يعود فخري كريم إلى السنوات التي شهدت التحول الأبرز في الولاية الأولى لنوري المالكي؛ من رئيس حكومة جاء محكوماً بتوازنات القوى التي أوصلته إلى المنصب، إلى زعيم سياسي أخذ يقدم نفسه باعتباره «رجل الدولة القوي»، مستنداً إلى تحوّلات أمنية وسياسية أعادت ترتيب موقعه داخل السلطة.
كانت «صولة الفرسان»، العملية الأمنية التي انطلقت في آذار ٢٠٠٨، اللحظة الأكثر وضوحاً في هذا المسار. فالمواجهة التي بدأت في البصرة ضد «جيش المهدي» وامتدت إلى بغداد، منحت المالكي رصيداً لدى قوى سياسية وشعبية رأت فيها بداية لاستعادة سلطة الدولة.
وقد تزامن ذلك مع جملة متغيّرات أمنية صبّت في مصلحته، من بينها زيادة عديد القوات الأميركية، واتساع تجربة «الصحوات» (هي تحالفات عشائرية وقبلية سنّية عراقية تشكّلت في العراق ابتداءً من عام 2005-2006، بهدف محاربة تنظيم “القاعدة في بلاد الرافدين”) وتراجع نشاط تنظيم القاعدة، وتجميد «جيش المهدي». لكن مساراً آخر كان يتشكل داخل الدولة.
يستعيد كريم جذور «دمج» عناصر الأحزاب والميليشيات في الجيش والأجهزة الأمنية منذ عهد بول بريمر، ثم ينتقل إلى الشكاوى التي بدأت تصل إلى الرئيس السابق للجمهورية جلال طالباني بشأن تعيين أنصار ومقربين من المالكي داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتصاعد الحديث عن دور نجله أحمد وأقاربه في مكتب رئيس الوزراء. ويروي واقعة تكليفه من طالباني بمفاتحة المالكي بهذه الشكاوى، ورد الأخير وما كشفه من توتر مبكر مع شركائه داخل الائتلاف الشيعي.
تمتد الشهادة بين تعثر المصالحة الوطنية، وإعدام صدام حسين وما رافقه من جدل، وبدء خطة «فرض القانون»، وصولاً إلى الاتفاقية الأمنية العراقية – الأميركية التي حددت مسار انسحاب القوات الأميركية.
من خلال هذه الوقائع يرسم كريم ملامح مرحلة كانت الدولة تستعيد فيها جزءاً من قدرتها الأمنية، فيما كان المالكي، بالتوازي، يراكم نفوذه السياسي ويبني أدوات سلطته داخل مؤسساتها؛ وهي مقدمات ستظهر نتائجها بصورة أكثر وضوحا في ولايته الثانية.
صولة الفرسان.. وبداية التحول
مثلت عملية «صولة الفرسان» في البصرة مطلع عام 2008 قبل أن تمتد المواجهات إلى بغداد، واشتبكت فيها القوات الامنية بـ«جيش المهدي»، واحدة من أبرز محطات الولاية الأولى لنوري المالكي.
يستعيد فخري كريم تلك المرحلة وما تركته العملية من أثر في صورة رئيس الوزراء وموقعه داخل المعادلة السياسية، يقول: «انتقلت صولة الفرسان بين المالكي وجيش المهدي من البصرة إلى بغداد، وهي لم تحسم إلا بتدخل القوات البريطانية المرابطة في المدينة، وأشيع أيضاً أنّ ذلك تمّ بتدخل من قائد التحالف الدولي، ثم تركزت يومذاك بشكل خاص في مدينة الثورة – مدينة الصدر».
يتابع: «من الملفت أنّ الصولة، كما قيل وقتها، استهدفت أيضاً عصابات الجريمة المنظمة التي اتسع نشاطها وروعت المواطنين بعمليات الاغتيال والخطف والتغييب القسري واحتلال البيوت وتهجير العائلات ونهب البنوك، وغيرها من أساليب القهر والتعدي». ويشير إلى أن «تلك العصابات كانت، في الغالب، تطلب فدية مالية مقابل الإفراج عن المختطفين».
