مجموعة يوسف بزي الشعرية الصادرة حديثًا عن دار رياض الريس ببيروت (“الشمس كلها في وجهي”) نص يقع في قلب المنطقة الفلسفية والأدبية التي تشغلني: منطقة اللحم الحي المدهوس تحت جنازير الماكينة (الحرب، الأيديولوجيا، البيروقراطية الرقمية، وتجريف التاريخ)، والبحث عن التملص الصامت عبر اللذة، الذاكرة، والألفة الجسدية.
في القصائد الأولى (“مراهق كئيب على شرفة صيفية” و”أرق”):
تنصل من بطولات الحرب الأيديولوجية: لا “أمور جليلة” بالمعنى الأكاديمي أو الحزبي، بل لسان عجوز يتذكر الهمبرغر عام 1976، وخصر الفتاة، وأغاني بلوندي، وعاهرات شارع الحمراء.
ليس جسد الفارس السوبرمان، بل الجسد الخاضع الفسيولوجي: الجسد الذي وُخِز في موضع استئصال المرارة، الجسد الذي ينهكه الأرق عند الرابعة فجرًا، الجسد الذي يتساقط شعره وينزف أنفه في “وادي الظلال”.
هذا احتفاء بالهشاشة والترهل والذاكرة المكسورة بوصفها خط الدفاع الأخير للإنسان ضد تعقيم الماكينة.
في القسم الثاني (“نهاية الأوكسيجين”) وفي مقاتلي الأنفاق:
اليد موضوعة على استلاب الجسد داخل الأيديولوجيا. جيل الصواريخ والأنفاق يظهرون كرجال أُلغيت إنسانيتهم الفسيولوجية لصالح “السيستم”: “الذين يحبون راجمات الصواريخ لا يشربون نبيذًا أبيض… عتمتهم رغم الصاعقة التي في أعناقهم لا تليق بنضارة فتوتهم المخبأة بالأيديولوجيا واللحى”.
الحرب تُرسَم كـ “حرب تجريدية”، تيمنًا بالرسم التجريدي: شاشات، ذكاء اصطناعي، طائرات مسيّرة، ومونتاج فاسد للخراب. هذا تأمل في بيروقراطية الموت الحديثة حيث تُنظّف الشاشات من الدم الحقيقي لتبقى الماكينة صالحة للاستهلاك الإعلامي.
مع ذلك فإن الحرب لا تكتب كدراما بل كطقس يومي، وليست حدثًا سياسيًا بل مناخ وجودي.
في القسمين الثالث والرابع (“الحب الذي يتحدث” و”الحرية مليئة بالغبار”):
تملص صامت من الصالة المكيفة ومن المأتم العام. هروب نحو البحر، نحو الجسد الأنثوي، ونحو السخافات اليومية المشتركة (سمكة نافقة، تنكة بيرة، ثوم وكزبرة في الطنجرة، شورت الجينز الضيق، وضحكات حانات الأرمن).
الماء والحب والذاكرة تستخدم كعلاج ومصل ضد “الظلام الأبدي” الذي يتوعّد به القادة الميدانيون. الحب أيضًا ليس رومانسيًا معقمًا، بل هو “حب يتقاسم الجرح اليومي”، حب يقوم على الاعتناء بالضعف والشيخوخة وبقاء الشفتين المرتجفتين عند آخر الليل.
نص يخلو تمامًا من “البلاغة البلاطية” أو الخطابية. إنه شعر يخرج من أمعاء المدينة المهددة بالدمار، ومن رغبة الفرد في حماية حقه بالضحك، والشرب، وتقبيل امرأته وسط غبار الحرب.
نص حسي شجاع وراهن جدًا. يمثل صوت من يرفض أن يُساق في قطيع الأيديولوجيا، ويعلن انحيازه الكامل لـ “اللحم الحي، والذاكرة الفردية، والشمس التي تلفح الوجه” في مواجهة عتمة الأنفاق وقذائف الماكينات.
هذه سيرة جسدية مكتوبة بالشعر. الشعر هنا ليس لغويًا، بل حركيًا. يتحرك بين الحرب، الجسد، البحر، المدن، والذاكرة، كما لو أن القصيدة هي كاميرا محمولة تهتزّ مع خطواته.
شعر حرب بلا بطولات. جسد بلا تجميل. مدينة بلا رومانسية. ذاكرة بلا حنين.
شعر يُكتب من موقع الناجي، لا من موقع الراوي. والجسد في المجموعة ليس موضوعًا بل أداة رؤية، ومقياس للعالم المحيط. كل شيء يقاس بما يحدث لهذا الجسد: الحرب، البحر، الليل، المدينة، الذاكرة.
رسالة إلى يوسف:
هذا رأي يقع في منطقة التواطؤ بيني وبينك، إنما دعني أسألك بضعة أسئلة:
هل تظن أن هذا الاحتفاء بالجسد المترهل يمكن أن يُقرأ، خلسة، كرثاء للرغبة في زمن تستعلي فيه الأيديولوجيا على الفيزيولوجيا؟ أعني، أن الجسد هنا ليس حيًّا فقط، بل يمارس “حقّه في الموت البطيء” بعيدًا عن الاستشهاد الدرامي.
حول “جيل الصواريخ والأنفاق”، هل يمكنني التأويل باعتماد أنثروبولوجيا معاكسة؟ أي النظر إلى المقاتلين كما لو كانوا كائنات غريبة خضعت لعملية تجريد، لا أعداء ولا أبطال، بل “ضحايا السيستم” الذي صاغهم.
علاقة الماء والمرأة بالذاكرة: هل هي هروب أم هي طريقة أخرى للتاريخ؟ لأن الماء في النص لا يبدو نسيانًا، بل تأريخًا بديلًا، تأريخًا يكتبه الجلد لا الرواية الرسمية.
نقطة أخيرة أحب أن أضعها أمامك للنقاش:
ألا ترى أن “اللحم الحي المدهوس” يحمل بطولة أخرى، أكثر خبثًا؟ بطولة “البقاء” كإهانة يومية للماكينة. بطولة الضحك في لحظة القصف. بطولة تقبيل امرأة وسط الغبار. ليست بطولة الفارس، بل بطولة “من لا يموت بالشكل الذي تريده الآلة”.
على أي حال: أود أن أعلق بجملتين تتقاطعان مع مجموعتك، لكنهما ملكي:
الضحك في أثناء القصف لا يصنع بطلًا، بل يحفظ الإنسان من أن يُختزل إلى هدف عسكري.
إذ كلما حاولت الأيديولوجيات أن تجعل الإنسان تاريخيًا، قاوم الإنسان بأن يصبح عاديًا.