بغداد/ تميم الحسن… جريدة المدى
في صباح الأربعاء (غداً)، حين تغادر آخر القوات الأميركية العراق، لن يكون السؤال الأكثر إلحاحاً هو عدد الجنود الذين عبروا الحدود، ولا القواعد التي أُغلقت، بل ما الذي سيحدث في اليوم التالي؟
في بغداد، تستعد الفصائل المسلحة لاحتفالات كبيرة بمناسبة الانسحاب. الحكومة، من جهتها، قررت تعطيل الدوام أربعة أيام. أما المتحدث العسكري باسمها، صباح النعمان، فيقول إن الموعد سيكون فاصلاً: بعد 30 أيلول «لن يبقى جندي أجنبي واحد في أي بقعة من العراق».
لكن خلف هذا المشهد، يطرح سياسيون ومحللون سؤالاً أكثر قلقاً: من يضمن ألا يعيد العراق تجربة ما بعد 2011، حين غادرت القوات الأميركية ثم ظهر تنظيم «داعش» بعد سنوات؟
لا أحد، وفق مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، يملك ضمانة حقيقية لعدم عودة التنظيم.
ومثال الألوسي، مؤسس حزب الأمة، يذهب إلى أبعد من ذلك. فهو يرى أن مغادرة القوات الأميركية، في ظل وجود «داعش» بالفعل في مناطق متفرقة من البلاد، تفتح باباً أمام أخطار أمنية لا يمكن تجاهلها.
يقول الألوسي لـ(المدى) إن «العقلاء، على الأقل»، يعرفون أن العراق سيتعرض بعد ذهاب القوات الأميركية والحماية الأميركية إلى «أخطار أمنية جسيمة»، في مقدمتها «داعش».
التنظيم، بحسب وصفه، لم يختفِ. في جبال حمرين، يقول الألوسي، توجد عناصر قريبة من مناطق استخراج النفط. وفي كركوك وتلعفر وأطراف الموصل وحوران، ما زالت له نقاط وجود، فيما لا يستبعد وجود خلايا في مناطق أقرب إلى بغداد وحتى الجنوب.
ويوم الاحد الماضي، وقبل أيام قليلة من الانسحاب، قتل إرهابيين اثنين كانا يرتديان أحزمة ناسفة خلال مواجهات في كركوك، وإصابة ثالث وإلقاء القبض عليه.
لم تكن تلك عودة «داعش» إلى المدن التي سيطر عليها في 2014. لكنها كانت تذكيراً بأن التنظيم مازال قادراً على تنفيذ هجمات.
انسحاب أميركي أم انتصار للفصائل؟
بالنسبة إلى الألوسي، وهو نائب سابق وسياسي مستقل، لا يمكن فصل الانسحاب عن الصراع السياسي الذي سبقه.
هو يصف الضغط الإيراني وضغط الفصائل المسلحة بأنهما كانا العاملين الرئيسيين وراء إخراج القوات الأميركية، ويعتقد أن القرار «خدم إيران والمليشيات والفاسدين أكثر مما خدم العراق».
في روايته، لا يتعلق الأمر فقط بالجنود الأميركيين، وإنما بالسلاح الموجود خارج مؤسسات الدولة.
فإذا بقي «داعش»، كما يقول، فإن الفصائل ستملك حجة إضافية في مواجهة أي محاولة لحصر السلاح بيد الدولة.
وهنا يرى الألوسي أنه يمكن استخدام نشاط محدود لداعش، لتبرير استمرار السلاح، ثم استمرار نفوذ الفصائل، ثم استمرار النفوذ الإيراني في السياسة العراقية.
لكن النفط يدخل أيضاً في هذه المعادلة. يتحدث الألوسي عن إمكانية استخدام ملف «داعش» ومحاربته كغطاء لاستمرار الفساد في حقول النفط، ويشير إلى ما يسميهم «أمراء الفساد» ممن راكموا، بحسب وصفه، مليارات الدولارات.
وفي أسوأ الاحتمالات التي يتصورها، يمكن أن يتحول الصراع على النفوذ والمال إلى صدامات أوسع، وصولاً إلى حرب أهلية.
وهو لا يقدم ذلك بوصفه نتيجة حتمية، بل كخطر يخشى أن يصبح واقعياً في ظل نفوذ إيراني يسعى، بحسب قوله، إلى «لبننة العراق» او «بقلنة العراق» كما حذر في وقت سابق ماركو روبيو وزير الخارجية الامريكية.
«لا يوجد ضامن»
مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، كان قد حذّر من تكرار المشهد نفسه.
وفي مقابلة تلفزيونية، جدد بارزاني تحذيراً سبق أن أطلقه بشأن الانسحاب الأميركي، مستعيداً سيناريو 2011 حين غادرت القوات الأميركية العراق، قبل أن يظهر “داعش”.
والألوسي يتفق معه، ويصف تشخصيه بأنه “دقيق”. ويقول إن بارزاني “رجل وطني مخلص” نجح في تأسيس إقليم متسامح، وإن تحذيره بشأن الفراغ الذي قد يتركه الانسحاب الأميركي يستحق أن يؤخذ بجدية.
لكن السؤال الذي يظل قائماً هو ما إذا كان العراق يستطيع منع عودة التنظيم من دون وجود القوات الأميركية.
