-
حسام جزماتي… الجمهورية .نت
-
-
-
بعد أيام ستنطلق، في دمشق، دورة الألعاب البارالمبية الأولى. وتعني هذه الكلمة أولمبياداً لذوي الاحتياجات الخاصة نشأ في الغرب، وما لبثَ أن صار حدثاً عالمياً.
لكن «اللجنة البارالمبية الوطنية» السورية، التي أعلنت عن المناسبة وستُنظِّمها، أغفلت محاولة سابقة لإقامة هذه الفعالية في إدلب، يقول استحضارُها الكثير عن طبيعة السلطة الحالية ومُحيطها.
ففي الأجواء التي كانت فيها «هيئة تحرير الشام» تدأبُ على توجيه رسائل الانفتاح إلى الغرب، باستثمارِ السكان المدنيين الواقعين في مناطق سيطرتها كلما احتاج الأمر، طُرحت فكرة غير مألوفة؛ هي تنظيم دورة بارالمبية محلية مستقلة في 26 آب (أغسطس) من العام 2024، بالتوازي مع المناسبة العالمية التي كانت ستُقام في باريس بعد ذلك بيومين.
وتمهيداً لذلك ارتُجِلت شعلة، تُميِّزُ الأولمبياد في العادة، طافَ المنظمون بها في «المناطق المحررة» شمال البلاد حتى حطّت رحالها في حفل الافتتاح في الملعب البلدي بإدلب حيث تحوّلت إلى مرجل كبير. وأثناء الحفل انحنى أحد المشاركين لتحية الجمهور، لكن سوء حظ الفعالية، وطبيعة الإضاءة، أدّيا إلى أن يظهر وكأنه يركع للنار التي بدأت تتجاوز أسوارَ الملعب.
إثرَ انتشارِ المشهد، نتيجة التغطية الإعلامية الكبيرة المقررة لتسويق المناسبة، بدأ الاستنكار يتصاعد حتى كرّسه الشيخ مصلح العلياني، الشرعي السعودي المهاجر إلى المنطقة قبل سنوات طويلة، فبثَّ مقطعاً مصوراً، جرى تداوله على نطاق واسع، بعنوان «رسالة من القلب». قال فيه إن هذه النار «من الرموز المشهورة في الميثولوجيا الإغريقية… يعني أساطير الآلهة… يعني كفر»، متسائلاً عَمَّن يريد نشر هذه «الأفكار الشركية الغريبة علينا» لتخرّب المجتمع المحافظ «في المناطق المحررة بدماء المسلمين». مُطالِباً المسؤولين ألا يتركوا المنظمات «على راحتها».
وعلَت بعده الأصوات لينضم إليها الشيخ عبد الرزاق المهدي الدمشقي الذي أضاف إلى الأمور المُستهجَنة التي حصلت: «اختلاط لدرجة الالتصاق بين الرجال والنساء»، و«موسيقا صاخبة»، و«إعلامي فاسق يلتقط صورة سيلفي مع فتيات… كاشفات الوجوه». مؤكداً على أن المسؤولية الكبرى عن ذلك تقع على «الأمير»؛ فإما أن يكون «علمَ بذلك وأذِنَ.. فهو يتحمل الوزر الأكبر»، أو «لا علم له بذلك ولا دراية… فهو ضعيف لا يصلح للإمارة لأن حاشيته يتصرفون دون الرجوع إليه». مطالباً قيادة «الهيئة» بإعادة تفعيل «الحسبة».
وامتدَّ الاستنكارُ إلى الشيخ السعودي الشهير عبد الله المحيسني الذي خرجَ من عزلته فبثَّ صوتية تناولَ فيها ما حدث في «إدلب العز»، التي «ارتقى فيها خيرة إخواننا من المهاجرين والأنصار»، من «منكرات عظام» ترقى إلى أن تكون «جريمة». فيما قال أبو مالك التلي، القيادي المنشق عن «الهيئة»، إن بعض ما حصل يصل إلى درجة «أفعال كفرية»، مُثنياً على ردة الفعل «الطيبة» لبعض طلبة العلم.
بدوره لم يفوّت زينو محاميد، «الإعلامي» الأكثر شعبية في المنطقة، الفرصة ليُضيف أنَّ المنظّمين جمعوا مبلغ مليون ونصف مليون دولار لأولمبياد كلّفَ افتتاحه «هديك الحسبة»، بدل أن يوزّعوا على المحتاجين ما أنفقوه ثمناً للمفرقعات في حفل تخللته «أعمال شركية» وأُوقِدت فيه شعلة «الحَسوَسة بين النساء والرجال»، ولا يدافع عنه إلا «كل ديوث أبو قرون».
من جهتها سارعت «الهيئة»، عبر مدير العلاقات العامة في وزارة التنمية في حكومة الإنقاذ، إلى إيقاف أنشطة الدورة والتبرّؤ من احتفاليتها. مُحمِّلة المسؤولية لمنظمة «بنفسج» التي «طلبت تصريحاً لفعالية رياضية مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة»، لكنها قامت بتنفيذ مهرجان «خارج تَخصُّصها ويتطلب إجراءات خاصة وإحالة إلى الجهة المختصة بإدارة الشؤون السياسية»، مما تسبّب في وقوع العديد من التجاوزات التي «تخالف عاداتنا وتقاليدنا». فتم استدعاء المنظمة وإنذارها بسبب ما حصل، كما قال بيان الوزارة الذي زجَّ في الموضوع، لأول مرة، «إدارة الشؤون السياسية» التي كانت برئاسة زيد العطار، المعروف بلقب أبي عائشة.