يرى كريم أنّ العملية ولدّت، في أوساط سياسية وشعبية مختلفة، انطباعاً بأنّ حكومة المالكي بدأت تتجه نحو فرض سلطة الدولة ومواجهة القوى المسلحة بصرف النظر عن هويتها. وهذا التقييم، بحسب قوله، «عزز موقع المالكي وأشاع أملاً بأنّ القانون بدأ يستعيد حضوره، وأنّ الحكومة تتجه إلى مواجهة القوى الخارجة عن سلطتها من دون تمييز بين التنظيمات التكفيرية الإرهابية والجماعات المسلحة النافذة في الوسط الشيعي. وكان هذا الفهم وراء تأييد قوى سنية مؤثرة لما بدا أنه نهج جديد يتبناه المالكي، ولم يقتصر التأييد عليها، وإنما امتد ليشمل معظم أطراف العملية السياسية».
في تقدير كريم، لم تقتصر الآمال التي أثارتها «صولة الفرسان» على تحسّن الوضع الأمني، إذ امتدت إلى توقّع تحوّل أوسع في نهج حكومة المالكي واستكمال بناء مؤسسات الدولة. ويقول: «كان الأمل أن تنعكس الوجهة التي اتخذتها صولة الفرسان على المسار السياسي للحكومة، وأن تمضي نحو استكمال بناء مؤسسات الدولة التي بقيت بعد سقوط نظام البعث وانهيار قيادته».
واقعة أم القيوين
بموازاة التحوّلات الأمنية، كانت السلطة تدفع باتجاه استيعاب جماعات مسلحة وإدخالها في العملية السياسية.
يستعيد كريم مشهداً من اللقاءات التي كان يعقدها طالباني مع قادة سياسيين واجتماعيين وشخصيات ومجموعات تعلن استعدادها لنزع السلاح، حيث يروي «شهدت الحياة السياسية خلال تلك الفترة اللاحقة اجتماعات ولائمية أقامها الرئيس مام جلال لقادة الأحزاب والقوى الاجتماعية والشخصيات البارزة من الجماعات التي أفرزها التغيير والاحتلال والهجرة المعاكسة، من بينها نواتات من جماعات مسلحة، أخذت تعلن بين فترة وأخرى عن نزع سلاحها والانضمام إلى العملية السياسية».
لمعرفة جوانب مما تضمنته مثل تلك الإعلانات، يستذكر كريم «جماعة قُدمت إلى باعتبارها من قوى المقاومة المسلحة، وتريد نزع سلاحها. وما كان من الرئيس إلا الترحيب بقرار الجماعة والتأكيد على احتضانها وتعميم مبادرتها. لكنه فوجئ بشرط خاص من زعيم الجماعة. وحين استفسر الرئيس عن الشرط، قيل له: «نتمنى أن نعلن خطوتنا في مؤتمر صحفي في إمارة أم القيوين!.. فما كان من الرئيس إلا أن يقول: يال مهانتنا، هل وصلنا إلى أم القيوين وأشقائنا الأعزاء هناك!».
كانت واقعة أم القيوين نموذجاً لمشهد سيتكرر، يكشف عن الطابع الاستعراضي الذي غلب على بعض إعلانات نزع السلاح، وارتباطها بحسابات الجماعات مع رعاتها الإقليميين أكثر من ارتباطها بمسار وطني حقيقي للمصالحة.
يتابع كريم رواية ما دار في اللقاء، وما يقول إنه أصبح نمطاً يتكرر في بعض اجتماعات نزع السلاح: «حينها شرح زعيم تلك (المقاومة) مخاطبا مام جلال: فخامة الرئيس، بذلك نرد جميلهم لما قدموه لنا من دعم ومساعدة طوال إقامتنا عندهم…»!
يضيف كريم: «بين وليمة وأخرى كان يتكرر مثل هذا المشهد، وينتهي بطلب بدل مغري عن نزع السلاح، وأحيانا كانت الجماعات تعلن عما تشاء وتريد مقابلا عن عدد مقاوميها وأسلحتهم ومعداتهم التي تخلّوا عنها، دون أي إجراء ملموس باستثناء الإعلان والنية!».
