يبدو أنه ليس أمامنا في هذه الظروف المعقدة التي يجري فيها تطويق الدول العربية الفاعلة سواء في الخليج أو المشرق العربي والجزيرة العربية، إلا أن نسعى جادين إلى الخروج من تلك الأوضاع المتردية ومحاولة انتهاك سيادة الدول والعبث بحدودها واستخدام المضايق والممرات المائية بدءاً من هرمز ومروراً بباب المندب ثم وصولاً إلى قناة السويس، إذ يجب أن تكون في مجملها تحت سيطرة أصحابها، لأنه يبدو أن العصر المقبل لن يكون عصر أخطار الذكاء الاصطناعي فقط، ولكنه قد يكون أيضاً عصر الصراع على الممرات المائية، وهو صراع بدت بوادره واضحة أمام الحكومات والشعوب.
لم تواجه منطقة من المناطق الجغرافية في العالم درجة من التداخل العرقي والاختلاط المذهبي مثل ما شهدته منطقتنا في الشرق الأوسط وغرب آسيا، فهي “موزاييك” لجميع الأديان والمعتقدات وممر لكل الثقافات والحضارات، كما أن الديانات السماوية الثلاث، كما نعرف، ظهرت وازدهرت في هذه المنطقة من العالم. وكان من نتيجة كل ذلك أن تشابكت دول الجوار في ما بينها وتداخلت المحطات الإنسانية فيها، ولم نعرف من بين أقاليم العالم إقليماً اكتسب من الأهمية وشد إليه أنظار الجيران وحفاوتهم به مثل ذلك الذي نطلق عليه “أيقونة العالم ودرة العقد”، بخاصة أن الله، سبحانه وتعالى، اختص شعوب المنطقة بحس فني متميز وقدرة كبيرة على التواصل مع الغير.
وتداخلت في الإقليم القوميات، فأصبحت لا تجد دماءً خالصة، إذ اختلط العرب بالفرس والترك والكرد، فضلاً عن بقية القوميات الأخرى التي تركزت لديها إحدى هذه القوميات أو أكثرها. فالتعددية سمة أساسية من سمات الشرق الأوسط، بما في ذلك الجزيرة العربية والشام الكبير والعراق ودول الخليج العربي، وصولاً إلى الحدود المصرية.
وهدفي من هذه المقالة أن أوضح بجلاء أن دول الجوار العربي نأت بنفسها عن السقوط في الخلافات الثنائية المطروحة على الشعوب، وآثرت أن تبحث عن الرباط الإسلامي الذي تجمع وشائجه شعوب المنطقة في إطار الأمة الواحدة. ولعلي أسجل هنا أن الأزمات الأخيرة التي مرت بها المنطقة، خصوصاً بعد العدوان الإسرائيلي الطويل والمرير على شعب غزة، كان من نتائجها تضامن المسلمين إلى جانب العرب في رفض ذلك العدوان الغاشم ومؤازرة الشعب الفلسطيني الذي دفع ويدفع واحدة من أغلى فواتير النضال الوطني من دماء أبنائه في العصر الحديث.
ولا بد من أن أعترف هنا بأن اهتمامنا في بعض المراحل كان عنصرياً بالتركيز على قومية دون غيرها، بل المضي مع وهم التميز العربي عن سواه، وهو أمر يشترك فيه عموم المسلمين في أنحاء العالم، إذ يعتبرون العروبة نتيجة طبيعية لظهور الإسلام، لذلك لم يهتم العرب كثيراً خلال العصور الأخيرة بخصوصية العلاقة مع عدد من دول الجوار. وحاولت جامعة الدول العربية في مرحلة معينة أن تفتح نوافذ تطل منها دول الجوار على الواقع العربي، ولكن الأمر تركز في الغالب على القضية الفلسطينية، وتمحور حول كيفية إدارة الصراع ومقاومة إسرائيل وسياساتها العدوانية.
وكان من إيجابيات العقود الأخيرة أن شهدنا اهتماماً مشتركاً بين الدول العربية والمجموعة الإسلامية لتغيير الواقع في المنطقة، ولعل دور كل من تركيا وباكستان هو تعبير واضح عن ذلك الذي نشير إليه. ولقد حان الوقت الذي يجب أن نراجع فيه مسارات الانتماء بين دول الشرق الأوسط وإمكان تحقيقها على النحو الذي يخدم القضايا العربية العالقة في ظل الظروف الدولية المعقدة التي يشهدها خلال الحقبة الأخيرة العالم الذي تتهدده الأخطار والأزمات من كل اتجاه.
