدة للتطور والتحرر وما الآفاق المفتوحة أمامنا؟ والجزءان الثاني والثالث يتعمقان في دهاليز التقنية التي تحكم هذه الديناميكيات بخاصة دهاليز الاقتصاد، والأمر يتعلق هنا أيضاً بالاستفادة من الماضي (من المجتمعات والاقتصادات الأخرى ومن الأزمات)، ومن ثم تفسير الوضع التاريخي الحالي (الأزمة الحالية والتناقضات وروابط القوى). وفي الجزء الرابع حاول المؤلفان تلخيص الدروس المستفادة من هذا الإطار النظري ومن هذه المواد التاريخية للإجابة عن التساؤلات في شأن مستقبل المجتمعات الأوروبية. ماذا سيحدث بعد الليبرالية الجديدة وهناك علامات كثيرة تتراكم وتعلن ذلك؟ وكيف نشجع الفرص الآتية من هنا وهناك عبر المحيط الأطلسي بطرق ومسارات تناوبية على المديين القصير والطويل؟
وفي نهاية الكتاب اقترح ديمونيل وليفي استراتيجية يعتقدان أنها معقولة للخروج من الأزمة وفتح الطرق أمام التطور الاجتماعي، عبر تسوية جديدة وحل وسط طبقي نحو اليسار في أوروبا.
اليسار بتياراته المتعددة
وفي هذا الصدد يؤكد الباحثان أن اليسار موجود وليس في حاجة إلى اختراعه. وتياراته عدة ولكل منها أهداف يعتقد أنها ذات أولوية، ولكن من بين الصعوبات التي تواجه إقامة أي اختيار آخر تقدمي، صعوبة إعداد أي مشروع سياسي، لأنه – بحسب الباحثين – يتطلب اختياراً اجتماعياً. وعموماً، تصطدم برامج مختلف تيارات اليسار بمراتب الطبقات الاجتماعية، فالملاك الرأسماليون موجودون في قلب القطاع المالي ونشطاء جداً في الليبرالية الجديدة. ومن ثم يبرز سؤال: كيف يمكن الاستحواذ على السلطة في القطاع المالي الرأسمالي وأعوانه؟
في الماضي كانت الإجابات التقليدية الخاصة بماركسية لينين تستخدم تعبيرات أساسية مثل “السلطة الشعبية”، و”الاشتراكية”، و”ديكتاتورية البروليتاريا”، وذلك بإرساء المعارضة العمالية في مواجهة العنف الرأسمالي، ولكن التاريخ أثبت – يقول الباحثان – أن الصعوبة لا تكمن فقط في قوة العدو، ولكنها في قلب مبادرة التحرير وفي الروابط بين الطبقات التي تسانده، فالحواجز التي وضعت أمام هذه الطرق يمكن أن نصفها في تفسير مختصر: هذه الثنائية المعنوية، أي التنظيم والتحرير، تخفي نزاعاً بين الطبقات. فلا يكفي أن يعبر قادة أحزاب اليسار عن حسن نياتهم: “نحن ديمقراطيون”، لأن اختراع البدائل في الطرق الثورية له قواعد موضوعية لا يمكن تخطيها، فالكوادر السياسية تستولي على السلطة بدلاً من البروليتاريا.
تخطي الرأسمالية
ويرى المؤلفان أنه لا يوجد خيار آخر غير العودة إلى طرق التدرج: برنامج لتخطي الرأسمالية على مراحل، يستند إلى تحالف بين الطبقات الشعبية وكبار الموظفين، ولكن هذا المشروع لن يفلت من الازدواجيات الطبقية المتعلقة بإرادة التحرير. والدليل على ذلك هو الفشل الثاني للثورة العمالية الذي أدى إلى تراجع وضعف طرق الإصلاح، لذا يجب على الطبقات الشعبية – بحسب تصور المؤلفين – أن تشيد مع كبار الموظفين هذا التحالف بتبصر يعي أنهم بصدد مبادرة طويلة الأمد يجب معرفة سبل التحكم فيها.
