يستخدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب مواهبه الدعائية الشهيرة لانتشال الحزب الجمهوري من نكسة تتوقعها الاستطلاعات في الانتخابات النصفية. بدا غير قلق قبل أسابيع. كاد يلمّح أنها لا تهمه كثيراً، بل تهم حزبه. ومع ذلك تسهل ملاحظة كمّ المواقف والتصريحات التي يدلي بها، والجهد الذي يبذله من أجل دفع كتلته الشخصية الناخبة لمدّ ولائها صوب مرشحي الحزب الحاكم. ومن أجل تلك “النصفية” يجوز تسخير ملفات واشنطن الخارجية الساخنة في خدمة ذائقة الناخب في ولايات متأرجحة.
تقوم السياسة الأميركية الخارجية حالياً على ما يمكن أن يقنع الناخبين بالإنجازات “الرائعة” التي حققها الرئيس وأغلبيته البسيطة داخل الكونغرس، وعلى ما يهوّل عليهم من بئس المصاب في حال خسر البيت الأبيض بضعة مقاعد في كونغرس البلاد. وما تحقق، وفق خطاب ترامب، هو تراكم من انتصارات عسكرية ضد إيران التي تقف وراء كل إرهاب، حسب وصفه، ومن انتصارات على مستوى الاقتصاد، ومن انتصارات ضد “الأعداء والمنافسين” بما يضمن للأميركي حياة رغيدة، مستقرة، آمنة لا يمكن غير ترامب والجمهوريين تحقيقها.
تطرح الانتخابات كلّ مقاعد مجلس النواب الـ435، و35 مقعدًا من أصل 100 في مجلس الشيوخ، إلى جانب انتخابات حكام في 36 ولاية وآلاف السباقات المحلية. ومن أجل “الصناديق” اللعينة التي ستُفتح في 3 تشرين الثاني المقبل يفتي الرئيس الأميركي بأنّ الحرب ضد إيران ستنتهي بعد الانتخابات (لا قبلها!).
فيما تتخبّط الإدارة الأميركية في اجتراح السبل العسكرية والاقتصادية العقابية لإيجاد مخارج لتلك الحرب، فإنّ ترامب وفريقه يتجرؤون على الزعم بحملهم ترياقاً عجيباً لإنهاء الحرب في أوكرانيا. أجرى مدير المخابرات المركزية CIA جون راتكليف زيارة غامضة إلى موسكو أُلحقت بزيارة للمبعوثين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. خرجت من المداخن أنباء عن مفاوضات روسية- أوكرانية- أميركية ستلتئم في تشرين الأول، أي قبل أسابيع من فتح تلك “الصناديق”.
هدية من بوتين
من أجل تلك الانتخابات أهدت روسيا بإيحاء من رئيسها فلاديمير بوتين صديقه ونظيره الأميركي تأكيداً لتلك المفاوضات الثلاثية العتيدة. في موسم انتخابات الكونغرس اشترطت موسكو ألا يطلب منها وقف الحرب أثناء التفاوض. ومن أجل تلك الانتخابات بالذات طلب ترامب، علناً، بلهجة تعليمات، من الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي وقف استهداف صناعة النفط في روسيا. نسي ترامب أن يطلب من صديقه بوتين شيئاً بالمقابل. وأما وأنّ طلباته لزيلنسكي نفطية العبق، فذلك لأنّ ظروف انتخابات تشرين الثاني لا تحتمل عبثاً بالسوق النفطي العالمي يعكّر مزاج الناخب في الولايات المتحدة.
