لم يكن الهدف العميق تدمير البرجين، ولا بثّ الذعر في قلوب الأميركيّين وبيوتهم، بل دفع الولايات المتّحدة المكلومة إلى الانتقام كنمر جريح. ثمّة من رسم لها طريق الثأر ببراعة منقطعة النظير، فضربت كما لم تضرب منذ إخضاع أحفاد الساموراي في هيروشيما. استحالت المنطقة برمّتها فوق صفيح مشتعل، ودبّ الرعب في كلّ حدب وصوب، ثمّ تسلّلت طهران خلسة تحت جنح الظلام.
يروي الدكتور نبيل خليفة في كتابه “استهداف أهل السنّة” أنّ إيران تسعى بتراثها الإمبراطوريّ وثورتها الشيعيّة لإزاحة المملكة العربيّة السعوديّة عن موقعها كدولة مركزيّة في الإسلام وفي الخليج وفي العالمين العربيّ والإسلاميّ، آملة أن تتمكّن يوماً من أن تصبح الدولة المركزيّة في الإسلام.
15 شخصاً يحملون الجنسيّة السعوديّة من أصل الـ 19 الذين نفّذوا عمليّات 11 أيلول. هذا رقم مقصود. فلا شيء يحدث مصادفة في الأمن. ولا شكّ أنّ المُخطِّط العميق لهذا الزلزال، أراد لهذا الرقم أن يحتلّ الجزء الأكبر من الصورة ومن الذاكرة، وأن يحتلّ أيضاً الجزء المماثل من ردّة الفعل.
كان المطلوب تفجير العلاقة الاستراتيجيّة والتاريخيّة بين الولايات المتّحدة الأميركيّة والمملكة العربيّة السعوديّة. فأميركا كانت أمام صدمة شاملة وغير مسبوقة، وكان سهلاً في ظلّ الغضب الشعبيّ الهائل، أن تتحوّل السعوديّة في الوعي الأميركيّ من حليف إلى عدوّ. وهنا تماماً تبرز أهميّة التركيبة البشريّة للمنفّذين، حيث إنّها تستهدف صناعة رأي عامّ جارف ومباغت وشديد الفتك، يمنع القيادة السياسيّة من التوازن أو الهدوء.
السُّنّة أعداء العالم؟
في علم الجريمة، ابحث دائماً عن المستفيد الأوّل، وإيران كانت في مقدّمة المستفيدين الجيوسياسيّين من التحوّلات التي أعقبت أحداث 11 أيلول، بل المستفيد الأوّل بلا منازع، لا سيما بعد إسقاط نظام صدّام حسين عام 2003، إذ وجدت طهران في العراق المنهار بوّابة ضخمة للتوسّع، قبل أن يمتدّ نفوذها على نحو أخطبوطيّ إلى عواصم وحواضر العرب.
لكلّ ذلك وأكثر، لم تكن أحداث 11 أيلول 2001 مجرّد هجوم إرهابيّ استهدف الولايات المتّحدة، ولا مجرّد لحظة أمنيّة غيّرت قواعد الحرب على الإرهاب. بل نقطة تحوّل كبرى في النظام الدوليّ، وفي الشرق الأوسط تحديداً، دفعت المنطقة إلى مسار من الحروب والانقسامات وإعادة تشكيل موازين القوى، وكان السنّة في العالمين العربيّ والإسلاميّ أكثر من دفع ثمن هذا التحوّل.
تقرير لجنة التحقيق حول اعتداءات 11 أيلول تحدّث عن أدلّة قويّة تُشير إلى أنّ إيران سهّلت عبور عناصر من تنظيم القاعدة إلى أفغانستان ومنها، وأنّ بين هؤلاء عدداً من منفّذي العمليّة. لكنّه خلص في الوقت نفسه إلى عدم وجود دليل على أنّ إيران كانت تعلم أو شاركت بخطّة هجمات 11 أيلول تحديداً.
