الثلاثاء. نوفمبر 30th, 2021

كشفت مصادر في المعارضة السورية أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى مناطق شمال شرق سوريا إيثان غولديريتش، بحث مع ممثلي الإدارة الذاتية والائتلاف الوطني سبل التقريب بين قوى المعارضة السورية، وإمكانية توحيد إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها.وقالت هذه المصادر: إن غولديريتش، وهو نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، الذي جاء مستطلعاً السوريين الذين من المقرر أن يعمل معهم، وفي الوقت نفسه ليضعهم أمام الخطوط العريضة لسياسة بلاده في سوريا خلال المرحلة القادمة “ركز في أكثر على أن الإدارة الأمريكية تأمل بأن تتوصل قوى المعارضة إلى إيجاد إدارة متسقة للشمال”.

وعلمت “أورينت” أن هذا هو السبب الذي جعل الرئيسة المشتركة لمجلس سوريا الديمقراطي “مسد” إلهام أحمد تأجل زيارة كانت مقررة إلى موسكو في العاشر من هذا الشهر، للتباحث مع القيادة الروسية حول مستقبل شمال شرق سوريا في إطار اتفاق مع النظام، قبل أن يطلب منها أمريكياً عدم السفر من أجل مقابلة المبعوث الأمريكي “الذي يحمل أفكار جديدة”.

لكن المبعوث الأمريكي تجنب في مؤتمر صحفي عقده في اسطنبول، عصر الأربعاء، التطرق إلى هذا الموضوع، واكتفى بالتأكيد على أهداف بلاده الرئيسية الثلاثة في سوريا، وهي “منع عودة تنظيم داعش، واستمرار تدفق المساعدات الانسانية، والحفاظ على الهدن وخفض التصعيد”.

لقاءات شاملة

وكان غولديريتش الذي تم تكليفه كمبعوث إلى شمال شرق سوريا في الحادي والعشرين من أيلول / سبتمبر 2021، قد وصل إلى المنطقة في زيارة رسمية يوم السبت، ما اعتبر مؤشراً على عودة الاهتمام الأمريكي بالملف السوري، خاصة مع تهديدات تركيا بشن عملية عسكرية جديدة ضد قوات سوريا الديمقراطية، والمفاوضات بين الإدارة الذاتية والنظام برعاية روسية.

 

زيارة قابل فيها المبعوث الجديد ممثلين عن مختلف قوى المعارضة، سواء التابعة للإئتلاف أو الممثلة للإدارة الذاتية.

والتقى غولديريتش وفداً من الإئتلاف بقيادة رئيسه سالم المسلط، كما اجتمع مع رئيس هيئة التفاوض ورئيس اللجنة الدستورية، للتأكيد على استمرار دعم المعارضة والسعي للوصول إلى حل سياسي وفق القرار 2254

وكان الوفد الأمريكي قد وصل إلى القامشلي يوم السبت الماضي، حيث التقى مع قادة الإدارة الذاتية المدنيين والعسكريين، وعلى رأسهم مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والرئيسة المشتركة لمجلس سوريا الديمقراطي “مسد” إلهام أحمد.

الطرفان بحثا خلال الاجتماع “الصعوبات الأمنية والاقتصادية التي تعاني منها مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، وسبل زيادة تقديم الدعم الإنساني لها، بما يضمن الحفاظ على الأمن والاستقرار فيها”.

الوضع في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام كان محل بحث اللقاء بين الوفد الأمريكي ورئيس الحكومة السورية المؤقتة عبد الرحمن مصطفى، يوم الثلاثاء، حيث جرى مناقشة “الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في المناطق المحررة”. حسب الموقع الرسمي للحكومة.

توحيد هذه المناطق

التركيز الخاص على إدارة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام كان لافتاً في مجمل لقاءات المبعوث الأمريكي، وخاصة في لقائيه مع القادة المدنيين في الإدارة الذاتية ومع الحكومة السورية المؤقتة، الأمر الذي يؤكد ما كانت قد نشرته “أورينت” حول تبلور اتجاه أمريكي في سوريا، يمكن تلخيصه بأن تبقى حالات الوضع العسكري والسياسي على حالها، وأن تتشكل إدارة مؤقتة جديدة في شرق الفرات، وإدارة أخرى في (شمال حلب ومحافظة إدلب) مع الحفاظ على التهدئة، ريثما يتمّ تفعيل تنفيذ القرار 2254.

