عندما تمت الدعوة منذ ما يزيد عن عام ونيف إلى مؤتمر سوري عام للحوار الوطني، ثم جرى الترتيب له، والمشاركة فيه ضمن آليات محددة ومدروسة من الحكومة الجديدة نحوه، قيل في حينها إن هذا المؤتمر وما جاء به أو انتهى إليه لا يكفي أبداً، وتحتاج سورية الناهضة المتطلعة نحو أهداف كبرى من الحرية والبناء، والمنتقلة إلى عتبات وطن جديد، خال من العسف والقمع وكمّ الأفواه. ومن ثم، أي مؤتمر قد يأخذ طابعاً كرنفاليّاً احتفاليّاً بعيداً عن أساسيات العمل الوطني الحواري، المتعطشة إليه كثيراً كل أنساق المجتمع السوري بلا استثناء أو مواربة، لن يكون كافياً أو وافياً، حيث يحتاج المجتمع السوري إلى مزيد من المؤتمرات واللقاءات المتتابعة المتواصلة المفتوحة نحو المستقبل، والتي لا بد لها من أن تمتلك قاعاً تتكئ إليه، لكنها ستكون بالضرورة مفتوحة السقف والآفاق، من دون محدّدات أو تأثيرات قمعية، أو وجود منغّصات لاحرياتية. وعلى هذا الأساس، جرت لقاءات كثيرة ومناقشات جمّة بين كثيرين من نشطاء المجتمع السوري، في محاولاتٍ منهم إلى عمل ما يؤدّي الى ملء الفراغ، وإعادة إنتاج جديد للحوار السوري الوطني الذي تحتاجه بحق مستقبلات السوريين، ضمن أساسات وآليات جديدة تحاول (ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً) إعادة إنتاج واقع مجتمعي سوري ووطني سياسي جديد، يشرك الجميع بلا استثناء في إمكانية رفع البنيان مرّة أخرى، جديدة ومستجدة، وقائمة على أسس مختلفة تعبّر عن انبثاقات وضرورات المرحلة، ورسم ملامح مستقبل سوري (غير رسمي) يساهم جدّياً في مداميك الشراكة الوطنية، ووضع كل المسارات بلا “تابوات” على الطاولة، بحثاً وتمحيصاً وابتداعاً وطنيّاً سورياً للحلول، التي قد لا تكون متوفرة في متناول أهل السلطات والحكومة وحيزهما.
من هنا كانت وجاءت فكرة “حديث السوريين” ولقاءات المحافظات السورية. حيث تجري هذه الأيام تتابعاً لقاءات شهرية لحديث السوريين، على أن تكون كل مرّة في محافظة جديدة يشترك فيها كل الذين يشاركون بالضرورة وحسب إمكانات الوصول إلى تلك المحافظة، حيث تشكل في كل المحافظات السورية تقريباً ما يمكن تسميته لقاء السوريين في تلك المحافظة، ومن ثم تجري الحوارات حسب تنسيقات متتابعة لاختيار موضوع بعينه، يقترحه النشطاء السوريون المشاركون، حسب الضرورة والأهمية، وضمن آلية ديمقراطية جديدة للتصويت على المقترح الأكثر ضرورة، والأشد إلحاحاً، في هذه المرحلة بعينها من حياة السوريين.
وهذا ما جرى بالفعل خلال الفترة والشهور الماضية، ليكون لقاء السوريين وحديثهم في دمشق حدث في الشهر المنصرم (أغسطس/ آب)، وكان موعده متوافقاً مع ذكرى مجزرة الكيماوي التي ارتكبها نظام الفاشيست الأسدي في 21 أغسطس 2013 بحق الشعب السوري في ريف دمشق، في كل من بلدة زملكا والمعضمية. وكان في دمشق حديثاً سورياً بامتياز، ضمن آلية متميزة وجديدة للتنسيق، وتحديد الفعاليات فيه، خلال يوم كامل أطل فيه السوريون على بلدة زملكا، واستمعوا فيه إلى شهادات وشهود ميدانيين عاشوا وشهدوا تلك المجزرة وعرفوا وأدركوا ولمسوا ما جرى في حينها من فظائع يندى لها جبين الإنسانية. وزار المشاركون المقابر الجماعية التي نتجت عن تلك المجزرة، ثم اطلعوا على الدمار الكبير الذي أحدثته آلة القمع والعنف الأسدي في الحي المجاور لبلدة زملكا، وهو حي جوبر الذي لم يُبقِ فيه نظام بشار الأسد بناء واحداً قابلاً للسكن أو الحياة. … ضمن حديث السوريين في محافظة دمشق هذه المرة بحث الجميع في آليات جديدة وممكنة، حتى يأخذ مسار العدالة الانتقالية مجراه، ويتم فيه وعبره محاسبة المجرم الذي ما زال طليقاً وفق آلية قانونية وضعية صرفة بعيداً عن كل حالات الثأر أو التعدي على حقوق الناس.
بينما جاء حديث السوريين لشهر سبتمبر/ أيلول الحالي، وفي 18 منه، ضمن مدينة حلب الشهباء، فكان لقاء مهمّاً لأهمية مدينة حلب، العاصمة الاقتصادية للسوريين، والمحافظة التي ضحّت بالكثير، على طريق نصرة الحق السوري، وإنهاء حكم آل الأسد. وقد فتحت الأبواب على مصراعيها في حلب الشهباء لإعادة إنتاج الحوار الوطني السوري الضروري، والذي جاء تحت يافطة مهمة “الحوار مقدمة العمل والديمقراطية غاية وطريق”، فكانت حلب التي يدرك مكانتها كل السوريين موئلاً مهمّاً للقاء طويل ومديد، تعطش له كل الشعب السوري، وأنتج في ما أنتج حواراً وطنيّاً لا بد منه، وبعداً حضاريّاً في الحوار الوطني الذي يراكم ولا ينسى أو يتناسى، لطالما حلم به كل السوريين.
إذا كان الحوار الوطني ضرورة وطنية سورية، فإن الاستمرار في فتح الأبواب عبر هذه الآلية الجديدة للحوار ستدفع أيضاً نحو حديث السوريين بلا سقف يقمع الكلمة، ضرورة حياتية حقيقية لكل السوريين، ولفتح الباب الوطني السوري، نحو حوار سوري يخرج السوريين من عنق الزجاجة، ويسمح ويشجع الكل إلى حوار وطني لا سقف له، ولا قدسية فيه لأحد، حيث “لا مطلق ولا أزلي إلا الله، وما عدا ذلك فنسبي وتاريخي”. ومن ثم يكون الوطن وقضاياه أولاً، والحوار المفتوح قد يساهم في رأب التصدعات، وبعدها يحيل مسائل عالقة إلى بوابات عاقلة ورصينة، في البحث عن مخارج وطنية لها، بدون وصاية من أحد، حيث لم يعد الإنسان السوري يقبل الوصاية، أي وصاية من أي أحد، وهو يتطلع إلى بناء دولة المواطنة المتساوية، وحل جميع الإشكالات العالقة، ومنها موضوع محافظة السويداء، الذي أفرد له لقاء دمشق جلسة كبرى شارك فيها كثيرون من أهل السويداء، ومن كل السوريين في المحافظات، فسلطت الضوء على أهمية الخطاب الصريح والكشف عن كل الملابسات. وبالتالي، وضع معايير واضحة نحو عودة آمنة وأمينة لأهل السويداء إلى سورية التي تجمعهم، وسورية التي تنتفي فيها كل عوامل القهر، أو التعدي على حيوات السوريين.