بغداد/ تميم الحسن.. جريدة. المدى
لم يكن علي الزيدي، رئيس الحكومة، قد أمضى يوماً كاملاً في بغداد بعد عودته من نيويورك حين بدأت الضغوط عليه للتراجع عن حظر الطيران الإيراني.
بحسب مقربين من القصر الحكومي تحدثوا لـ(المدى)، فإن قرار بغداد «لا يمكن التراجع عنه».
لكن الفصائل المسلحة وقوى شيعية أخرى قرأت التوقيت بطريقة مختلفة.
بالنسبة إليها، بدا القرار وكأنه الحلقة الثانية في سلسلة إجراءات اتخذتها حكومة الزيدي ضد إيران خلال أسابيع قليلة.
أولها كان إغلاق المنافذ البرية مع إيران، وهو إجراء قُرئ داخل الأوساط السياسية على أنه مشاركة عراقية في حصار طهران.
والثاني جاء في مجال الطيران، بعد أن توقفت شركات أجنبية تعمل في المطارات العراقية عن تقديم الخدمات اللازمة للرحلات الإيرانية.
الرواية شبه الرسمية تقول إن بغداد لم تحظر الطيران الإيراني بقرار سياسي مباشر، وإن المشكلة نتجت عن توقف شركات أجنبية عن العمل خوفاً من العقوبات الأميركية.
لكن هذه الرواية لم تقنع خصوم الزيدي.
القرار الذي خرج من نيويورك
قبل يومين، كانت بغداد تقول إنها تحاول الحصول على استثناءات من واشنطن تسمح لبعض المطارات العراقية باستقبال الطائرات الإيرانية، ولم تظهر نتائج لهذه الاتصالات حتى الآن.
في المقابل، كان الغضب السياسي يتسع. قوى شيعية، في مقدمتها منظمة بدر، خرجت إلى الشارع في بغداد للاحتجاج على القرار والمطالبة بالتراجع عنه، في وقت يوجد فيه وزير النقل، وهب الحسني، داخل الكتلة السياسية نفسها.
ويقول عبد الحسين الظالمي، القيادي في الكتلة، إن وزير النقل لا يستطيع اتخاذ قرار منفرد في هذا الملف، وإن القضية تحتاج إلى نقاش داخل مجلس الوزراء.
وبدأت قوى سياسية شيعية تطالب أيضاً بعقد جلسة طارئة لمجلس النواب، محذرة من انعكاسات القرار على التجارة بين العراق وإيران، وحركة الطلاب والزائرين الدينيين.
لكن خلف هذه الاعتراضات يوجد سؤال أكبر: هل كان قرار حظر الطيران نتيجة مباشرة لضغط أميركي تعرضت له حكومة الزيدي في نيويورك؟
باسل حسين، رئيس مركز كلواذا للدراسات والأبحاث، يرى أن التسلسل الزمني يغذي هذه القراءة.
يقول لـ(المدى) إن الوفد العراقي كان في نيويورك خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإن الجانب الأميركي وجه خلال اللقاءات «رسائل حازمة» لإنهاء أي استثناءات أو تفاهمات سابقة تسمح بمرور بعض رحلات الطيران الإيراني.
وبعد ساعات من عودة الوفد، صدر قرار الحظر من مكتب رئيس الوزراء، متجاوزاً، بحسب حسين، القنوات البيروقراطية المعتادة.
«هذا التزامن هو ما يغذي قراءة الفصائل والإطار للقرار كاستجابة سريعة للضغط الأميركي، لا قراراً نابعاً من سيادة القرار العراقي»، يقول حسين.
وبحسب هذا التفسير، فإن المعركة لم تعد حول الطائرات وحدها. إنها أصبحت معركة حول نهج الزيدي نفسه، وتوقيت قراراته، والمسافة التي يريد أن يقطعها العراق في الالتزام بالعقوبات الأميركية على إيران.
ترامب يدخل المشهد
لم يكن لقاء نيويورك تفصيلاً عابراً في حسابات خصوم الزيدي.
بعد عودة رئيس الوزراء إلى بغداد، قال ترامب إن اجتماعه مع الزيدي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة كان «رائعاً».
وعندما سئل عن رئيس الحكومة العراقية، أضاف: «الزيدي رجل رائع وصديق لي ونحن ندعمه».
في بغداد، التقط خصوم رئيس الوزراء هذه الكلمات بسرعة.
ويقول مقربون من القصر الحكومي إن ما يجري حالياً يمثل «فرصة لمهاجمة الزيدي» بعد عودته من زيارة يعتبرها مقربوه ناجحة.
لكن الزيارة حملت، إلى جانب العلاقة مع واشنطن، ملفاً أكثر حساسية، وهو مصير سلاح الفصائل.
بحسب نائب سابق تحدث لـ(المدى) شريطة عدم ذكر اسمه، كان التصور السابق يقضي بأن تواجه السلطات الفصائل الرافضة لنزع السلاح بالقوة بعد 30 أيلول.
لكن زيارة نيويورك، وفق هذا المصدر، انتهت بما يشبه تفويضاً لتمديد عمر السلاح خارج الدولة لمدة 9 أشهر إضافية، وصولاً إلى منتصف 2027.
وهنا تدخّل عامل آخر في الحسابات، فبعض التحليلات تربط هذا التمديد بصفقات أو تفاهمات أوسع بين واشنطن وطهران، فيما يرى آخرون أن الملف العراقي أصبح جزءاً من مفاوضات أكبر لا يملك الزيدي وحده مفاتيحها.