ولعلنا نوجز في النقاط التالية بعض الأخطار التي تلزمنا ضرورة التحرك نحو الأمام في هجرة فكرية نمضي وراءها لصياغة تطور العقل البشري وحماية سكان هذا الكوكب، وأهم تلك النقاط ما يلي:
أولاً، تتميز منطقة الشرق الأوسط وإقليم غرب آسيا بصورة عامة بأنها احتوت قوميات متعددة ضاربة بجذورها في التاريخ البعيد، وتشابكت تلك القوميات في قرون مضت وتركت بصماتها على الحاضر والمستقبل. فالعلاقة بين العرب والفرس أو الموالي عموماً من عجم وقوقاز، بدءاً من أواسط آسيا إلى حدود البحر المتوسط، علاقة عميقة، وهو أمر افترضنا معه دائماً أن الجوار نعمة، ولكنه قد يتحول أحياناً إلى نقمة حين تشتد النزعات العنصرية ويبحث العناصر المتطرفون عن أسباب التباين وعوامل الاختلاف وينقبون وراءهما في التاريخ البعيد والقريب ليزرعوا الخلافات بين الجميع. ونحن نعرف أن للأتراك ميراثاً طويلاً مع العرب، فهم الذين تدخلوا إلى حد كبير في رسم الخريطة السياسية لدويلات المنطقة تحت المظلة العثمانية والخضوع الكامل لدولة الخلافة، حتى في ظل قرنها الأخير عندما أطلق عليها الجميع صفة “رجل أوروبا المريض”.
ثانياً، إن الميراث التاريخي الذي ينتقل من جيل إلى جيل في المنطقة العربية هو ذاته الذي صنع الشبكة المعقدة لنسيج المنطقة والتداخل الكبير بين شعوبها، إذ إن معظم الدول العربية هي وريثة حضارات كبرى ودول عريقة أثرت وتأثرت بكل ما يدور حولها. ولذلك عمدت بعض التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها “داعش”، إلى تجريد الدول ذات الميراث الحضاري من آثارها التاريخية وأصولها الفكرية. ولا نزال نتذكر كيف انتزع أتاتورك الجمهورية التركية من دائرة الخلافة الإسلامية وتوابعها في المنطقة العربية بل في البلقان أيضاً، والامتدادات القائمة للمسار الذي سلكته الدول الحالية.
وسوف نكتشف أن كل تصرف لقوة إقليمية هو انعكاس لعوامل شد وجذب بين أطراف متصارعة، حتى لو وقف الجميع في معسكر واحد أمام الأغيار. وقد تمثل دول الجوار أحياناً قنابل موقوتة أمام الطرف الأصيل في ذلك الصراع، ذلك أن علاقات الجوار ذات طابع أبدي، فلن ترحل دولة من مكانها طواعية، وقد قال القدماء “إحذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة، فإذا انقلب الصديق عدواً كان أعلم بالمضرة”.
ثالثاً، الملاحظ خلال الأعوام الأخيرة أن الغرب يحاول اجتياح المنطقة الغنية بثرواتها، المتميزة بتراثها وحضارتها، لذلك عمدت التيارات الغربية المختلفة إلى طمس هوية دول المنطقة والتآمر على استقرارها واستنزاف مقدراتها وتوريطها في حروب بالوكالة لتحقيق أهداف كبرى وغايات معينة لقوى الشمال على حساب الجنوب. وأصبحت الدول العربية ودول الجوار مسرحاً لكثير من المؤامرات الخبيثة والاستخدامات العبثية بانتهاك حقوقها وحرمانها مما تملك بكل الوسائل الممكنة براً وبحراً وجواً، بل امتدت النيران من شواطئ المتوسط إلى شواطئ البحر الأحمر، وظهرت الفتن في شرق أفريقيا، وجرى العبث بمياه النيل من جانب نظام يعادي العروبة في الشمال وبنى سداً كيدياً على حساب الحصة التاريخية للمياه المقررة عبر الزمن لمصر والسودان، وأصبح ما يسمى “سد النهضة” وكأنه محاولة مكشوفة لخنق مصر بالدرجة الأولى، ومن المؤسف أن ذلك تم بدعم من بعض الأشقاء والأصدقاء!
رابعاً، لا ينكر أحد أن النظام الدولي يمر اليوم بمحنة كبرى، وأن الشرعية الدولية تترنح في كثير من المواقع حولنا بينما حشود الميليشيات ترتع في كل مكان وتستهدف الدول ذات التاريخ والكيانات الحضارية ذات الطابع السياسي والثقافي والروحي. وذلك يستلزم بالضرورة أن نكون على وعي كامل بما يدور حولنا وما يحاك ضدنا، إذ أثبتت الأيام أن العروبة وحدها هي الحصن المنيع الذي يحمي دولها العربية وكياناتها السياسية، والذين يظنون غير ذلك واهمون، فالتضامن العربي والوعي القومي هما الصخرة التي تتحطم عليها كل أساليب التآمر وجميع التحركات الإرهابية التي أصبحت واحدة من سمات العصر ومظاهره الصارخة.
خامساً، يبدو أنه ليس أمامنا في هذه الظروف المعقدة التي يجري فيها تطويق الدول العربية الفاعلة سواء في الخليج أو المشرق العربي والجزيرة العربية، إلا أن نسعى جادين إلى الخروج من تلك الأوضاع المتردية ومحاولة انتهاك سيادة الدول والعبث بحدودها واستخدام المضايق والممرات المائية بدءاً من هرمز ومروراً بباب المندب ثم وصولاً إلى قناة السويس، إذ يجب أن تكون في مجملها تحت سيطرة أصحابها، لأنه يبدو أن العصر المقبل لن يكون عصر أخطار الذكاء الاصطناعي فقط، ولكنه قد يكون أيضاً عصر الصراع على الممرات المائية، وهو صراع بدت بوادره واضحة أمام الحكومات والشعوب.
