في أواخر أيار/ مايو، وفي أثناء تنزّهي في موسكو، لاحظتُ سُحُبًا من الزغب الأبيض تملأ الهواء؛ قيل لي إن هذا زغب أشجار الحور، وإن الإمبراطورة كاترين الثانية زرعتها في أنحاء روسيا لتعلّقها بالثلج، كي توحي في الربيع وبداية الصيف باستمراره. وعلى الفور قفزت إلى ذهني قصة مشابهة من الأندلس: المعتمد بن عباد الذي أمر بزراعة أشجار اللوز في جبال قرطبة لتبدو بيضاء مثلجة حين تُزهر، إرضاءً لزوجته اعتماد الرميكية التي كانت تعشق الثلج.
لكن قليلًا من البحث يكفي لتبديد الرومانسية في القصتين: فالمعتمد لم يزرع جبالًا من اللوز؛ أما زغب الحور الذي يسبب في المدن الروسية إزعاجًا كبيرًا بسبب الحساسية ومخاطر الحرائق، فتحوّل في المخيلة الشعبية إلى أثر من آثار قصة حب إمبراطورية. والحقيقة أبسط وأكثر بيروقراطية بكثير، فبعد الحرب العالمية الثانية، وبعدما بدأ الاتحاد السوفياتي بإعادة بناء مدنه المدمرة، احتاجت الأحياء السكنية التي بُنيت في خمسينيات القرن الماضي إلى مساحات خضراء سريعة النمو، فوقع الاختيار على الحور البلسمي المذكرة حصرًا، لأنها لا تنتج الزغب، لكن التسرع في التنفيذ أدى إلى زراعة الجنسين معًا.
في كلتا القصتين، يُصوَّر الحاكم، الذي قد يكون مستبدًا، في صورة “الإنسان الرقيق” الذي يعشق الثلج، أو يلين أمام دموع زوجته، أو رغباتها، وهي وسيلة لأنسنة السلطة وجعلها قريبة من قلوب العوام من خلال العاطفة؛ وهذا ليس مصادفة سردية، بل بنية متكررة يمكن دراستها في الفولكلور المقارن بوصفها “موتيفًا” يتكرر بأشكال مختلفة عبر الثقافات.
ثلاث حكايات أخرى.. وبنية واحدة
| أشجار الجاكاراندا في لشبونة/ البرتغال |
تتطابق قصة حدائق بابل المعلقة بنيويًا مع قصتي كاترين والمعتمد بن عباد، لكنها تضيف إليها بعدًا هندسيًا أكثر طموحًا. فبحسب الرواية الأشهر، تزوّج الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني من الأميرة الميدية أميتس. وهي الرواية التي دوّنها مؤرخون إغريق متأخرون مثل ديودوروس الصقلي نقلًا عن مصادر أقدم مفقودة. وعندما حنّت أميتس إلى جبال موطنها الخضراء، أمر الملك ببناء حدائق مدرّجة تحاكي بيئتها الأصلية. لكن هذه القصة تختلف عن حكايات الحور واللوز في أن وجود الحدائق لم يُحسم تاريخيًا، إذ لم يجد علماء الآثار حتى الآن دليلًا قاطعًا على وجودها في بابل، وتشير بعض النظريات الحديثة، ومنها أبحاث ستيفاني دالي، إلى أنها قد تكون أسطورة نُسبت خطأ إلى بابل، وربما بُنيت فعليًا في نينوى على يد الملك الآشوري سنحاريب.
وفي لشبونة، حيث تكتسي الشوارع في أوائل الصيف باللون البنفسجي بسبب تفتّح أزهار أشجار “الجاكاراندا”، تقول رواية شعبية إن ملكًا برتغاليًا زرع هذه الأشجار إرضاء لأميرة من شمال أوروبا كانت تشتاق إلى الشفق. لكن هذه الرواية لا تحمل إسنادًا تاريخيًا موثقًا، بينما التاريخ الموثّق أبسط بكثير: الأشجار جُلبت من البرازيل في القرن التاسع عشر لتزيين المدينة.
وفي جبال جيافانغ بتايوان، حيث يجري شلال موسمي في صدع صخري يشبه قلبًا مشطورًا، تروي حكاية محلية أن إمبراطورًا من سلالة تشينغ فقد محبوبته في تلك الجبال، فضرب الصخر بسيفه فانشق على هيئة قلب، وماء الشلال هو دموعه التي لا تتوقف. أما التفسير الجيولوجي فهو زلزال قديم وتعرية طبيعية عبر آلاف السنين، لكن الوجدان الشعبي فضّل سيف الملك العاشق على الصفائح التكتونية.
