سوزان موسى درة.. كاتبة سورية،
. تنهض سوريا من كبوة الصيف، ثم تُعيد للحشائش البرية مكانها، وفجأةً يزداد احمرار وجهها، ويشغلها السؤال: / كلما تمشيتُ على الأرصفة تسقطُ امامي الشتيمة ذاتها، فلماذا لا زِلتُ أُصدَم ؟ /
في فنون الأدب، والصحافة يبدو استثمار عبارات والفاظ لها دلالات لغوية ضخمة أو جنسية من أبسط الأمور سيما وأن راية الفقر والعزلة تكاد تلوح فوق ناصية كل بيت عربي، ولكن الخلل الكبير يكمن في اعتيادها
والشروخات المجتمعية التي جعلتها تبدو كمساحة آمنة في مقال، أو قصة، و أمّا الأخطر فهو ما جرى في دمشق مؤخراً فهل تحولت الشتيمة في سوريا من عُبوات جاهزة إلى مرآة للشعب، ام هناك ما هو ابعد من ذلك؟
في الحقيقة لا اعلم إن كان معظم الشعب السوري بدا يعيش حالة من الانصياع المطلق، او صار كأداة تعكُس، و تُكرّر ما يتم تداوله، دون تقديم اي رؤية مُستقلة او قيمة مُضافة! لكني اعلم أنَّ الأفراد أو المجموعات، او التيارات السياسية التي تدافع عن كل قرارات الحكومة بشكل أعمى، حتى لو كانت تلك القرارات تضر بالمصلحة العامة أو تتناقض مع مواقفهم السابقة؛ لا تتنافى مع وقع الشتائم التي تُلغي العقل والوعي الشخصي، و تحول الإعلام المُوَجّه من أداة لمراقبة السلطة، ونقل الحقيقة إلى مجرد بوق يردد روايات مختلفة بحذافيرها، ويُوَسِّع للشتيمة المُعَلّبة مكاناً.
الشتائم المُعَلّبة في سوريا متشابهة، ومُكررة، ومُخَزّنة مسبقاً، ولا تحتاج إلا لشرارة بسيطة أو “فتح العلبة” لتخرج إلى العلن. فالشعب السوري الذي لا زال يعيش حالات من الإحباط، والاحتقان، وغياب لغة الحوار العقلاني ضمن بيئات مشحونة بالسَلبِيّة، وتسيطر عليها لغة التجريح، والتخوين، والسبّ نتيجة لظروف اقساها الأزمات الاقتصادية، الكبت الجنسي؛ بات يستعمل نفس الألفاظ والاتهامات دون تفكير، و في النتيجة تحولت الشتائم إلى سلوك جاهز للانفجار في أي لحظة.
إنّ الشتيمة ليست انفلاتاً لُغويًاً، بل مرآة للواقع الاجتماعي، ومرآة لطبيعة الضغوط المُعَبّئة بالعُقَد، و للإنفلات الأخلاقي، وللعجز الفردي، و الجماعي، ولضيق الأُفُق، و للكبت، للتسلط، للخوف، وهي وسيلة تفريغ، ووسيلة مقاومة، ودفاع، وانتقام، و لكن حينَ تُفلس الأيديولوجيا تصبح الشتيمة مرآة للشعب الذي صدّق أنه اصبح حُرّاً وصار له صوتٌ مسموع. الشتائم مهما عَلَت، و هَدَرت لن تُغيّر حقيقة واحدة: من لا يملك سوى الشتيمة، سيبقى عبداً لا مُحال.