يضع كريم هذه اللقاءات ضمن تحوّل أوسع كان يجري في المناطق ذات الغالبية السنية، في وقت كانت فيه الإدارة الأميركية تعمل على كسب العشائر والجماعات المحلية ودفعها إلى مواجهة تنظيم القاعدة: «كان هذا التحول في أوساط سنية بالمناطق الغربية موضع اهتمام وتقييم عال لدى الإدارة الأميركية، التي كانت تتابع تطورات المواجهة مع الإرهاب في أنحاء البلاد. وقد عدته ثمرة لجهود الفرق المكلفة من قوات الاحتلال بتجفيف منابع الإرهاب وكسب حواضنه داخل المجتمع السني، وهي الجهود التي أسهمت لاحقاً في ظهور ما عرف بـ(الصحوات)».
«الدمج».. من تطمينات بريمر إلى الجيش الموازي
يعود كريم إلى السنوات الأولى التي أعقبت سقوط نظام البعث عام 2003، وإلى الطريقة التي أعادت بها سلطة الاحتلال بناء الجيش والأجهزة الأمنية، متوقفا عند سياسة «الدمج» التي سمحت بدخول عناصر من التنظيمات المسلحة التابعة للقوى السياسية إلى تلك المؤسسات، يقول: «كانت الإدارة المدنية للاحتلال قد بدأت في عهد بول بريمر، وواصلت ما سمته إعادة بناء الجيش والقوات الأمنية، باختيار عناصر من بقايا دولة البعث المنهارة. وقد وجد بريمر ومساعدوه أنّ من الضروري تطمين القيادات الشيعية إلى أن تطوع منتسبين في الجيش السابق لا يعني إعادة إحياء ذلك الجيش، وأن المقبولين منهم سيخضعون لفحص واختبار دقيقين للتأكد من عدم ولائهم للعهد السابق».
يتابع: «لمزيد من التطمين وتبديد الشكوك، طرح بريمر على القيادات الشيعية ضم أعداد من منتسبي ميليشياتهم المسلحة تتناسب مع قوام تنظيماتهم. ورأى في تلك الخطوة الصيغة المناسبة لتصفية الميليشيات الشيعية والتنظيمات المسلحة القادمة من دول الجوار في أعقاب سقوط نظام البعث».
شملت عملية «الدمج»، بحسب كريم، عدداً من القوى والتنظيمات التي أصبحت جزءا من النظام السياسي الجديد: «وضمت الميليشيات المشمولة بما عرف بـ”عملية الدمج”، قوات بدر التابعة للمجلس الإسلامي الأعلى، ومسلحي حزب الدعوة، والمؤتمر الوطني، والوفاق، وتنظيمات أخرى».
يستشهد كريم بما أورده بول بريمر في مذكراته، قائلاً: «يقول بريمر في مذكراته، متفاخراً، إنه استطاع إقناع السيد عبد العزيز الحكيم بالموافقة على تنسيب عشرة آلاف من منتسبي فيلق بدر إلى قوات الأمن والجيش. وكذلك فعل مع التنظيمات الأخرى».
يقدم كريم قراءة شديدة النقد للنتائج التي انتهت إليها سياسة «دمج الميليشيات». ففي تقديره، لم تؤد العملية إلى تفكيك التنظيمات المسلحة كما كان يفترض، وإنما فتحت لها طريقاً إلى داخل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، حيث: «بات معروفاً منذ ذاك أنّ ما فعلته الولايات المتحدة وقوات التحالف الدولي، في إطار ما سمي بـ”دمج الميليشيات”، أرسى الأسس التي بنيت عليها الميليشيات المسلحة والجيش العقائدي الموازي، ليصبح الجيش والأجهزة الأمنية منذ ذلك الحين “قوى دمج”، تتوزع إرادة منتسبيها ومواقفهم على أولياء الأمر من قادة الفصائل والميليشيات».
جيش الميليشيات المدموجة
يستطرد: «وقد بات واضحاً أنّ من شملهم الدمج لم ينزعوا سلاحهم ولم يحلوا ميليشياتهم. وعلى العكس، وسّعوا بنيتها وعززوا مواقعها وإمكاناتها وكرسوا نفوذها من خلال وجودها في أخطر هياكل الدولة غير مكتملة البناء، لتعبث فيها وتخضعها لأهدافها، ليس للدفاع عن الوطن، وإنما لحماية الطبقة الفاسدة المتفسخة ونظامها الولائي، كما فضح ذلك بمنتهى الوضوح شيخ المجاهدين هادي العامري، كما يطلق عليه اتباعه!»