هذه المسافة بين التسهيل والمشاركة في التخطيط مهمّة جدّاً. فهي لا تسمح بإصدار حكم قطعيّ، لكنّها في المقابل تفتح مروحة من الأسئلة المشروعة حول الدور الخفيّ والعميق الذي لعبته إيران، وماذا لو كانت هناك صلات أوسع لم تُكشف بعد؟ وهل استثمرت في بيئة القاعدة وأدارتها بطريقة تخدم أهدافاً استراتيجيّة أكبر؟
بعد 11 أيلول، تحوّل المسلمون السُّنّة في جزء كبير من الخطاب السياسيّ الغربيّ إلى ما يشبه الكتلة البديلة للعدوّ السوفيتيّ السابق. انتهت الحرب الباردة، لكنّ الحاجة إلى خصم استراتيجيّ لم تنتهِ. وصار الإرهاب السنّيّ عنواناً مركزيّاً في السياسة الأميركيّة والدوليّة، وانطلقت حروب أفغانستان والعراق، وتوسّعت معها الفوضى التي فتحت المجال أمام صعود قوى إقليميّة جديدة، وفي مقدَّمها إيران.
هكذا يمكن قراءة السنوات التي أعقبت 11 أيلول ضمن مسار أوسع، يتمحور حول إضعاف النفوذ السنّيّ، وتفكيك دول عربيّة مركزيّة، وصعود إيران وشيعيّتها السياسيّة، ثمّ دخول إسرائيل تدريجيّاً في معادلات المنطقة. لم يكن كلّ ذلك بالضرورة نتيجة خطّة واحدة مكتوبة مسبقاً، لكنّه أنتج في النهاية واقعاً إقليميّاً خدم أهداف هذه القوى.
من يزرع الرّيح يحصد العاصفة
بعد ربع قرن، لم يعد المشروع الإيرانيّ كما كان. تراجعت قوّته وتقلّصت في أكثر من ساحة، وانكسر جزء كبير من الصورة التي أحاطت بالشيعيّة السياسيّة وقدرتها على الإمساك بمفاصل القرار العربيّ. وفي المقابل، بدأ العرب، والسنّة تحديداً، يستعيدون حضورهم السياسيّ والاستراتيجيّ، ليس بوصفهم كتلة هجومية، بل باعتبارهم أصحاب مصلحة مباشرة في إعادة بناء النظام الإقليميّ الجديد.
ضمن هذا السياق، اكتسبت السعوديّة موقعاً محوريّاً ومتقدّماً، فالبلد الذي كان يُراد له أن يصبح هدفاً لعزلة دوليّة بعد 11 أيلول، بقي متماسكاً، وخرج من سنوات الضغط أكثر قوّة وتأثيراً، وانتقل تدريجيّاً من موقع الدولة المركزيّة في الخليج إلى لاعب إقليميّ ودوليّ يصعب تجاوزه في الملفّات الكبرى.
ثمّ إنّ الوجه المقابل لمسار 11 أيلول وما تلاه من تداعيات، يكمن في قيام تحالف مكّة بين الدول السنيّة الكبرى في الإقليم، فبعد ربع قرن من مرحلة كان فيها السنّة في موقع الدفاع والاتّهام والشيطنة، ظهر إطار إقليميّ جديد يضم قوى سنّيّة وازنة، ويعلن أنّ أمن المنطقة يجب أن يُبنى على التعاون والتكامل بين دولها، من سوريا التي خرجت من قبضة النفوذ الإيرانيّ بعد هروب بشّار الأسد وسقوط نظامه، مروراً بالعراق ولبنان، حيث يتدرّج الصراع على استعادة قرار الدولة، إلى اليمن الذي يضع اللمسات الأخيرة على معركة مفصليّة، لن يكون بعدها كما قبلها على الإطلاق.
إذا كانت عاصفة 11 أيلول قد ساهمت في فتح الطريق أمام مرحلة طويلة من الفوضى والحروب وتبدّل موازين القوى وإطلاق يد إيران، فثمّة عاصفة مقابلة تستعيد فيها المنطقة قرارها، وتعيد العرب إلى موقع المبادرة، وتضع حدّاً للاندفاعة والتغوّل الإيرانيّ، وتفرض على إسرائيل واقعاً إقليميّاً جديداً لا يُمكن التعامل معه بخفّة أو بساطة.
كابدت السعوديّة وصمدت في وجه العواصف على مدى ربع قرن، وبقيت عند قمّة موقعها المركزيّ في الإسلام ولدى المسلمين، بل وتحوّلت إلى رأس حربة في قيادتهم وقيادة المنطقة، وفي إعادة رسم الشرق الأوسط برمّته، فيما انزلقت طهران نحو هاوية بلا قرار، آخذة معها مشروعها وأذرعها وما بقي من صورة ذلك اليوم الأسود وتداعياته على الأرض وفي الذاكرة.