الإطار منقسم
المشكلة أن «الإطار» نفسه لا يتحدث بصوت واحد. هناك تيار براغماتي – بحسب وصف حسين – يرى أن العراق لا يستطيع تحمل عقوبات أميركية ثانوية يمكن أن تطال الناقل الوطني والاقتصاد والمصارف والشركات.
وفي الجهة الأخرى، توجد قوى أكثر راديكالية، خصوصاً الفصائل الرافضة لنزع سلاحها، ترى أن الالتزام بحظر الطيران الإيراني يعني مشاركة عراقية في حصار طهران.
بهذا المعنى، يقول حسين: «لم يعد الصراع موجهاً فقط من الإطار ضد حكومة الزيدي، فالانقسام صار داخل الإطار نفسه».
ويجد حسين أن هناك أيضاً مؤشرات على ضغط إيراني مباشر.
فمسؤولون إيرانيون بارزون، بينهم علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، وجهوا انتقادات حادة إلى رئيس الوزراء العراقي وصلت إلى اتهامه بالعمالة لواشنطن.
كما حذر المسؤول الأمني الإيراني محسن رضائي دول الجوار، ومن بينها العراق، من الانصياع للقيود الأميركية الجديدة على شركات الطيران الإيرانية.
وفي بغداد، تحركت أربع فصائل عراقية على الأقل خلال أيام قليلة لتنظيم حراك سياسي وشعبي بهدف كسر الحظر.
بالنسبة إلى حسين، فإن احتمال التصعيد ليس افتراضاً بعيداً.
ويقول: «حكومة الزيدي عملياً محاصرة بين ضغطين متعاكسين، أحلاهما مُرّ».
الفصائل تستعد
النائب السابق الذي تحدث إلى (المدى) يرى أن الفصائل بدأت بالفعل الاستعداد لرد سياسي وربما تصعيدي إذا استمر الزيدي في قراره.
ويقول إن جوهر الخلاف يكمن في تفسير سبب توقف الرحلات الإيرانية.
فمن وجهة نظر الفصائل، القرار أميركي بالدرجة الأولى، لأن الشركات الأجنبية التي تقدم الخدمات في المطارات العراقية، بحسب المصدر، أميركية أو أوروبية، وهي التي تخشى العقوبات وتوقفت عن العمل.
ولهذا يصعب، وفق هذا التصور، على وزارة النقل أن تعيد الرحلات بمجرد إصدار تعليمات عراقية.
في الوقت نفسه، يخشى الإطار من أن يؤدي الاستمرار في التصعيد إلى خطوة أبعد، وهي أن يتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة بين حكومة الزيدي والفصائل المسلحة.
ويقول النائب السابق إن هناك خشية داخل الإطار من أن يستبق بعض قادته الأحداث عبر إنشاء ما يمكن اعتباره «مجلس قيادة» لمواجهة احتمال استخدام الحكومة القوة ضد الفصائل.
العراق بين الدولار والطائرات
غازي فيصل، الدبلوماسي السابق، يضع في حديث لـ(المدى) الأزمة في إطار أوسع.
من وجهة نظره، تحاول إيران استخدام أدوات نفوذها للضغط على المؤسسات والسلطات العراقية ورئيس الوزراء من أجل عدم الالتزام بالعقوبات الأميركية، مستفيدة من العلاقات السياسية والمذهبية التي تربط قوى عراقية بطهران، ومن الفصائل المسلحة المتحالفة مع الحرس الثوري.
لكن فيصل يرى أن مساحة المناورة العراقية محدودة.
إذا رفض العراق الالتزام بالعقوبات الأميركية، يقول، فقد يتعرض لضغوط تشمل الدولار الذي يحصل عليه البنك المركزي من مبيعات النفط، إضافة إلى العقوبات المحتملة على الاتصالات والمطارات والبنوك والشركات والتحويلات المالية.
ولهذا، فإن القرار بالنسبة إليه ليس مسألة طيران فقط؛ إنه سؤال عن قدرة بغداد على مخالفة واشنطن من دون دفع ثمن اقتصادي ومالي واسع.
ويستشهد فيصل بتجربة العقوبات التي فرضت على العراق بعد غزو الكويت عام 1990، قائلاً إن إيران أعلنت في حينها التزامها بالعقوبات الدولية المفروضة على العراق، كما التزمت لاحقاً بقيود مرتبطة بالنقل والخطوط الجوية والتجارة والبنوك.
ويستعيد أيضاً ملف الطائرات العراقية التي لجأت إلى إيران عام 1991، ومنها طائرات «ميراج» و»ميغ» وطائرات الخطوط الجوية العراقية وطائرة الرادار والقيادة، والتي لم تعد إلى العراق بعد انتهاء الحرب، قبل أن تتحول إلى ملكية إيرانية، وفق روايته.
لكن ذاكرة العقوبات ليست هي الشيء الوحيد الذي يحضر في خطاب فيصل. هناك أيضاً اقتصاد اليوم.
فقد تحدث الزيدي، قبل ذلك، عن خسائر للعراق تقدر بنحو 60 مليار دولار نتيجة منع السلطات الإيرانية ناقلات النفط العراقية من المرور عبر مضيق هرمز.
كما تحدث مسؤولون عراقيون عن ضغوط أخرى طالت حركة النفط والنقل قرب البصرة.
ومن وجهة نظر فيصل، فإن هذه الوقائع تجعل التراجع العراقي عن قرار حظر الطيران أكثر كلفة.