
لوحة “بريمافيرا” (الربيع) لبوتيتشيلي (موسوعة الفن الكلاسيكي)
ملخص
كان فازاري في حاجة إلى أن يجتاز بضع قرون إلى الأمام حتى يطلق على بوتيتشيلي لقب “فنان الأرشيف” بامتياز، أو أن يتحدث عن مهنة “الكاستنغ” السينمائية التي سوف تولد في القرن الـ 20، وكل هذا لكي نذكر مع فازاري أن بوتيتشيلي بقدر ما شارك كبار الرسامين النهضويين مكانتهم الفنية عبر لوحات خالدة، كذلك شاركهم مكانتهم كرسامي تخطيطات غالباً ما تعتمد على سيكولوجية الشخصيات في ذلك الزمن النهضوي المجيد.
منذ كان تلميذاً مراهقاً في محترف الأخ فيليبو ليبي بين العامين 1461 و1462، كانت تلاحظ لدى ذاك المتمرن الذي لقب ببوتيتشيلي، أي البرميل الصغير، لبدانته كما يبدو، ممارسة لم يكن لعالم المحترفات عهد بمثلها من قبل: كان كجامعي الصور والطوابع البريدية في أزمنة تالية، ما إن يلتقي شخصاً تثير ملامحه أو ضروب سلوكه أو حتى ملابسه وغرابة تصرفاته، اهتمامه، حتى يسارع إلى رسمه في اسكتش يحتفظ به لأزمنة تالية من دون أن يقرر ما الذي سيؤول إليه حال تلك التخطيطات، أو يسرّ بالأمر لأحد.
وهكذا اجتمع له خلال تلك المرحلة المبكرة من حياته أرشيف ضخم، لا شك أنه راح يعززه لاحقاً بممارسة مماثلة تفرد بها بين أقرانه، وهو أمر سوف يكشف عنه لاحقاً جورجيو فازاري الذي سيكون من أول الذين كتبوا سيرته، ومن أكرم المبدعين المفكرين في تقدير أهميته الفنية.
ويقيناً أن فازاري كان واحداً من الذين ركزوا في حديثهم على تلك الممارسات التي جعلت من ممارسة الرسم لدى بوتيتشيلي فناً ممنهجاً قائماً بذاته إلى درجة أنه حين يقرر إنجاز لوحة ما، دينية كانت أم دنيوية، لم يكن في حاجة إلى الاستعانة بموديلات حية، كل ما كان عليه أن يفعله كان سحب مخطوط من هنا أو آخر من هناك وإجراء بعض التعديلات على ما توافر له لدمجه في اللوحة المطلوبة.
حتى “فينوس” وحسناء “الربيع”
ولعل بوتيتشيلي مارس التقنية نفسها مرات ومرات حتى على شخصيات أساسية في بعض لوحاته الكبرى بحيث لا يفوت الناظر إلى لوحات مثل “الربيع” أو “فينوس” من ناحية، ومثل لوحات تمثل تبجيل المجوس للسيدة العذراء وغيرها من لوحات دينية رائعة من ناحية أخرى، أن يلاحظ في الأولى كيف أن الشخصية النسائية المركزية هي نفسها وبملامحها وسماتها الجسدية في اللوحتين، وكيف أن النموذج الذي اعتمده لتصوير يوحنا المعمدان يكرر استعماله لتصوير شخوص قد تكون مناقضة تماماً في لوحات أخرى.
وكان فازاري في حاجة إلى أن يجتاز بضع قرون إلى الأمام حتى يطلق على بوتيتشيلي لقب “فنان الأرشيف” بامتياز، أو أن يتحدث عن مهنة “الكاستنغ” السينمائية التي سوف تولد في القرن الـ 20، وكل هذا لكي نذكر مع فازاري أن بوتيتشيلي بقدر ما شارك كبار الرسامين النهضويين مكانتهم الفنية عبر لوحات خالدة، كذلك شاركهم مكانتهم كرسامي تخطيطات غالباً ما تعتمد على سيكولوجية الشخصيات في ذلك الزمن النهضوي المجيد.
ولعل من الجدير ذكره أن فازاري، في كتابته سيرة بوتيتشيلي، أبدى حسرته لضياع كمية كبيرة من تلك الرسوم الأرشيفية التخطيطية التمهيدية التي مكّنه ما تبقى منها من أن يعتبره واحداً من كبار مبدعي هذا النوع الفني “الثانوي” في تاريخ الفن، فكتب عن ذلك يقول ” لقد كان بوتيتشيلي يرسم بشكل متواصل تلك التخطيطات إلى درجة أن زملاءه الفنانين الحرفيين [الذين اهتموا بتركته] وجدوا صعوبة جمة في الحفاظ على ما عثروا عليه من تلك التخطيطات”.