يربط كريم بين هذا النفوذ وما أظهرته، في رأيه، نتائج الانتخابات المتعاقبة، قائلاً: «إن متابعة أولية لنتائج الانتخابات التي جرت منذ 2003 حتى آخرها تكشف بجلاء، وبالأرقام، عدد منتسبي كل فصيل مسلح والميليشيا الموالية له، داخل الاجهزة الامنية»!
يذهب كريم في قراءته إلى مرحلة لاحقة، بعد احتلال داعش عام 2014 نحو ثلث أراضي العراق وظهور الفصائل المسلحة المنضوية في الحشد الشعبي، قائلاً: «من بين فضائل العراق الديمقراطي الجديد أنه أغنى تجربته بضم أمراء الحرب والتصدي للإرهاب التكفيري، ثم شهد بزوغ فجر مليارديرات النهب والسلب من ثروات البلاد، وصولا إلى دولة الخراب، التي نعيش في كنفها اليوم».
عودة إلى ما قبل الصولة
قبل أن يتابع كريم قراءته لِما بعد صولة الفرسان، يعود بشهادته إلى الوراء، إلى الأشهر والسنوات التي سبقتها مباشرة، حين كان مسار المصالحة الوطنية يراوح مكانه فيما كانت البلاد تغرق في احتقان طائفي متصاعد بلغ ذروته مع تنفيذ حكم الإعدام بصدام حسين.
يقول: «في بيئة اتسعت فيها دائرة العنف ومظاهر الاستباحة، ظلت الاجتماعات والبيانات التي كانت تعلن حول المصالحة الوطنية تراوح في مكانها وتتباطأ، لتتحول إلى مجرد تبويس لحى ولائمية بين القادة، دون أن تسفر عن نتائج من شأنها خفض التوتر والاحتقان الطائفي والتقريب في وجهات النظر بين الفرقاء».
يستعيد كريم مقتل أبو مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة في العراق، بغارة أميركية، وإطلاق خطة أمن بغداد الموسومة بـ«معاً إلى الأمام»، ليخلص إلى أن ذلك كله: «رغم مقتل أبو مصعب الزرقاوي (في حزيران 2006)، بالإضافة إلى إطلاق خطة أمن بغداد “معاً إلى الأمام” (في العام نفسه)، فإنّ ذلك لم يؤد إلى خفض العنف الطائفي وتصفية نشاط القاعدة وفلول النظام السابق. والتفاؤل الحذر الذي ولدته النجاحات السابقة سرعان ما اصطدم بطوفان من العنف والإرهاب، وإشاعة قلق متزايد بين المواطنين، لأن تلك النجاحات افتقدت البيئة الوطنية الحاضنة المتمثلة في المصالحة المجتمعية والسلم الأهلي».
يصف كريم بعض مظاهر الانهيار الأمني التي عاشتها بغداد آنذاك: «وشهدت تلك المرحلة انتشار الحواجز والسيطرات الوهمية، المرافقة لازدياد عمليات الخطف والاغتيال وتكاثر الجثث مجهولة الهوية، بحيث تحولت بعض أحياء بغداد ومداخلها إلى خطوط تماس مذهبية».
المصالحة المتعثرة وإعدام صدام حسين
اعدام صدام
في ذروة ذلك الاحتقان، جاء تنفيذ حكم الإعدام بصدام حسين فجر 30 كانون الأول 2006، في واقعة أثارت جدلا واسعا بشأن توقيتها وطريقة تنفيذها. ويقول كريم: «وفي ذلك الظرف الطائفي بالغ الحساسية، أقدم نوري المالكي على تنفيذ حكم الإعدام بصدام حسين دون إعلام وموافقة رئيس الجمهورية. ولا يمكن تبرير هذا التجاوز بأن الرئيس كان قد أعلن في بداية ولايته أنه لن يوقع على أحكام الإعدام، لأنه ملتزم بقرار الأممية الاشتراكية، التي هو أحد قادتها، بتحريم عقوبة الإعدام».
بهذا يميز كريم بين موقف الرئيس المعلن سلفاً برفض التوقيع على أي حكم إعدام التزاما بموقف الأممية الاشتراكية، وبين تجاوز المالكي أصل حق الرئيس في العلم والموافقة؛ فالثاني تجاوز قائم بذاته لا يبرره الأول.