ويرى المؤلفان أن التخلص من الليبرالية الجديدة يستدعي إحداث انقلاب ضد هيمنة القطاع المالي في قلب العلاقة بين الطبقتين العاليتين. ويضاف إلى الروابط الموجودة بين الطبقات، ذلك البعد الدولي للهيمنات، حين تبرز ضرورة التخلص من هيمنة الولايات المتحدة الأميركية. والتقابل بين الفلكين، الطبقي والدولي، ظاهر في مفهوم الليبرالية الجديدة الأنغلو – ساكسونية، التي تلجأ أساساً إلى الطبقات الرأسمالية في بلد ما (والمثال الأوضح هنا هو أميركا)، وإلى انتشار مؤسساتها المالية على المستوى العالمي.
ويعتقد المؤلفان أن أول وأهم خطوة نحو تكوين التحالف الجديد هي مهاجمة أدوات وأجهزة سيطرة الرأسماليين على الكوادر من كبار الموظفين، كذلك يجب على الحكومات القيام بدور حاسم، سواء في مواصلة ذلك التحرر، أو في استخدام تلك الحرية المستعادة. وربما تعتبر مهاجمة سلطات الطبقات الرأسمالية أمراً فيه كثير من الطموح، ولكن أوروبا – كما يؤكد المؤلفان – تمتلك كثيراً من المزايا التي تفسر جزئياً إمكان تخطي النيوليبرالية في القارة الأوروبية عنها في أميركا.
الخيارات المعاكسة
ومن ثم ينبغي إنشاء تنظيم مالي أوروبي قوي ومستقل حتى يتسنى إعادة السيطرة على المؤسسات المالية وإعادتها لخدمة اقتصاد الإنتاج وخدمة السياسة الاجتماعية. ويجب امتلاك عملة قوية لجهة القدرة على الصمود في مواجهة “الأسواق الدولية”. ويرى المؤلفان في هذا الصدد أن التجارة الحرة وحرية انتقال رؤوس الأموال التي سمحت بانتشار النيوليبرالية في العالم، ليست هي المبادئ المثلى، ومن ثم يجب إخضاعها للأهداف الاجتماعية وأهداف حماية البيئة.
ويخلصان هنا إلى أن أوروبا ذات التسوية “اليسارية” يجب عليها أن تحمي تجارتها الخارجية وحماية نفسها من تحركات رؤوس الأموال. ويعتقد المؤلفان أن وجود نظام مالي أوروبي قوي ومستقل بالنسبة إلى القطاع المالي العالمي، “هو شرط أساس لانتهاج تلك السياسات. فهذا النظام سيسمح للشركات بأن تنظم نفسها باستقلالية دون التقيد بمصالح المساهمين، وستمنع هرب رؤوس الأموال”. ويضيفان في هذا السياق أن أوروبا تعد نموذجاً، سواء من منظور الضمانات الاجتماعية، أو مبادرات الحفاظ على البيئة، بخاصة بسبب تراثها وتقدمها، “لذا يجب أن تثبت على أرض الواقع أنه من الممكن إيجاد عالم جديد، اجتماعياً وبيئياً، يستفيد منه الأوروبيون وغيرهم”.
وفي الخلاصة يرى المؤلفان أن من السهل الانقياد وراء الحماسة التي يولدها مشروع أوروبا جديدة، بخاصة أن الأمر عاجل في مواجهة خطورة الأزمة، وإلى التقارب المتزايد بين أحزاب اليمين واليمين المتطرف، “ولكن في الوقت نفسه الخطر شديد أيضاً في حال التراجع”، ولأن التشابكات القومية قوية جداً داخل القارة الأوروبية بحيث يكون من الصعب جداً الحصول على المساندة والتعاضد لإرساء التغيير، فإنه يجب الاعتماد على الخيارات المعاكسة. ويوضح المؤلفان تلك النقطة بالقول إنه إذا أخذنا الاتفاقات الأوروبية ذريعة، فإننا سنتجاهل أن التعديل لم يتوقف على هذه الاتفاقات، منذ اتفاق روما.