وقعت المنظمة في حرج شديد. ورغم أن رئيس مجلس إدارتها أوضح أنها لم تقصد محاكاة تقاليد أو رموز ثقافية «غير مألوفة لمجتمعنا وبيئتنا»، إلا أنها لم تستطع الإفصاح عن التفاصيل إلا عبر مسؤول فيها رفض ذكر اسمه، وقال إن الحفل جرى بالتنسيق المباشر مع إدارة الشؤون السياسية ووزارة التنمية، وتم إلغاء بعض الفقرات وأضيفت فقرة الألعاب النارية بناء على طلبهم، وهم «زودونا بالألعاب ونحن سَدَّدنا ثمنها وكانت بقيمة ثمانية آلاف دولار». وأن التنسيق كان في كل التفاصيل، لكنهم رفضوا وضع شعار المنظمة في الحفل لينسبوا نجاحه إلى حكومة الإنقاذ، وبعد الانتقادات الشعبية للحفل حَمَّلونا المسؤولية.
كما فَعَّلَت «الهيئة» أكبر شرعيّيها، عبد الرحيم عطون، الذي كتبَ على قناته في تلغرام ما يشبه مقالة، حظيت بمشاركة واسعة في الإعلام الرديف وبين الأنصار، قال فيها إن «حدوث الأخطاء والتجاوزات والمنكرات» أمر وارد، لكنه يثق بقدرة «المؤسسات القائمة» على معالجة ذلك، مشدداً على ضرورة إعطاء أي خطأ حجمَه الذي يستحقه. فعلى سبيل المثال: هل قضية الشعلة الأولمبية هي من قبيل البروتوكولات الرياضية المعروفة في عالم الرياضة اليوم، كما يراه كثيرون، أم هي إحياء لعبادات وثنية شركية، وهو الأمر الذي لا يعرفه منظمو الفعالية أصلاً!
أما العرّاب الإعلامي أحمد موفق زيدان فحذّرَ من أن الشمال المحرّر «حديثُ عهد بالتشدد»، بل إن إرثاً داعشياً يتربص به، فما بال «أشخاص يغذّون هذا التوجه من حيث يعلمون أو يجهلون»! داعياً إلى النظر إلى إيجابيات الأمر الذي هدَف إلى التخفيف عن «أصحاب الإعاقات في سبيل الله»، لا إلى الجزء الفارغ من الكأس.
انتفضَ الإعلامي الذي أشار إليه الشيخ المهدي، جميل الحسن، ليردّ عن نفسه اتهامه بالفسق. وتضامنَ معه زملاءُ من مشاهير الإعلاميين المقربين من «الهيئة»، كهادي العبد الله ومحمد الفيصل ومحمد بلعاس. وبدا أن الأربعة يتحركون وفق إيقاع مُنظَّم مُوحَّد. فيما تُرِكت للحسابات المجهولة والذباب الإلكتروني مهمة تحطيم هيبة الشيخ المهدي الذي حظي بتضامن واسع مضاد عبر هاشتاغ. إلا أنه اضطر، في نهاية الأمر، إلى توجيه رسالة علنية إلى تلميذه زيد العطار، قائلاً: «لا ريب أنك استفدت مني علماً فيما مضى ولي حق عليك… معلوم أنك المسؤول الأول عن إعلاميي الهيئة… لا أريد منك مالاً ولا جاهاً… فقط كفّوا تلامذتكم وخاصة إعلامكم الرديف عني».
ثم كان أن وقعت معركة «ردع العدوان» الحاسمة بعد ثلاثة أشهر، فانتقل المشهد من «نموذج إدلب» إلى العاصمة.
المصائر حسب تسلسل الظهور:
مصلح العلياني: ما زال يُدرِّسُ في جامع زيد بن حارثة بإدلب، ويتنقل أحياناً للدعوة في حماة وغيرها.
عبد الرزاق المهدي: أصبح خطيباً ومدرّسَ جامع تنكز بدمشق، والمشرف على «مدرسة الحديث الشامية».
عبد الله المحيسني: عاد إلى النشاط، وصار مدافعاً ثابتاً عن الحكومة.
أبو مالك التلي: تحسنت علاقته مع الحكومة، إلا أنه لم يستلم منصباً رسمياً.
زينو محاميد: على حاله.
زيد العطار: أصبح وزيراً للخارجية والمغتربين باسم أسعد الشيباني.
عبد الرحيم عطون: عُيّنَ رئيساً للمكتب الاستشاري للشؤون الدينية للرئاسة.
أحمد موفق زيدان: عُيّنَ مستشاراً للرئاسة للشؤون الإعلامية.
جميل الحسن: إعلامي شهير موالٍ للحكومة.
هادي العبد الله: إعلامي شهير موالٍ للحكومة.
محمد الفيصل: أُشِيعَ عن تكليفه متحدثاً رسمياً باسم الحكومة.
محمد بلعاس: عُيّنَ عضواً في مجلس الشعب.
-