“عملية ساتون الفائقة السرية (…) تحركوا فوراً”.
هكذا صدر الأمر الرسمي في بريطانيا لعملية إنزال برمائي من أجل مواجهة التحرك العسكري الأرجنتيني في جزر الفوكلاند. كان ذلك يوم الواحد والعشرين من أيار/مايو 1982، بالرغم من أن المواجهات بدأت قبل ذلك. تعود تلك الكلمات إلى الأضواء اليوم، بالتوازي مع عودة التعقيدات السياسية إلى قضية الأرخبيل.
لم يكن ينقص جزر الفوكلاند التي تتنازع الأرجنتين والمملكة المتحدة على سيادتها، إلا دخول الولايات المتحدة وإسرائيل على خط الأزمة. رسّخ البريطانيون سيطرتهم على الجزر منذ سنة 1833 بعدما طردوا الأرجنتين منها، ويعتبرونها جزءاً من أقاليم ما وراء البحار التابعة لسيادتهم. ومنذ ذلك الحين، تطالب بوينس آيريس بالسيادة على الجزر التي تبعد عن سواحلها نحو 500 كيلومتر والتي تطلق عليها اسم “لاس إيسلاس مالفيناس”. لم ينهِ انتصار البريطانيين على الجيش الأرجنتيني في حرب الفوكلاند ذلك التوتر، إلا لفترات متقطعة. تُكرر لندن في المناسبات التزامها الذي “لا يتزعزع” بالجزر، كما حصل يوم الجمعة الماضي.
الأرجنتين… لماذا الحماسة منذ 2025؟
منذ تسلّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولايته الثانية، بدا حليفه الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي مراهناً أكثر على إمكانية إعادة تحريك الملف. مؤخراً، أعلن ترامب أنه يراجع موقف بلاده من قضية الجزر. تعترف الولايات المتحدة بإدارة بريطانيا للفوكلاند، لكنها محايدة في قضية التنازع الثنائي على السيادة.
قال ترامب مطلع الأسبوع الماضي حين سئل عن الموضوع: “أنا أراجع دائماً كل موقف، هذا واحد من مواقف عدة”. بدت إجابة ترامب كلاسيكية، أي من ذاك النوع الفضفاض المعتمد لدى طرح أسئلة قد تكون مفاجئة بالنسبة إليه. ففي نهاية المطاف، لم يكن هو من اقترح الموضوع. مع ذلك، انتهز ميلي الفرصة سريعاً. بعد ثلاثة أيام، أعلن أن “رياح التغيير” باتت مواتية لاستعادة السيادة على الجزر.
يوم الثلاثاء، فرضت الأرجنتين عقوبات على 60 فرداً وكياناً يشاركون في أعمال التنقيب حول الجزر لأنهم لم يحصلوا على الإذن منها، وتقدمت بدعوى ضد شركة “نافيتاس بتروليوم” الإسرائيلية للطاقة. تشغّل الشركة حقل “أسد البحر” في المنطقة وتساهم بـ 65 في المئة من المشروع. وتساهم شركة أخرى مسجّلة في لندن لكن مدعومة أيضاً من إسرائيليين في النسبة الباقية. وتقول الشركتان إن رخصة التنقيب التي حصل المشروع عليها شرعية.
تزامن تحرك الأرجنتين مع استعداد المملكة المتحدة لفرض حظر تجاري على السلع الواردة من المستوطنات في الضفة الغربية. أثار ذلك غضب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير المعاقب أصلاً من لندن، فطالب حكومته بإعلان اعترافها بجزر الفوكلاند أرضاً أرجنتينية. وكان يائير نتنياهو، نجل رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قد طالب الأسبوع الماضي بالأمر نفسه. في الوقت نفسه، وردّت إسرائيل بإجراءات ضد الحكومة البريطانية، من بينها إغلاق قنصليتها في القدس. ترابطت العُقد بشكل سريع. لكن بالمثل، قد تتحلحل بشكل أسرع.
مفتاح الحل… بيد ترامب
إذا قرر الرئيس الأميركي دعم الأرجنتين فقد تتحرك المياه الراكدة مجدداً. وربما يكون البريطانيون أنفسهم قلقين من احتمال دعم واشنطن لبوينس آيريس. المؤلف المشارك لكتاب “معركة من أجل الفوكلاند” ماكس هاستينغز دعا مؤخراً البريطانيين إلى عدم “خداع أنفسهم” بإمكانية كسب معركة أخرى حول الجزر. فقد كان دعم وزير الدفاع الأميركي حينها كاسبار واينبرغر أساسياً للانتصار في الحرب، بينما تراجعت اليوم قدرات الجيش البريطاني كما اهتمامات الشباب البريطانيين بالجزيرة. وتخوف من أن تعاود الأرجنتين التحرك إذا تبيّن أن مشروع التنقيب عن النفط سيدرّ الأموال على البريطانيين والإسرائيليين، بدءاً من 2028، كما هو متوقع. لكنّ آخرين يرون أن القدرات العسكرية الأرجنتينية لا تزال بعيدة عما كانت عليه سنة 1982.
مع ذلك، ثمة سؤال وجيه عن مصلحة ترامب في دعم الأرجنتين. نظرياً، ليس هناك ما يثير اهتمامه في جزر بعيدة من الولايات المتحدة وصغيرة الحجم، كما أنها ليست على لائحة أولويات الأميركيين. وبالرغم من أن ميلي حليفه بينما رئيس الحكومة البريطاني آندي بيرنهام “يساري”، ليس ترامب بحاجة إلى إثارة صداع جديد يوسّع الشرخ أكثر في “حلف شمال الأطلسي” (الناتو) وفي “العلاقة المميزة” مع بريطانيا.
حتى مع افتراض وجود رغبة دفينة لدى ترامب بالانتقام من بريطانيا لـ “عدم وقوفها معه” في الحرب على إيران كما قال، يبدو الموضوع غير مستحق لكلفة دعم الأرجنتين، خصوصاً أن سكان الأرخبيل صوتوا بأغلبية ساحقة سنة 2013 للبقاء تحت العلم البريطاني. في الوقت نفسه، قد يرغب نتنياهو في تفادي أي خلاف حول الأرخبيل بما أن لتل أبيب مصلحة بنجاح التنقيب. وربما هو مقتنع في قرارة نفسه بترك حليفه الشعبوي بن غفير ليقول ما يشاء على أبواب الانتخابات الإسرائيلية. في النهاية، ما الذي لا يقوله بن غفير حين يريد الاستعراض على الشاشات؟