يشدد كريم على أنه: «لم يكن الإعدام بحد ذاته مثار شجب واستنكار واسع على الصعيد العربي والإقليمي والدولي، بقدر ما كان موضع استياء واستنكار داخل البلاد بسبب توقيته ليلة عيد الأضحى، وأسلوبه المخالف لأحكام إجراءات تنفيذ الإعدام، ووجود أشخاص لا حق لهم بالحضور لكونهم خصوم المدان سياسيا وجنائيا، وإطلاقهم هتافات ذات طابع مذهبي مسيء. وما أضفى إساءة مضافة كان التسجيل المصور داخل غرفة الإعدام وأثناء تنفيذه، وأثار ذلك جدلا عراقيا وعربيا ودوليا واسعا».
يستعيد كريم، في سياق انتقاده للطريقة التي نفذ بها الحكم، رواية يقول إنها انتشرت آنذاك من دون أن يصدر تكذيب رسمي لها، ويربطها بالجدل الذي أحاط بتوقيت الإعدام: «لقد كان اختيار موعد التنفيذ ليصادف، كما قيل وانتشر دون تكذيب رسمي، يوم زفاف نجل المالكي احمد، والإتيان بجثة المعدوم ورميها أمام منزله ليشاهده، ويحقق بذلك حلما شاهده وهو يعدم صدام حسين».
ثم ينتقل إلى سبب آخر لاعتراضه، يتعلق بتنفيذ الحكم قبل استكمال محاكمة صدام حسين في ملفات أخرى، قائلا: «هذا الاستنكار لم يتوقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى تنفيذ الإعدام قبل استكمال محاكمته على جرائمه الكبرى، بشن الحروب الداخلية ضد شعبنا وإزهاق أرواح آلاف الضحايا بالكيمياوي في حلبجة وجرائم الأنفال، وآلاف الجرائم المرتكبة ضد خيرة بنات وأبناء شعبنا العراقيين، بتصفيتهم في أقبية التعذيب والمعتقلات والسجون والتغييب القسري».
يضيف: «وكذلك فضح نزوعه الإجرامي إزاء أقرب رفاقه وأصدقائه من قادة وكوادر البعث، بالكيفية التي جرت في مسرحية قاعة الخلد، التي نحرهم فيها بأبشع الأساليب. وكان من شأن محاكمته حول هذه القضايا الجنائية الكبرى إظهاره كمجرم حرب وإبادة جماعية، وجلاد يذكر بهتلر وموسوليني».
يخلص كريم إلى موقفه من الطريقة التي أدير بها تنفيذ الحكم من قبل رئيس الحكومة: «وبسلوكه غير المتوازن وغير المتجانس مع مراعاة القانون والمصالح الوطنية العليا، أضفى على إعدام طاغية ومجرم حرب وإبادة طابعا استفزازيا حزبيا وفئويا وطائفيا مقيتا».
المالكي يبدأ بناء نفوذه داخل الأجهزة
ومن هذا الاحتقان الذي رافق ملفي المصالحة والإعدام، ينتقل كريم إلى مرحلة أخرى من الولاية الأولى للمالكي، حين بدأت، بحسب روايته، تظهر مؤشرات على بناء رئيس الوزراء شبكة نفوذ خاصة به داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية.
يقول: «يومذاك، أبلغت الرئيس طالباني أن المعلومات المتواترة تشير إلى أن السيد المالكي، بعد سنوات من رئاسته للحكومة، بدأ بتجنيد الآلاف من أنصاره في الأجهزة الأمنية والعسكرية من وراء ظهر شركائه، كما بات يعيد الاعتبار لضباط من العهد السابق برتب عالية إلى مواقع حساسة، من خلال قرارات غير معلنة بشمولهم بالاستثناء من الاجتثاث والمساءلة. وكذلك تجاوز الضوابط بإصدار قرارات تعيين لمعارف وأقارب وأبناء في مختلف المؤسسات والوظائف الحكومية».
غير أن طالباني لم يتعامل مع تلك المعلومات بالقدر نفسه من القلق الذي كان يراه كريم: «للأسف، لم يعر الرئيس اهتماما للأمر، واكتفى بالتعليق: «أليس ذلك أفضل من بقاء البعثيين في تلك المواقع؟!»»