أنهى ترامب برمشة عين حرب إيران التي ردد خلال الأشهر الممتدة منذ بدايتها في شباط الماضي، أنّها انتهت فعلاً ولا ينقص ذلك إلا التوقيع وبعض التفاصيل الشكلية. لم يرَ كارثة تطل على الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
أقرّ ترامب، على نحو عرضي موارب، بأنّ إيران قد تكون وراء استهداف أنبوب النفط السعودي شرق-غرب. كاد ألا يكون متأكداً طالما أنه كان أبلغ الناخبين المخلصين أنّ الحرب مع إيران انتهت أو على وشك. ولأنّ ناخب ترامب وتيار الـ “MAGA” (لتكن أميركا عظيمة مجدداً) يدفعان باتجاه الخروج من الحروب وعدم الانخراط في حرب جديدة، فإنّ الرئيس الأميركي لم يقرأ من الحدث اليمني إلا وعداً يزعم أنه صدّقه، صدر عن الحوثيين.
حدثان في العراق واليمن
بفارق ساعات سُجل حدثان مصدرهما العراق واليمن:
1-دفعت إيران بأذرعها في العراق لاستهداف الصناعة النفطية في السعودية المفترض أنها، كما الصناعة النفطية الروسية، عزيزة على قلب الرئيس في واشنطن. كانت المملكة أدارت ظهرها لمضيق هرمز الذي تتلاعب حسابات إيران بسلامته، فدفعت بصادراتها عبر أنبوب يجر النفط صوب البحر الأحمر. قصفت الأذرع العراقية الأنبوب، وأكدت الحكومة في بغداد ارتكاب فصائل عراقية لهذا الإثم.
2-دفعت إيران بأذرعها في اليمن لشنّ موجات قتالية سيطرت إثرها على مدينة المخا وامتدادات على الساحل الغربي وجزره المطلة مباشرة على ملاحة ذلك البحر وممره المائي الشهير: باب المندب. ما يعني تهديداً مباشراً لنفط المملكة عبر ذلك البحر.
من أجل عيون الصناديق استند ترامب بحبور إلى أنباء سوّقها عن اتصال أجراه الحوثيون الذين لطالما هددوا البحر والممر والملاحة به من دون تحفّظ وتردد وخجل. كاد يعتبر أنّ تطورات اليمن ومآسيها وما تعنيه في سياق حرب إيران “الموشكة على الاندثار”، تفصيل هامشي مقارنة بالمتن الحقيقي. يقوم ذلك المتن على وعد قطعه الحوثيون (المصنّفون جماعة ارهابية على اللوائح الأميركية) بعدم التعرّض للملاحة الدولية (ما عدا دولة واحدة غير راضين عنها، وفق قوله) وجعل المنطقة البحرية آمنة.
ارتكب ترامب سقطة ترقى إلى فضيحة يعترف من خلالها بشرعية الحوثيين في فتح المضيق أمام هذا أو حجبه عن ذاك. وفق تلك “السذاجة” الانتهازية، لزوم الحملة الانتخابية، يُبلغ الرئيس ناخبيه أنه، كما وعدهم دائماً، ليس طرفاً في حرب تعيث الخراب براً ولا تفيض على البحر إلا البرد والسلام.
مسرح عمليات انتخابية
من الآن وحتى انتهاء الاقتراع مساء 3 تشرين الثاني المقبل بالمواقيت الأميركية، يضع ترامب أميركا داخل مسرح عملياته الانتخابية. تعرف إيران أن لا عمليات عسكرية أميركية كبرى ضدها. وعرفت من فم ترامب بالذات أنه مؤمن بوعود ذراعها في اليمن، ولا خطط لديه ولا حاجة لعمليات لتوفير الأمن لمضيق باب المندب طالما أنّ حوثيي اليمن أقسموا أنه آمن.
تعرف موسكو، كما عواصم أوروبا والشرق الأوسط، أنّ الرئيس الأميركي “معذور” هذه الأيام، وأنه وجب عدم التدقيق كثيراً في كلامه (أكثر مما يفعلونه عادة)، وأنّ كلام ليل الحملات الانتخابية ولوازمها يمحوه نهار يكشف خرائط مجلسي النواب والشيوخ غداة إسدال الستار على تلك “النصفية” التي تشغل العالم كل عامين.
