علي حسين… جريدة المدى
منذ أن أُعلن عن “صولة الفجر”، والمواطن العراقي يواجه أطناناً من الكلام والخطب استهلكت معظم وقت الفضائيات، وخرج علينا من يعلن القضاء على الفساد وأنه قُبر وإلى الأبد، واستغرقنا في مناقشات ومشادات كلامية عن بطولة الذين كشفوا عن أسرار السرقة، وشاهدنا المتهم الأول نور زهير وهو يجلس بكامل قيافته خلف القضبان، واستمعنا إلى تحليلات السيد نوري المالكي تحت شعار “ياهو الباكنه”، وخرج علينا من يهتف باسم النائب “الهمام” الذي أعاد أموال العراق للعراقيين، وبسرعة البرق توقف الحديث عن ملفات فساد كبيرة وانشغلنا بتغريدات تحيي جهود الحكومة بالحفاظ على المال العام.
لكن اللافت أن موضوع “صولة الفجر” تم توظيفه في تثبيت تلك الصورة المصطنعة عن أن معظم الحكومات السابقة حافظت على المال العام، وحاربت الفساد، ولكن ماذا نفعل للإمبريالية الأمريكية التي لا تريد لهذه البلاد أن تستمتع بخبرة عالم نووي مثل حسين الشهرستاني الذي صدّر الكهرباء العراقية إلى جنوب أفريقيا؟، ولأن النواب والسياسيين يعتقدون أن هذا الشعب ينسى بسرعة وأنه يملك ذاكرة سمكة، وأن العراقيين لا يتذكرون أن أكثر من 100 مليار دولار نُهبت من أموال الكهرباء، وأن ميزانيات كاملة وبعشرات المليارات تم نهبها في وضح النهار، وأن أموال الحصة التموينية حوّلها فلاح السوداني لحسابه الخاص، وأن أموال طبع الكتب المدرسية أوصلت مثنى السامرائي إلى قبة البرلمان، ولهذا كان لابد من اعتبار “صولة الفجر” هي بوابة الأمل لهذا الشعب، بينما ما سُرق من أموال منذ عام 2005 وحتى عام 2020 حق مشروع لمسؤولين ناضلوا في سبيل رفاهية هذا الشعب.
لقد جرت عمليات تشويه للحقائق بطريقة ممنهجة من الأكاذيب، حتى تصوّر الناس أننا كنا نعيش في دولة تحتل القائمة الأولى في سلم
لعل السؤال هو: كم مسؤول متهم بتبديد المال العام وسرقته؟ ثم ــ وهذا هو الأهم ــ من الذي أوصل نائبة مثل هند العباسي إلى قبة البرلمان وحماها وسهل لها أن تستولي على 57 مليون دولار أمريكي نقداً، إلى جانب 27 كيلوجراماً من الذهب الخالص، يضاف بها عشرات العقارات في مناطق راقية في العاصمة بغداد، والغريب أن السيدة النائبة من الوجوه الجديدة في عالم السياسة ولم يمضِ سوى أشهر على جلوسها على كرسي البرلمان.
ولأن احكاية ” صولة الفجر ” لم تنته، فإن الفصل الأكثر درامية فيها هو ظهور كبار ساسة البلاد يتحدثون عن النزاهة ويطالبون بالقصاص من السراق ، ولم يسألهم احد : من اين لكم كل هذه القصور والاموال ، ومن المسؤول عن نهب مئات المليارات من موازنة الدولة منذ عام 2003 وحتى كتابة هذه السطور . لكن يبدوا ان مسؤولينا وساستنا الكبار غير مهتمين بتساؤلات الناس فقد طمأنتنا بأن الوضع تحت السيطرة.