هذا التوجه يعتبر خلاصة غير نهائية خرج بها الوفد الأمريكي من محادثاته مع مختلف الأطراف السورية طيلة أسبوع، بعد أن قدم من واشنطن وهو يحمل رؤية أكثر تفاؤلاً لكنها أبعد عن الواقع من التوجه الجديد.

الرؤية التي جاء بها غولديريتش ووفده  كانت بالأصل، حسب المصادر التي طلبت عدم الكشف عن هويتها، تعتقد بإمكانية دمج كافة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في إدارة موحدة، كحل بديل عن فكرة استنساخ تجربة التسوية التي جرت في درعا، بعد أن وجدت واشنطن رفضاً قوياً لهذه الفكرة من قبل الطرفين الكردي والعربي في شرق الفرات، لكن الوفد الأمركي وجد أن الواقع ما يزال بعيداً عن أن يكون ملائماً لمثل هذا الطرح.

كيف يمكن تطبيق هذه الرؤية ؟

سؤال يعتقد الجميع بأنه يمثل عقدة أساسية في ظل الانقسام الكبير بين القوى، لكن واشنطن جاءت بمحفزات قوية، كما تقول المصادر، وعلى رأسها السماح بتدفق أموال المساعدات وإعادة الإعمار بشكل جزئي، لكن مغر، إلى الإدارات التي سيتم التوافق عليها.

وإلى جانب هذا المحفز “الذي سيتم إيجاد مخرج قانوني له ضمن ما بات يعرف باستراتيجية التعافي المبكر”، تقول المصادر “إن الولايات المتحدة تطرح أيضاً حافزاً آخر يتعلق بتقديم ضمانات بمنع قوات النظام وحلفائها من قصف أو مهاجمة مناطق سيطرة الفصائل في الشمال وفي إدلب، وأخرى مماثلة لمناطق الإدارة الذاتية تضمن عدم شن تركيا أي هجمات أيضاً في هذه المناطق” مقابل المضي قدماً في متطلبات المقترح.

وترى واشنطن أن هذين الحافزين يجب أن يشجعا القوى المسيطرة على الأرض في شمال وشمال غرب وشمال شرق سوريا، من أجل تجاوز خلافاتها، إلا أنه ومع ذلك لا يبدو أن الأمر بهذه السهولة.

ولا يتعلق الأمر بالعلاقات السيئة التي تجمع القوى الثلاث المسيطرة على هذه المناطق (الإدارة الذاتية، الحكومة المؤقتة، هيئة تحرير الشام) بل وتبرز المشاكل التي تعاني منها كل منطقة، سواء على صعيد التمثيل المتناسب الذي يشمل كل القوى والمكونات فيما يخص مناطق الإدارة الذاتية، أو التنافس وتعدد القوى المتحكمة عسكرياً وأمنياً في مناطق سيطرة الجيش الوطني.

لذلك ركزت لقاءات غولديريتش على الاستماع لما يمكن أو ما يجب القيام به من جانب هذه السلطات “من أجل تجاوز مشاكل إدارة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، خاصة أمنياً واقتصادياً”. وحسب المصادر فقد خرج المبعوث الأمريكي باستنتاجات وأفكار معقولة، أهمها أن تطبيع العلاقات بين هذه الإدارات، أو الشروع بذلك يمكن أن يؤدي بالدرجة الأولى إلى التعاون من أجل ضبط الأمن، خاصة وأن كل طرف منها يتهم الآخر بالمسؤولية عن الخروقات والعمليات التي تحدث في مناطقه.

مع الاستعصاء الذي واجهه مقترح استنساخ تجربة التسوية التي طبقت في درعا على مناطق الإدارة الذاتية، بسبب رفض “قسد” معاملتها مثل الفيلق الخامس، ومع تطور الموقف الأمريكي من استمرار الوجود العسكري في سوريا، يبدو أن واشنطن وجدت في حل دعم الاستقرار في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتأمين مظلة حماية لها مشروعاً أكثر فاعلية، خاصة إذا ما التزم حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يهيمن على الإدارة الذاتية بتبديد مخاوف الأتراك، بينما يسود اعتقاد أمريكي أن هذا حل المؤقت لن يقابل برفض من روسيا والنظام الذي لن يشعر بأن تطبيق هذا المشروع يهدد وجوده، إلى حين توفر الظروف الملائمة لاستئناف مفاوضات الحل السياسي بشكل جدي.