أثيل النجيفي، القيادي في جبهة الإنقاذ والتنمية ومحافظ نينوى السابق، لا يرى ضمانة حقيقية أيضاً.
يقول لـ(المدى) إن انسحاب القوات الأميركية لا يوفر “أي ضامن حقيقي” لعدم عودة “داعش” أو غيره من التنظيمات المتطرفة.
لكن النجيفي يضع عاملاً آخر في المعادلة، وهو المجتمع السني نفسه.
رفض هذا المجتمع لـ”داعش”، برأيه، سيحد من قدرة التنظيم على الانتشار داخله. لكنه لن يمنع الخلايا من تنفيذ هجمات متفرقة.
ويقول إذا حافظت السلطة العراقية على موقف المجتمع السني إلى جانبها، واعتمدت عليه في مواجهة داعش، أن “القضاء على أي عصابة إرهابية يصبح ممكناً”.
أما إذا عادت بعض الفصائل إلى اتهام المجتمع السني بصورة جماعية والضغط عليه، فإن العراق، بحسب تحذيره، قد يعود إلى الفوضى.
ماذا خسر العراق بانسحاب الأميركيين؟
النجيفي لا يرى أن وجود القوات الأميركية خلال السنوات الأخيرة كان نسخة من وجودها بعد 2003.
فالقوات التي بقيت في العراق لأكثر من 10 سنوات، بحسب قوله، لم تدخل في احتكاك مباشر مع المجتمع العراقي على النحو الذي حدث بعد 2003.
كانت تعمل ضمن اتفاق مع الحكومة العراقية، ويرى النجيفي أن ذلك كان يصب في مصلحة العراق ولا يتعارض مع سيادته.
أما العامل الأول للانسحاب، في تفسيره، فهو ضغط الفصائل التي تريد تعميم العداء بين إيران والولايات المتحدة.
واتفق العراق والولايات المتحدة على الانسحاب في عام 2024. ووفقاً للبنتاغون، كان نحو 2500 جندي أمريكي يتمركزون في العراق خلال السنوات الأخيرة.
وقبل الانسحاب، كانت القوات الأمريكية تتمركز في أربيل في إقليم كردستان، وفي قاعدة بالقرب من مطار بغداد وفي المنطقة الخضراء.
3 حواجز أمام عودة 2014
محمد نعناع، الأكاديمي والباحث، لا يعتقد أن السيناريو الأسوأ -عودة “داعش” إلى السيطرة على مناطق واسعة كما حدث في 2014- سهل التكرار.
لكنه يميز بين عودة “داعش” كتنظيم يسيطر على الأرض، وبين استمرار خلاياه في تنفيذ عمليات محدودة.
في الحالة الأولى، يقول نعناع لـ(المدى)، توجد ثلاثة موانع.
الأول هو أن “داعش” لم يعد يمتلك الهيكل الذي كان لديه في سنوات قوته: “لا هيكل تنظيمي وإداري ودعوي وشرعي وعسكري متكامل”.
ما تبقى، بحسب وصفه، مجموعات صغيرة جداً تعرف باسم “المفارز”، لا يتجاوز أفراد الواحدة منها ثلاثة أو أربعة.
الحاجز الثاني هو تطور الأجهزة الأمنية العراقية.
الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب من جهة، والاستخبارات والأمن الوطني وغيرها من الأجهزة المعلوماتية من جهة أخرى، أصبحت أقوى مما كانت عليه قبل 2014.
وعندما انهار الجيش في 2014، لم يكن الانسحاب مجرد تراجع تكتيكي، بحسب نعناع، كان انهياراً فتح الطريق أمام “داعش” للسيطرة على مساحات واسعة.
و نعناع لا يتوقع تكرار ذلك مع انسحاب القوات الأميركية.
أما الحاجز الثالث، فهو العلاقة التي ما زالت قائمة بين بغداد وواشنطن.
فالولايات المتحدة، بحسب نعناع، لا تزال تنسج علاقة شراكة مع الحكومة العراقية وتقدم لها الدعم.
وهو يشير إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رئيس الوزراء الزيدي، حين وصفه بأنه صديق وأعلن دعمه له.
لكن هذه الحواجز لا تعني أن الخطر اختفى.
فالانسحاب، كما يقول نعناع، يحدث تحت “ضغط إيراني واضح جداً”، فيما تخشى الولايات المتحدة من أن يؤدي النفوذ الإيراني إلى تقويض السيادة العراقية وقدرة المؤسسات الأمنية.
الخطر ليس «داعش» وحده
المفارقة أن العراق يدخل يوم الانسحاب وهو يملك أجهزة أمنية أقوى مما كان عليه في 2014، لكنه يدخل أيضاً في بيئة سياسية أكثر تعقيداً.
يمكن لخلايا صغيرة أن تبقى قادرة على تنفيذ هجمات. ويمكن لأزمة سياسية أن تربك الدولة. ويمكن أن تتراجع علاقة بغداد بواشنطن بما يقلل مستوى الدعم الأميركي.
وهذا، بالنسبة إلى نعناع، هو الجانب الآخر من المعادلة.
هناك موانع أمام عودة «داعش»، لكنه يرى أيضاً مؤشرات يمكن أن تساعد التنظيم على العودة تدريجياً، خصوصاً إذا انقطعت العلاقة بين الحكومة العراقية والإدارة الأميركية ولم تحصل بغداد على الدعم الكافي من الولايات المتحدة أو غيرها.