
أكدت المتحدثة الإقليمية باسم وزارة الخارجية الأميركية كاريسا غونزاليز، أن واشنطن ترى فرصة حقيقية أمام سوريا في ظل التحولات التي شهدتها خلال العام الماضي، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة انتقلت من سياسة عزل النظام السابق إلى دعم التعافي وإعادة اندماج سوريا دولياً.
وأوضحت غونزاليو في مقابلة خاصة مع “المدن”، أن رفع العقوبات وفتح المجال أمام التجارة والاستثمار يرتبطان بتقدم ملموس في مكافحة الإرهاب، ومعالجة إرث الأسلحة الكيماوية، وحماية جميع السوريين، وبناء مؤسسات مستقرة.
كما أكدت دعم واشنطن لسوريا موحدة وذات سيادة، مع مواصلة جهود خفض التصعيد والحوار بين سوريا والاحتلال الإسرائيلي، مشددة على أن أي تعاون دفاعي مستقبلي سيخضع للقوانين والمصالح الأميركية.
وفي ما يأتي تفاصيل اللقاء كاملاً:
– بعد عام على آخر زيارة للرئيس الشرع إلى الأمم المتحدة، كيف تنظرون اليوم إلى سوريا؟ وما أبرز التحولات التي طرأت على المشهد السوري خلال هذا العام؟
شهدت سوريا خلال العام الماضي تحولات مهمة، ونحن ننظر بإيجابية إلى الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية في عدد من الملفات، مع إدراكنا أن عملية الانتقال والاستقرار لا تزال تتطلب عملاً كبيراً.
الولايات المتحدة انتقلت بدورها من سياسة صُممت أساساً لعزل نظام الأسد إلى نهج يعكس الظروف الجديدة ويمنح الشعب السوري فرصة للتعافي وإعادة الاندماج في المجتمع والاقتصاد الدوليين.
وقد اتخذت الحكومة السورية خطوات ملموسة في مكافحة داعش والقاعدة والجماعات المرتبطة بإيران، كما عززت تعاونها مع المنظمات الدولية لمعالجة إرث النظام السابق في ملف الأسلحة الكيميائية.
وفي المقابل، اتخذت الولايات المتحدة خطوات واسعة لرفع العقوبات والقيود، وألغت تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب.
نعتقد أن هناك فرصة حقيقية أمام سوريا اليوم، لكننا سنواصل تقييم التقدم استناداً إلى الأفعال والنتائج.
– الولايات المتحدة اتخذت خلال الفترة الماضية خطوات مهمة باتجاه رفع العقوبات والقيود عن سوريا، هل نحن أمام مرحلة جديدة في العلاقات السورية – الأميركية؟ وهل يمكن أن نشهد قريباً شراكات اقتصادية ومالية واستثمارات أميركية في سوريا؟
نعم، من الواضح أننا أمام مرحلة مختلفة في العلاقة. الهدف المعلن من رفع القيود الواسعة هو إزالة العوائق أمام التجارة والاستثمار والتعافي الاقتصادي وإعادة اندماج سوريا في الاقتصاد العالمي. وقد أوضحت الإدارة أن الخطوات الأخيرة تهدف أيضاً إلى تشجيع المزيد من الاستثمار الذي يدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي في سوريا. لكن الحكومة الأميركية لا تتخذ قرارات الاستثمار نيابة عن القطاع الخاص.
جذب الشركات ورؤوس الأموال يتطلب إلى جانب رفع العقوبات بيئة أمنية مستقرة، ومؤسسات فاعلة، وسيادة قانون، وقواعد اقتصادية واضحة يستطيع المستثمرون الوثوق بها.
رفع القيود يفتح الباب؛ وما سيحدث بعد ذلك يعتمد إلى حد كبير على قدرة سوريا على توفير الظروف التي تسمح للشركات والمستثمرين بالدخول بثقة.
– الرئيس الشرع يأتي إلى واشنطن في زيارته الثالثة حاملاً ملفات كبيرة، أبرزها إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي والإصلاح المؤسسي، ماذا تريد الولايات المتحدة من سوريا في المقابل؟ وما الملفات التي تعتبرونها أولوية في هذه المرحلة؟
لا ننظر إلى الأمر على أنه مقايضة بسيطة بين رفع العقوبات ومطلب واحد من دمشق. رؤيتنا هي سوريا مستقرة وموحدة وذات سيادة، تعيش بسلام مع جيرانها، ولا توفر ملاذاً آمناً للتنظيمات الإرهابية، وتمنع عودة داعش، وتحمي جميع السوريين ومكونات المجتمع بموجب مؤسسات الدولة وسيادة القانون.
ومن بين الأولويات كذلك مواصلة مكافحة الإرهاب، ومعالجة ملف المقاتلين الإرهابيين الأجانب ومراكز احتجاز عناصر داعش، واستكمال معالجة إرث الأسلحة الكيماوية وفق الالتزامات الدولية، ومنع استخدام الأراضي السورية من جانب إيران أو حزب الله أو أي شبكات مسلحة لتهديد دول المنطقة.
التقدم المستمر والملموس في هذه الملفات هو ما يهيئ الأرضية لعلاقة أعمق وأكثر استقراراً بين الولايات المتحدة وسوريا.
– سوريا اتخذت خطوات لمعالجة عدد من الملفات المرتبطة بالأسلحة الكيماوية، وأثيرت مؤخراً أيضاً قضايا تتعلق بمخزونات نووية، كيف تنظرون إلى مساعي دمشق لتسوية هذه الملفات الخارجية؟ وهل ترون أن هذه الخطوات يمكن أن تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون بين سوريا والمجتمع الدولي؟
نرحب بالتعاون الذي أبدته الحكومة السورية في معالجة إرث النظام السابق في هذا السياق. فقد اتخذت سوريا خطوات ملموسة بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، وهو التقدم الذي أدى إلى استعادة حقوقها وامتيازاتها في المنظمة. لكن العمل يجب أن يستمر حتى يتم التحقق الكامل من جميع المواد والمواقع ومعالجة إرث البرنامج السابق بصورة نهائية.