يقول كريم إن المخاوف لم تقتصر على ما كان يصله من معلومات، حيث «صادف في تلك الفترة تزايد الشكاوى من قيادات شيعية، وبشكل خاص من المجلس الإسلامي الأعلى، حول دور أحمد ابن المالكي وأنسبائه وأقاربه في مكتب رئيس الوزراء، وانخراطهم في تمرير قرارات تعيين وترفيع وتوزيع رتب عسكرية وغير ذلك، مما ينبغي معالجته مبكرا، وإلا فسنواجه وضعا لا يحمد عقباه».
يضيف: «وقد طلب مني الرئيس أن أزور السيد المالكي وأن أضعه في صورة ما يقال، وكذلك تذكيره بما اتفقنا عليه حول الضباط المشتبه بهم ووعده بأنه سيعالج ذلك فور تسلمه مهامه، بالإضافة إلى إملاء الشواغر والاستحقاقات الخاصة باقليم كردستان».
ويروي كريم تفاصيل اللقاء الذي عقده مع المالكي بتكليف من طالباني، مشيرا إلى أن رئيس الوزراء أبدى انزعاجاً فور إثارة الحديث عن مكتبه ونجله أحمد وأقاربه. ويقول: «حين زرت المالكي وبدأت بوضعه في صورة ما يقال عن مكتبه وولده أحمد وأقاربه، انتفض منزعجا، وأخرج من مكتبه ملفا لوح به وهو يقول: «في هذا الملف معلومات كاملة عن مكاتبهم وأقاربهم وتصرفاتهم، فآمل ألا يجبروني على نشرها».
يضيف كريم أنّ المالكي دافع عن وجود نجله إلى جانبه في مكتب رئيس الوزراء: «وقال المالكي أيضاً: أما بالنسبة لأحمد، فهو شاب صغير، يمكنك اللقاء به هنا لتعرف مدى صحة ما يشيعون عنه من تقولات! لقد رأيت أن من الأسلم له ولي أن يكون قريبا مني، ليكون تحت رقابتي!. وختم كلامه بالقول: أنا أعرف من هم الذين يشيعون هذه الأجواء ضدي، وأنت تعرف أيضا من يقف وراء ذلك».
يوضح المقصد: «كان يلمح إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وفشله المتكرر بتكليف الدكتور عادل عبد المهدي برئاسة مجلس الوزراء».
المالكي في سنواته الأخيرة
مع اقتراب الولاية الأولى للمالكي من سنواتها الأخيرة، بدأت نتائج التحولات الأمنية تظهر بصورة أوضح، يقول كريم: «السنوات الأخيرة من عهد المالكي الأول شهدت تطورات أمنية وسياسية صبت لصالحه، وشكلت مؤشرات رجحت للبعض أن من الممكن اعتمادها كنهج لسياسة قد تطفئ نيران الفتنة الطائفية وتضع البلاد على طريق المعافاة».
من بين تلك التطورات، إضافة لما أسلفنا من زيادة القوات الأميركية وتوسع الصحوات وتراجع نشاط القاعدة وتجميد جيش المهدي، يذكر كريم تحسنَ أداء بعض تشكيلات القوات العراقية: «وقد ساعد ذلك كله على تراجع ملموس في وتيرة ومستوى النشاط الإرهابي والعنف، وإن ظل الوضع نسبيا وفي حالة تغير مستمر».
في قراءة كريم، لم تتوقف نتائج التحسن الأمني عند الميدان، فقد انعكست مباشرة على موقع المالكي داخل المعادلة السياسية، وبدأت تعزز صورته كرئيس حكومة قادر على الإمساك بالملف الأمني وتوسيع مساحة حركته تجاه شركائه.
يقول إن من التطورات التي عززت هذا الرصيد «عودة الكتلة السنية الرئيسية إلى الحكومة، والمتمثلة بـ”جبهة التوافق”، وتسلم العراق الملف الأمني في الأنبار، المحافظة التي كانت المركز الرئيسي لتنظيم القاعدة والتمرد الإرهابي المسلح».
