عدن- لم يعد سقوط مدينة المخا مجرد تطور ميداني في الحرب اليمنية، بقدر ما بات مؤشراً على انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر ارتباطاً بالصراع الإقليمي. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، واقترابه من باب المندب، يتزامن مع حديث مصادر يمنية وإيرانية عن أسلحة ومشورة قدمتها طهران لدعم الهجوم وفتح جبهة بحرية جديدة.
ويعيد ذلك طرح السؤال حول مدى ارتباط التحولات العسكرية الأخيرة في اليمن بحسابات الحرب الأوسع بين إيران وخصومها، خصوصاً السعودية والولايات المتحدة. ومن هذه الزاوية، تبدو السيطرة على المخا جزءاً من استراتيجية ضغط تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية إلى أمن الملاحة والطاقة في البحر الأحمر.
وبحسب مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية نقلت عنها رويترز، جاء التقدم الحوثي السريع على ساحل البحر الأحمر وسط مؤشرات على دور إيراني في تقديم الأسلحة والمشورة للجماعة. وقال مصدران إيرانيان إن طهران طلبت من الحوثيين الأسبوع الماضي تصعيد الهجمات على السعودية، مع وعد بمزيد من التمويل والأسلحة وإرسال ضباط كبار للمساعدة في تنفيذ العمليات.
وتنفي إيران علناً توجيه عمليات الحوثيين، وتقول إن الجماعة ليست وكيلاً تابعاً لها، فيما يشير مسؤول إيراني، وفق الرواية التي نقلتها رويترز، إلى أن قرار السيطرة على المخا كان حوثياً وليس إيرانياً. لكنه أقر بأن التحرك يخدم مصالح طهران عبر الضغط على السعودية والولايات المتحدة، فضلاً عن التأثير في أسعار النفط.
◄ تبدو السيطرة على المخا جزءاً من استراتيجية ضغط تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية إلى أمن الملاحة والطاقة في البحر الأحمر
وتكتسب المخا أهمية استثنائية بسبب موقعها على الساحل الغربي لليمن وقربها من باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. ومع تقدم الحوثيين على الساحل ووصول تحركاتهم إلى جزر حنيش، باتت الجماعة في موقع يسمح لها بزيادة قدرتها على تهديد حركة السفن في المنطقة، حتى من دون إغلاق المضيق بصورة كاملة.
وتأتي هذه التطورات بعد سنوات من استخدام الحوثيين الصواريخ والطائرات المسيرة ضد السفن في البحر الأحمر، لكن السيطرة على أراضٍ وموانئ ومواقع ساحلية تضيف بعداً مختلفاً إلى هذه القدرة. فالجماعة لا تعتمد في هذه الحالة على الهجمات المتنقلة فقط، وإنما تسعى إلى تثبيت وجود جغرافي على طول الساحل يمنحها عمقاً عملياتياً ومواقع أقرب إلى خطوط الملاحة.
وتشير مصادر عسكرية يمنية إلى أن الحرس الثوري الإيراني قدم دعماً للعمليات الحوثية الأخيرة، اعتماداً على معلومات قالت إنها استخلصتها من اعتراض اتصالات وروايات أسرى. وذكرت هذه المصادر اسم عبد الرضا شهلائي، أحد كبار قادة فيلق القدس، باعتباره من الشخصيات التي يعتقد أنها مرتبطة بإدارة الجهد الإيراني في اليمن. ولم تتمكن المصادر الإيرانية التي تحدثت إليها رويترز من تأكيد ذلك، لكنها أشارت إلى أن شهلائي أمضى وقتاً في اليمن خلال السنوات الماضية.
ويرى محللون أن تطور القدرات الحوثية لا يمكن تفسيره فقط بالتحرك الإيراني المباشر، وإنما أيضاً بتراكم الخبرة العسكرية لدى الجماعة وحصولها على أسلحة وتقنيات جديدة. وقال أحمد ناجي، محلل الشؤون اليمنية في مجموعة الأزمات الدولية، إن الهجوم على الساحل الغربي لم يكن مخططاً له خلال أسابيع قليلة، مشيراً إلى أن تطور قدرات الحوثيين ارتبط كذلك بالأسلحة الجديدة التي حصلوا عليها، بما فيها الطائرات المسيرة.
وفي المقابل، ركزت القوات اليمنية المدعومة من السعودية جزءاً كبيراً من حملتها العسكرية على الجبهة الشمالية، ما منح الحوثيين مساحة للتحرك على الساحل الغربي. وأدى هذا التباين في توزيع القوات إلى فتح مسار جديد للمعارك، يختلف عن خطوط المواجهة التقليدية التي ظلت أكثر ارتباطاً بالمناطق الداخلية.
◄ أي تدهور إضافي في أمن البحر الأحمر من شأنه أن يضاعف الضغوط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية
وتزامن التقدم الحوثي مع تصعيد واضح ضد السعودية. فقد تعرضت مدن سعودية جنوبية، بينها أبها وخميس مشيط وجازان، لهجمات بصواريخ بالستية وطائرات مسيرة، وقال التحالف الذي تقوده السعودية إن الهجمات أصابت بنى تحتية وأدت إلى إصابة عشرات الأشخاص. وأعلنت السلطات السعودية الخميس انتهاء حالة إنذار في خميس مشيط بعد رابع إنذار خلال 24 ساعة.
ويشير هذا المسار إلى أن الساحة اليمنية بدأت تتداخل بصورة أكبر مع الحرب الأوسع بين إيران والولايات المتحدة. فإلى جانب الضغط على السعودية، يمكن للحوثيين أن يشكلوا مصدر تهديد إضافي لحركة السفن في وقت تشهد فيه منطقة الخليج اضطراباً كبيراً بسبب المواجهة حول مضيق هرمز.
وهنا تكمن أهمية المخا. فإذا كانت هجمات الحوثيين السابقة قد منحتهم قدرة على تعطيل الملاحة من خلال الصواريخ والطائرات المسيرة، فإن السيطرة على مدينة ساحلية استراتيجية والتقدم نحو مواقع قريبة من باب المندب يضيفان إلى تلك القدرة عاملاً جغرافياً. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة كلفة التأمين والشحن، ودفع مزيد من السفن إلى تغيير مساراتها، خصوصاً إذا استمرت الهجمات على السفن المرتبطة بالسعودية.
وتظهر التطورات أيضاً أن باب المندب قد يتحول إلى جبهة موازية لمضيق هرمز في أزمة الطاقة الحالية. ومع استمرار الاضطرابات في هرمز وارتفاع أسعار النفط فوق مستويات المئة دولار، فإن أي تدهور إضافي في أمن البحر الأحمر قد يضاعف الضغوط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وبذلك تتحول المخا من مجرد مكسب ميداني للحوثيين إلى ورقة في صراع أوسع على الممرات البحرية. فبين هرمز وباب المندب، تبدو الحرب الإقليمية وكأنها تنتقل تدريجياً من استهداف المواقع العسكرية إلى الضغط على شرايين التجارة والطاقة، فيما يصبح الموقع الجغرافي لليمن جزءاً أساسياً من معادلة الصراع.