وقد أشادت الولايات المتحدة علناً بقيادة الرئيس أحمد الشرع والتعاون الكامل والاستباقي والشفاف الذي أبدته سوريا في معالجة أوجه عدم الامتثال الموروثة عن النظام السابق.
هذا النوع من التعاون هو بالضبط ما يساعد سوريا على طي ملفات الماضي وبناء علاقة قائمة على الثقة مع المجتمع الدولي.
– في الوقت الذي تقول فيه دمشق إنها تعمل على تسوية ملفاتها الخارجية، تتعرض الأراضي السورية لضربات إسرائيلية متكررة، ما الموقف الأميركي من هذه الاعتداءات؟ وماذا يمكن أن ينتظر السوريون من واشنطن في هذا الملف؟
موقفنا هو دعم سوريا مستقرة وموحدة وذات سيادة، مع الاعتراف في الوقت نفسه بالمخاوف الأمنية لإسرائيل. تركز الولايات المتحدة على خفض التصعيد وتشجيع ترتيبات أمنية عملية ومتفاوض عليها من الطرفين تعالج مصادر التهديد.
لقد أتاحت قيادة الرئيس ترامب في الشرق الأوسط إجراء مناقشات مثمرة تتمحور حول احترام سيادة سوريا واستقرارها. وقد عرض الرئيس ترامب رؤيته الواضحة لشرق أوسط مزدهر وسوريا مستقرة تنعم بالسلام في الداخل ومع جيرانها.
كما نواصل الانخراط في حوار مع كل من إسرائيل وتركيا وسوريا. وتظل الولايات المتحدة على قناعة بأن ضبط النفس والحوار يمثلان أفضل مسار للمضي قدماً.
ما يمكن للسوريين أن يتوقعوه منا هو استمرار دعمنا للجهود الرامية إلى منع التصعيد وحث الطرفين نحو ترتيبات أكثر استدامة.
– سوريا باتت تُطرح أيضاً كشريك إقليمي في مواجهة الإرهاب، وبعد رفع القيود المتعلقة بتسليح سوريا، هل يمكن أن نشهد تعاوناً عسكرياً وأمنياً جديداً، أو حتى صفقات سلاح أميركية مع دمشق؟
اتخذت الولايات المتحدة مؤخراً خطوة قانونية بإعفاء سوريا من القيود المتبقية بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، بما في ذلك القيود المتعلقة بمبيعات الأسلحة وتمويلها.
لكن رفع هذه القيود بحد ذاته لا يعني أن الولايات المتحدة قررت بيع أسلحة لسوريا، وليس لدينا في الوقت الراهن أي صفقة سلاح نعلن عنها. ما يمكن قوله هو أن مكافحة داعش ومنع عودة التنظيم تظل مصلحة مشتركة وأولوية أمنية مهمة.
أما أي شكل مستقبلي من أشكال التعاون الدفاعي أو الأمني فسيخضع للقوانين والإجراءات الأميركية وسيتم تقييمه في ضوء المصالح الأمنية والسياسة الأميركية في حينه.
– الرئيس الشرع تواجد في الولايات المتحدة، والتقى عدداً من المسؤولين والشخصيات الأميركية، برأيكم، ما الذي يمكن أن ينتج عن هذه اللقاءات؟ وهل نحن أمام تفاهمات جديدة تتجاوز الجانب السياسي إلى الاقتصاد والأمن وإعادة الإعمار؟
لن نستبق نتائج أي لقاءات أو نعلن تفاهمات قبل التوصل إليها. لكن حجم التواصل الذي شهدناه خلال العام الماضي يعكس بوضوح وجود مساحة أكبر للحوار بين الولايات المتحدة وسوريا بشأن مجموعة واسعة من الملفات، من مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي إلى التعافي الاقتصادي والاستثمار وإعادة اندماج سوريا في المجتمع الدولي. نعتقد أن هذا الحوار مهم بحد ذاته.
وكلما أحرزت سوريا تقدماً ملموساً في بناء مؤسسات مستقرة، وحماية جميع مكونات المجتمع، ومكافحة الإرهاب، والوفاء بالتزاماتها الدولية، زادت الفرص لتوسيع مجالات التعاون. وسنترك الإعلان عن أي نتائج أو تفاهمات محددة للجهات المعنية بعد اختتام اللقاءات.
– أخيراً، إذا أردنا اختصار زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن في رسالة واحدة: ماذا تريد الولايات المتحدة من سوريا، وماذا تستطيع واشنطن أن تقدمه للسوريين في المقابل؟
نريد لسوريا أن تنجح، أن تكون دولة مستقرة وموحدة وذات سيادة، تحمي جميع مواطنيها، وتمنع الإرهاب من العودة، ولا تسمح باستخدام أراضيها لتهديد جيرانها، وتفي بالتزاماتها الدولية، وتبني مؤسسات تستطيع توفير الأمن والفرص لشعبها.
والولايات المتحدة أثبتت بالفعل استعدادها لدعم هذا المسار من خلال إزالة العديد من القيود التي كانت تعيق الاقتصاد السوري، وفتح المجال أمام الاستثمار والتجارة وإعادة الاندماج الدولي، ودعم الجهود الدبلوماسية التي تعزز الاستقرار.
في نهاية المطاف، الهدف هو أن يحصل الشعب السوري على فرصة حقيقية للانتقال من سنوات الحرب والعزلة إلى مرحلة من الأمن والازدهار.