لا تنتمي هذه الحكايات إلى النوع نفسه، ولا إلى الطبقة التاريخية ذاتها: فحكايات الحور واللوز والحدائق المعلقة تستند إلى جذور تاريخية، أو أدبية، قديمة نسبيًا، بينما تبدو روايتا جاكاراندا لشبونة، وجيافانغ تايوان، أقرب إلى النسيج السياحي الحديث. غير أن هذا التفاوت لا يُضعف الفكرة المركزية؛ بل يؤكدها: فالحاجة إلى إضفاء معنى عاطفي على ظاهرة طبيعية، أو تاريخية، لا تتطلب قرونًا من الزمن كي تعمل؛ فقد كان الوسيط قديمًا راويًا شعبيًا، أما اليوم فقد يكون كتيبًا سياحيًا.
لماذا لا تكفي الحقيقة وحدها؟
لا يكتفي عقل البشر الجمعي بالتفسيرات الجافة. فالزلزال، والخطأ في زراعة أشجار الحور، والاستيراد التجاري للأشجار، والمصادفة الموسمية في تفتح اللوز، كلها تفسيرات صحيحة، لكنها لا تحمل الإشباع العاطفي الذي تحمله حكاية عن انهمار دموع ملك عاشق، أو نزوة ملكة مدللة. الإنسان لا يبحث دائمًا عن تفسير الظاهرة فحسب، بل عن قصة تمنحها معنى.
فتحويل الحاكم المستبد إلى عاشق رقيق قد يكون وسيلة لترويض صورة السلطة المطلقة على مستويين؛ أولًا، يمنح الحاكم الجبار نقطة ضعف عاطفية، تجعله أقل رعبًا في المخيلة؛ فالأسطورة تقول للرعية إن هذا الطاغية، في النهاية، بشر مثلهم يضعف أمام الحب. وثانيًا، تعيد القصة تأويل كلفة السلطة؛ فبدل أن يُنظر إلى تسخير آلاف العمال، أو استنزاف الموارد، بوصفه قهرًا، أو استعراضًا للقوة، يُعاد تقديمه كتضحية رومانسية من أجل حديقة أميرة حزينة. الحب لا يفسر الفعل فحسب، بل يسوغه عاطفيًا، فيسهل قبوله في الذاكرة الشعبية.
من ميكيافيلي إلى ابن خلدون:
كيف يُصنع الوهم وكيف يُفسَّر
| ميكيافيلي وابن خلدون |
يُقدّم ميكافيلي، في كتابه “الأمير”، مدخلًا مختلفًا لفهم العلاقة بين السلطة والعاطفة. فالمشاعر والعاطفة عنده لا تكفي بوصفها قيمًا أخلاقية، بل يمكن أن تتحوّل إلى أدوات سياسية. والحاكم لا يحتاج دائمًا إلى امتلاك الرحمة، أو الوفاء، بقدر ما يحتاج إلى أن يبدو وكأنه يمتلكها. لذلك يفضّل ميكافيلي أن يكون الأمير محبوبًا ومهابًا، لكنه يرى أن الخوف أضمن حين يستحيل الجمع بينهما.
لكنه يحذّر من تحوّل الخوف إلى كراهية، وهنا تصبح الصورة التي يصنعها الحاكم عن نفسه جزءًا من أدوات السلطة. فالأمير عند ميكافيلي أشبه بثعلب يتقن الخداع، ولا يحتاج إلى فضائل فعلية، بل مظهرها فحسب أمام جماهير يسهل خداعها. وأن يُسند تنفيذ القرارات القاسية ــ فرض الضرائب وإعدام الخصوم ــ إلى وزرائه ليتلقوا غضب الرعية وكراهيتها، بينما يحتفظ لنفسه بمشاهد العطاء والرحمة الاستعراضية. بهذا المعنى، فإن “الحاكم العاشق” الذي تتداوله الحكايات الشعبية هو النموذج الذي يسعى الحاكم الميكافيلي الذكي لتمثيله وإشاعته بين رعيته؛ فالأسطورة الشعبية عن طيبة قلبه هي الغطاء الأيديولوجي المثالي الذي يحميه من الكراهية.
أما ابن خلدون فيقدّم مدخلًا مختلفًا؛ فهو لا يشرح كيف يصنع الحاكم صورته فحسب، بل يربط استمرار المُلك بطبيعة العلاقة التي تجمع السلطة بالمجتمع. فالظلم والقهر المفرطان، في منطقه، لا يستنزفان الناس وحدهم، بل يضعفان العمران نفسه. ومن هذه الزاوية يمكن توسيع الفكرة إلى حكاية “الحاكم العاشق”: فالرابطة بين الحاكم والرعية لا تقوم على القوة المجردة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى معنى يجعل السلطة قابلة للتحمل والتعليل. وإذا كان ميكافيلي يساعدنا على فهم كيفية صناعة الصورة، فإن ابن خلدون يساعدنا على فهم الحاجة الاجتماعية إلى استمرار رابطة السلطة.
