تسبب ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات في محافظتَي الرقة ودير الزور، شرقي سورية، اليوم الاثنين، في خروج محطات مياه شرب عن الخدمة، وسط مخاوف من توقّف محطات أخرى وتضرّر أراضٍ زراعية، بالتزامن مع تحذيرات أُطلقت للسكان من مخاطر محتملة من جرّاء الاقتراب من مجرى النهر.
وأكدت المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في دير الزور، عبر معرّفاتها الرسمية، أنّ 11 محطة مياه خرجت عن الخدمة إثر ارتفاع منسوب نهر الفرات أخيراً، مع تهديد محطات أخرى بالتوقّف في حال ارتفاع المنسوب أكثر. وأوضحت المؤسسة أنّها تعمل لتدعيم المحطات المهدّدة بالتوقف وكذلك تلك المتوقّفة من أجل إعادتها إلى الخدمة، بالتوازي مع إعداد خطة لتأمين مياه الشرب عبر الصهاريج في المناطق المتضرّرة.
وبيّنت محافظة دير الزور أنّ ارتفاع منسوب نهر الفرات أتى بعد البدء بتمرير المياه من السدود الواقعة على النهر بمعدّل 1200 متر مكعّب في الثانية، وزيادة سرعة جريان الفرات على امتداد مجراه في محافظتَي الرقة ودير الزور. وأوضحت أنّ معدّل تمرير المياه لن يُرفَع عن 1200 متر مكعّب في الثانية حتى نهاية أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، وفقاً للمعطيات الحالية، مشيرةً إلى أنّ زيادة التصريف تأتي في ظلّ استمرار ارتفاع كميات المياه الواردة من الجانب التركي، إلى جانب العمل على زيادة السعة التخزينية المتاحة في سدود الفرات تحسّباً للكميات المتوقعة في فصل الشتاء المقبل.
وقال قائد العمليات في مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في دير الزور أسامة عربو لـ”العربي الجديد” إنّ “المديرية نفّذت حملات توعية للسكان المقيمين على ضفاف نهر الفرات بدءاً من البوكمال وصولاً إلى التبنّي، ومن الباغوز إلى الكسرات، بهدف التنبيه إلى ارتفاع المنسوب والحدّ من حالات الغرق، ولا سيّما بين الأطفال”. أضاف عربو أنّ “فرق الطوارئ أوقفت العبارات التي كانت تعمل بطرق بدائية، بالتعاون مع اللجان في المحافظة، كذلك تواصل مراقبة المناطق الممتدّة على طول النهر للتحذير مباشرة في حال ارتفاع منسوب المياه بصورة كبيرة”.
في الإطار نفسه، أوضح عربو أنّ مديريته التابعة لمحافظة دير الزور “ساهمت في ترميم الجسور ومراقبتها، تحسّباً لارتفاع منسوب نهر الفرات”، مشيراً إلى أنّ “فرقها عملت كذلك من أجل رفع السواتر الترابية حول محطات المياه لتفادي الأضرار التي قد تلحق بها نتيجة ارتفاع مستوى النهر”.
من جهتها، حذّرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية السكان من الاقتراب من مجرى نهر الفرات أو السباحة فيه، كذلك دعت أصحاب معدّات الري ومحركاته الموجودة بالقرب من ضفاف الفرات إلى نقلها لأماكن آمنة، خشية تعرّضها للغرق أو الأضرار نتيجة ارتفاع منسوب المياه وزيادة سرعة جريان النهر.
في سياق متصل، أفاد مدير المؤسسة العامة لسدّ الفرات هيثم بكور بأنّ مؤسسته تعمل حالياً من أجل تفريغ نحو ستّة ملايين متر مكعّب من حجم التخزين في بحيرات نهر الفرات، بهدف التوصّل، بحلول نهاية ديسمبر/ كانون الأول المقبل، إلى الجاهزية والقدرة الكاملة على استيعاب السيول الناجمة عن الأمطار أو ذوبان الثلوج الآتية من تركيا. يُذكر أنّ هذه المؤسسة مسؤولة عن استثمار مياه نهر الفرات وإدارة ثلاثة سدود رئيسية مشيّدة عليه وتشغيلها: سدّ الفرات وسدّ تشرين وسدّ البعث.
وشرح بكور، في حديث إلى قناة الإخبارية السورية، أنّ المؤسسة العامة لسدّ الفرات تعتمد في تقدير التدفقات المتوقعة على صور الأقمار الصناعية والتنبؤات المناخية، بالإضافة إلى متابعة حجم التخزين في السدود التركية. أضاف أنّ لدى المؤسسة غرفة عمليات مركزية وثلاث غرف عمليات فرعية في السدود الثلاثة المذكورة، إلى جانب نقاط مراقبة تتابع كميات المياه الواردة والممرّرة وحجم التخزين، مع مراجعة يومية للبيانات. وتابع أنّ المؤسسة تتولى جمع البيانات وتحليلها، فيما تتولى وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث وغرف العمليات في المحافظات مهمّة الإنذار المبكّر للمجتمع المحلي ونقل التنبيهات والتحذيرات إلى السكان المقيمين على ضفاف النهر بالتعاون مع الإدارات المحلية.
ويثير ارتفاع منسوب نهر الفرات مخاوف لدى سكان المناطق القريبة من النهر، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء، في ظلّ الأضرار التي خلّفتها موجة الفيضانات التي شهدتها المنطقة في مايو/ أيار الماضي. وفي هذا الإطار، قال مهند الجاسم، من أهالي دير الزور، لـ”العربي الجديد”، إنّ ارتفاع منسوب النهر بالتزامن مع بداية الشتاء يتسبّب في حالة قلق بين الأهالي إزاء احتمال تكرار ما وصفها بـ”كارثة أيار” الفائت، حين انقطعت الجسور وغمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي ووصلت إلى عدد من المنازل. وأشار الجاسم إلى أنّ تضرر محطات المياه سوف يؤدّي إلى انقطاع مياه الشرب عن الأهالي، الأمر الذي يفرض أعباء إضافية عليهم، إذ سوف يضطرّون إلى شراء مياه الصهاريج، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة.
وكانت محافظتا الرقة ودير الزور قد شهدتا في مايو 2026 موجة فيضانات واسعة، إثر ارتفاع مستوى نهر الفرات نتيجة وصول تدفّقات كبيرة من تركيا بالتزامن مع أمطار محلية، الأمر الذي دفع إدارة سدّ الفرات حينها إلى السيطرة على مستوى المياه عبر فتح ثلاث بوابات من مفيض السدّ، وذلك للمرّة الأولى منذ عام 1988. وأدّى ارتفاع منسوب النهر آنذاك إلى أضرار في البنية التحتية في المحافظتَين، مع غمر منازل وأراضٍ زراعية وتسجيل حالات غرق. تجدر الإشارة إلى أنّ مناطق واسعة من الرقة ودير الزور تعتمد على نهر الفرات والمشاريع والمحطات المرتبطة به لتأمين مياه الشرب والريّ، الأمر الذي يجعل ارتفاع منسوب الفرات مصدر ضغط على السكان والمنشآت الحيوية والأراضي الزراعية الواقعة بالقرب من مجراه.