بعد ستة أشهر على اندلاع الحرب، ما زالت إدارة ترامب، ورغم كل أدوات القوة التي تملكها، غير قادرة على إخضاع إيران. لكن الأخيرة، في المقابل، لم تجن الكثير من سياستها الرامية إلى اجبار الولايات المتحدة على الاعتراف بمصالحها في المنطقة، وفي مقدمها السيادة على مضيق هرمز. على العكس، الحرب مستمرة، وإنْ بوتيرة منخفضة، العقوبات تشتد، وحصار الموانئ الإيرانية يدمّر الاقتصاد، الذي أخذ ينوء تحت ضغوط التضخم وتناقص الإيرادات. إذا لم تكتشف إيران بعد ستة أشهر أن استراتيجيتها لا تعمل، وأنه بات عليها إعادة النظر فيها، فهناك، لا شك، مشكلة كبيرة في تفكير دوائر صنع القرار الإيراني.
منذ استوعبت الضربة الأولى للحرب، عمدت إيران في منتصف مارس/ آذار الماضي إلى اغلاق مضيق هرمز بهدف الضغط على الاقتصاد العالمي (الأميركي ضمنا) للحصول على نتيجة ترضيها. ومع اقتراب موعد الانتخابات النصفية الأميركية، أخذ الاهتمام يتحوّل إلى محاولة التأثير في نتائجها وتكبيد ترامب خسارة كبرى فيها عن طريق فعل كل ما يلزم لرفع أسعار النفط، بما في ذلك تهديد خطوط الملاحة من هرمز إلى باب المندب وصولا إلى قناة السويس. لكن هذه الاستراتيجية لم تسفر عن نتائج مهمة، فالنفط ما زال يتداول تحت مائة دولار للبرميل، وهو سعر مقبول نسبيا إذا قورن بما وصل إليه سعر النفط عشية الحرب الروسية الأوكرانية (147 دولارا). ليس أن الاستراتيجية الإيرانية لا تعمل فحسب، لكنها، بعيدا عن التهويلات الإعلامية، تخدم جوهر المصالح الأميركية. فقد ساهم ارتفاع أسعار النفط، وعجز إيران ودول الخليج العربية عن تصدير نفطها بالمستوى الذي كان قائما قبل الحرب، في إعطاء دفعة جديدة لصناعة النفط الصخري الأميركية، فأخذ عدد الحفارات يرتفع بصورة ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة، وارتفع معه إنتاج النفط الأميركي ليصل الى نحو 14 مليون برميل يوميّاً، يضاف إليها حوالي سبعة ملايين برميل من المشتقات والمكثفات وغيرها من السوائل النفطية، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية. إضافة إلى النفط، تحولت الولايات المتحدة إلى أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، متقدمة على قطر وأستراليا. وبلغت صادراتها في النصف الأول من 2026 نحو 17.4 مليار قدم مكعبة يوميّاً، بزيادة 23% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهي مرشّحة للارتفاع مع دخول محطات جديدة حيز التشغيل. هنا أيضا، استفادت الولايات المتحدة بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز. فقد أدى تعطل جزء كبير من صادرات الغاز المسال القطرية إلى اختفاء نحو خُمس إمدادات الغاز المسال العالمية، ما رفع الأسعار وزاد الطلب ودفع محطات التسييل الأميركية إلى العمل بمعدلات قريبة من طاقتها القصوى.
وهكذا، تكشف أزمة هرمز عن مفارقة لافتة، ففيما تسعى إيران إلى معاقبة واشنطن على عدوانها عليها، تخدم، في حقيقية الأمر، جوهر المصلحة الأميركية، ملحقة بنفسها وبجيرانها أفدح الخسائر، علماً أن هذه الأضرار لا تقتصر على تعطل الصادرات وارتفاع كلفة التأمين والشحن، بل تتجاوز ذلك الى خسائر مستقبلية عميقة وطويلة المدى، تتمثل بسرقة الشركات الأميركية أسواقاً جديدة في أوروبا وآسيا من المصدرين التقليديين. وبذلك لا تعيد الأزمة توزيع حصص سوق الطاقة العالمية فحسب، بل تسرّع أيضاً انتقال جزء متزايد من مركز الثقل في إنتاج الطاقة وتصديرها من الخليج إلى أميركا الشمالية.
وهذا تطور يتجاوز الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية، فكل برميل إضافي تنتجه الولايات المتحدة، وكل وحدة غاز مسال إضافية تستطيع تصديرها إلى أوروبا وآسيا، تقلّل بدرجة ما من اعتماد الاقتصاد العالمي على الطاقة التي تمر عبر مضيق هرمز، وتمنح واشنطن، في الوقت نفسه، هامشاً أكبر في إدارة قضايا الشرق الأوسط، إفقاره، وإحكام السيطرة عليه. تبدو الصين أكثر من يدرك هذا الأمر، وإذا صحت الأنباء عن رفضها استقبال محمد باقر قاليباف، والذي يشغل إضافة الى مهامه الأخرى، مسؤولية ملف العلاقات مع الصين، إلا إذا فتحت إيران مضيق هرمز، فهذا يعني رسالة واضحة إلى إيران بالكف عن تفكيرها العقيم، الذي يصب في صميم المصلحة الأميركية (تدرك هذا أو لا تدركه). لو كان لدى إيران أدنى مستوى من الحصافة لسعت إلى التفاهم مع جيرانها في الخليج للتوصل الى اتفاق يشمل فتح مضيق هرمز، رفع الحصار عن إيران، وإنهاء العقوبات على صادراتها النفطية، وتفويت الفرصة على واشنطن التي تريد أن تبتلع الجميع.