يضيف: «وفي عهده الأول وقع المالكي (في تشرين الثاني 2008) الاتفاقية الأمنية العراقية – الأميركية لتنظيم وجود القوات الأميركية، التي نصت على الانسحاب الكامل من العراق في موعد أقصاه 31 كانون الأول 2011. لكن المالكي تردد في التوقيع رغم تعهده، فيما كان يبدو ممانعة وطنية منه!».
يروي كريم أن المالكي شرح لطالباني سبباً سياسياً لهذا التردد، يتعلق بموقف شركائه داخل التحالف الشيعي، قائلاً: «أخبر الرئيس، جوابا على استفساره عن سبب الامتناع عن التوقيع: لم أتخل عن تعهدي، ولكن الجماعة – يقصد شركاءه في التحالف الشيعي – قد يبيتون لي كميناً لإظهاري كممالئ للمحتل وإظهار أنفسهم كوطنيين، ولهذا أشترط أن نوقع جميعاً في الوقت نفسه».
يستعيد كريم لحظة الاتفاق على التوقيع بأسلوب ساخر، رابطاً إياهاً بالمواقف التي كانت تتخذها بعض القوى السياسية من الوجود الأميركي: «وبعد البسملة والاتكال على رب العالمين ونبيه وآله الطاهرين، جرى التوقيع بسلاسة على الاتفاقية الأمنية الأميركية – العراقية، دون أي استهداف بمسيرة أو احتجاج جماهيري، أو حرق للعلم الأميركي، أو بصورة جورج دبليو بوش الاب او جورج بوش الابن».
أما سحب القوات الأميركية من العراق، فيعود الفضل فيه، بحسب كريم، إلى الرئيس باراك أوباما، الذي تعهد خلال حملته الانتخابية بالقيام بذلك، ونفذه ضمن أولويات عهده الرئاسي، خلافا لادعاءات «حملة السلاح» والولائيين، المغرقين في «الحساسية» من الانتماء إلى الوطن العراقي، والمستعدين لـ«حمل السلاح ضده» إذا اقتضت حاجة لم تعد حتى في «نفس يعقوب»!
قانون تحرير العراق وحرب بوش
من هذه الواقعة، ينتقل كريم إلى الاعتراض على روايةٍ تبنّتها لاحقاً، بعد الانسحاب الأميركي عام 2011 وحتى الخطاب السياسي الراهن، قوى سياسية وفصائل مسلحة بشأن دورها في إنهاء الوجود العسكري الأميركي:
يستدرك كريم: «وفي هذا السياق لا بد من التوقف عند كل ما جرى التصريح به وإعلانه من قبل قادة المقاومة ورموز الإطار التنسيقي بأنهم أبطال إخراج قوات الاحتلال الدولي والأميركي، كما الحال مع ادعاء تحرير العراق. إنما هو محض ادعاء باطل لا يقبل التوبة عند رب العالمين.»
في ختام هذا الجزء من شهادته، يختار كريم عودة قصدية إلى نقطة أبعد زمنياً من كل ما تقدم: إلى ما قبل الغزو نفسه، ليضع مسار الولاية الأولى للمالكي كله – بصولاته الأمنية وتحولاته السياسية – في سياقه التأسيسي الأول، مستحضراً «قانون تحرير العراق» الذي أقرّه الكونغرس الأميركي عام 1998 في عهد الرئيس بيل كلينتون – أي قبل خمس سنوات من قرار الغزو – والدور الذي ينسبه إلى أحمد الجلبي في الدفع باتجاهه، قبل أن ينتقل إلى قرار إدارة جورج دبليو بوش، بعد سنوات، بشن الحرب.
يقول: «فـقانون تحرير العراق يعود الفضل الأول في تسهيل إمراره على الكونغرس إلى الفقيد الدكتور أحمد الجلبي. والرئيس جورج بوش الابن هو من وقع وأمر بإعلان “حرب تحرير العراق»، لا لإنقاذ الشعب العراقي من الدكتاتورية والاستبداد البعثي، وإنما للكشف عن أسلحة الإبادة النووية والكيمياوية”.
يختم كريم شهادته في هذا الجزء بمفارقة يراها بين إسقاط النظام والنتيجة التي انتهى إليها التدخل الأميركي: «ومع ذلك استكثرت الإدارة الأميركية علينا إسقاط صدام حسين، ففرضت علينا الاحتلال وما انتهى إليه مما نحن فيه الآن».