بين اللاوعي الجمعي والفولكلور المقارن:
لماذا تتكرر الحكاية؟
يمكن العثور على تفسير نفسي لهذا التكرار في نظرية كارل يونغ عن “اللاوعي الجمعي”، و”الأنماط البدئية”، حيث يفترض أن البشر، بصرف النظر عن الجغرافيا والثقافة، يشتركون في قوالب رمزية عميقة، منها صورة الحاكم بوصفه مصدرًا للنظام والقوة، لكنه أيضًا موضوع للخوف من السلطة الغاشمة، وقد يساعد اجتماع صورة الحاكم بالحب، أو الضعف العاطفي، على إنتاج شخصية أكثر قابلية للاستيعاب في الخيال.
ويقدّم حقل الفولكلور المقارن تفسيرًا يفيد أن التشابه بين الحكايات قد ينتج عن انتقالها من ثقافة إلى أخرى، وهي فرضية “المنشأ الواحد”، أو نشوء قصص متشابهة بصورة مستقلة في مجتمعات مختلفة، لأنها تواجه أسئلة وخبرات إنسانية متشابهة، وهي فرضية “النشأة المتعددة”.
وربما لا يتعارض التفسيران بقدر ما يكمل أحدهما الآخر: فالتفسير النفسي يحاول فهم سبب قابلية السردية للانتشار والإقناع، بينما يدرس الفولكلور المقارن الطرائق الفعلية التي تنتقل بها الحكايات، أو تنشأ من خلالها بصورة مستقلة. وفي الحالتين، يظهر “الحاكم العاشق” بوصفه قالبًا قادرًا على عبور الجغرافيا، سواء انتقل بين الثقافات، أو وُلد فيها من جديد.
حين يبتلع الحب الطاغية:
من الأدب إلى الشاشة
| “خريف البطريرك” للروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز |
استثمر الأدب الحديث الموتيف نفسه، لكن في اتجاه معاكس تمامًا للحكاية الشعبية. ففي رواية “خريف البطريرك” لغابرييل غارسيا ماركيز، يقع طاغية عجوز في حب فتاة فقيرة، فتدفعه رغبته إلى إعادة تشكيل الفضاء المحيط بها وفق هواه. الحب هنا لا يخفف سلطته، بل يجعلها تشمل المجال الأكثر خصوصية.
أما سينمائيًا، فيقدّم “آخر ملوك اسكتلندا” صورة الديكتاتور الأوغندي عيدي أمين وهو يتنقل بين هشاشة عاطفية تكشف غيرته وضعفه، وقناع الحاكم المهاب أمام الجماهير؛ وهنا الحب لا يصبح دليلًا على إنسانية الحاكم بقدر ما يكشف التناقض بين الفرد الهش وصاحب السلطة المطلقة.
الفارق الجوهري هنا أن الحكاية الشعبية تستخدم صورة “الطاغية العاشق” لتلطيف صورته وترويضها في الوجدان، بينما يستعيد الأدب والسينما الصورة نفسها لإدانته وكشف تناقضه. فعندما تجتمع العاطفة بالسلطة المطلقة، لا تُلطّف الاستبداد، بل تتحول إلى وجه آخر منه، هوسًا وتملكًا ورغبة في السيطرة. وهكذا يصبح الموتيف نفسه أداة مزدوجة: قد يستخدمه الخيال الشعبي ليغفر، ويستخدمه الفنان الواعي ليدين.
حكاية حب أقوى من دبابة
إنّ التشابه بين هذه الحكايات، من الأندلس إلى روسيا، ومن بابل إلى لشبونة وتايوان، لا يثبت بالضرورة أن الشعوب تناقلت القصص عن بعضها، لكنه يكشف ميلًا متكررًا إلى ملء الفراغ الذي يتركه التفسير الجاف بقصة عاطفية. فالحاكم يتحول إلى عاشق، لأن هذا التحول يجعل السلطة أكثر قابلية للفهم والتحمل؛ وكأن الخيال الجمعي يغسل دماء الاستبداد بدموع الرومانسية، ليتمكن من العيش تحت ظلاله.
وما يستحق التوقف عنده أخيرًا هو أن هذه الآلية لا تحتاج بالضرورة إلى مؤامرة واعية من الحاكم نفسه؛ فكثير من هذه الحكايات وُلدت من المجتمع، في محاولة لسد فراغ معرفي، أو عاطفي. لكن السلطة أدركت، عبر التاريخ، قيمة الصورة والأسطورة، ولم تترك دائمًا أمر تشكيلهما للصدفة. فالطاغية يعرف أن الصورة التي لا يصنعها بنفسه قد يصنعها له روائي معادٍ ويقلبها من “الطاغية العاشق” إلى “الطاغية المهووس”، ولهذا يسارع إلى صياغة أسطورته أولًا، بوعي كامل بأن أقصر طريق إلى قلب الرعية ليس عبر الدبابة، بل عبر حكاية حب يسهل تصديقها.