ما جمعه فازاري
“ونحن من ناحيتنا”، يتابع فازاري “تمكنا على أية حال، في جمعنا الرسوم التي أنتجها بوتيتشيلي خلال حياته ومساره المهني، تمكنا من جمع عدد لا بأس به يلاحظ من يشاهده مدى براعة الفنان في تحقيقه ودقته في إنجازه، وأريحيته في استخدامه مرات ومرات ومرات”.
والحقيقة أن فازاري في هذا التأكيد لا يبتعد عن الحقيقة بالنظر إلى أن العدد القليل، بعد كل شيء، مما توصل به، إنما يكشف حقاً عن القيمة الكبيرة لرسوم بوتيتشيلي، ناهيك عما تكشفه عن ذلك بصورة خاصة، الرسوم والتخطيطات التي عبر فيها عن نظرته إلى العديد من مشاهد كوميديا دانتي الإلهية. فذلك العدد القليل يكشف كم أن المواضيع التي تطرق إليها بوتيتشيلي في الرسوم مشبعة بتعمق في التفاصيل، ناهيك أن الفنان كان يحرص على اللجوء إلى تنويع هائل في التقنيات بغية أن يمد عمله عليها، ثم استخدامها في أعمال له مستقاة منها أو متكلة عليها، أبعاداً قد لا تكون قد خطرت في باله أول الأمر، وذلك في بحث متواصل عن أقصى مستويات التعبير وأعلى درجات الجمال في إطلاقتيه.
وهو ما يمكن قوله هنا، بخاصة بصدد الشخصيات الثلاث التي تشغل الحيز المركزي في لوحة “الحسناوات الثلاث”، إذ يلفت حقاً تشارك الفتيات الثلاث، وبملامح متقاربة، في تقاسم أبعاد جمالية من الصعب القول إنها كان يمكن أن تجتمع في وقت واحد الا في مخيلة الفنان أو في… أرشيفه.
وما يقال هنا عن الملامح يمكن قوله عن شفافية الثياب التي يقوم دورها في الكشف عن مثالية الأجساد المرسومة، ومن المؤكد أن تلك المقاييس المثالية كانت هي السائدة في ثمانيات القرن الـ التي شهدت بوتيتشيلي ينجز هذه اللوحة الدنيوية.
خزان لا ينضب
وإذا كان فازاري يلمح إلى الحقائق التقنية التي تتعلق بهذه الممارسة، فإنه يلمح أيضاً إلى أنها قد ساعدت بوتيتشيلي، حتى في لوحاته الدينية التي حرص فيها على أن يضفي على كل شخصياته المرسومة فيها سمات مثالية تلتقي مع أسمى معايير الجمال، وذلك متنقلاً بما لديه من مخزون، من لوحة إلى أخرى كمن يحرص إذا ثبتت الملامح والسمات في مخزونه، مرة وإلى الأبد، على جعل ذلك المخزون صالحاً لكل زمن وموقف.
واللافت في الأمر أنه مقابل اختفاء عدد كبير من الرسوم والتخطيطات التمهيدية التي يتحسر فازاري على ضياعها، ثمة رسوم وتخطيطات عديدة أخرى تم العثور عليها، ومنذ أيام فازاري نفسه هو الذي ضمها إلى مجموعته البالغة الأهمية، لكن مشكلتها تبدو هنا معاكسة، إذ لم يعثر على أي أثر لاستعمال الفنان لها في أي من لوحاته المعروفة. فهل تراه تخلى عن ذلك؟ أم أنه استخدمها في لوحات ضاعت هي الأخرى فبقي لدينا، تجميع فازاري لها، من ناحية، ومن ناحية أخرى روعة أبعادها الفنية سواء تمكنا من العثور عليها في فن ساندرو بوتيتشيلي (1444/1445 – 1510) المكتمل، أو عجزنا عن ذلك، لكن وجودها نفسه يضفي قيمة كبير على فن ساندرو دي ماريانو دي فاني فيليبيبي [وهو الاسم الحقيقي لذلك الفنان الرائع الذي لم يكن بوتيتشيلي سوى اللقب الذي اشتهر به تحبباً].
