ترك إرثًا غنيًا في نقل العديد من المؤلفات المهمة في اللسانيات والفلسفة والأدب من الفرنسية إلى العربية، وتميزت مسيرته بالتوازن بين التأليف الفكري التخصصي، والكتابة الأدبية الروائية. كان ناقدًا ساخرًا لنظام الأسد البائد، وصارع المرض الخبيث بشجاعة وتحدٍ، لكنه فارق عالمنا في الثامن عشر من الشهر الحالي عن عمر ناهز 75 عامًا، بعد إنجازات ومواقف إنسانية وسياسية ترفض الظلم والفساد والاستبداد. إنه الباحث اللغوي والمترجم والأديب السوري الدكتور قاسم المقداد، المولود عام 1951 في قرية غصم في الريف الشرقي لدرعا. درس في كلية الآداب -جامعة دمشق- وتولى رئاسة قسم اللغة الفرنسية فيها، كما شغل منصب مدير التأليف والترجمة في وزارة الثقافة، ومدير المركز الثقافي في فرنسا، التي نال من جامعتها (السوربون) درجة الدكتوراه في علم اللغة واللسانيات.
أصدر الراحل عشرات الكتب والمؤلفات المترجمة والبحوث النقدية والأكاديمية، ومن أبرزها في التأليف:
– “هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي: جلجامش”: يمثل محطة أكاديمية هامة في إدخال وتطبيق المناهج النقدية الحديثة على النصوص الشرقية القديمة، وفيه تعامل مع “ملحمة جلجامش” التي تُعد أقدم طبقات السرد الإنساني في منطقة بلاد الرافدين والشرق القديم لا كنص خرافي أو حكاية تاريخية مغرقة في القِدم بل كبنية فكرية ولغوية متكاملة، أراد تفكيك النص الملحمي فيها للكشف عن الآليات الداخلية التي تُنتج الدلالة وكيفية انتظام عناصر الأسطورة (مثل الشخصيات والمكان والزمان) لتشييد هندسة متماسكة للمعنى. يُعتبر هذا الكتاب مغامرة منهجية لتطبيق “السيميائيات السردية” والبنيوية (المتأثرة بالمدرسة الفرنسية) على نص شرقي قديم، وإنجازًا جريئًا كسر النمط التقليدي السائد المعتمد على المنهج التاريخي أو المقارن بقراءة الملاحم القديمة، ونقل التعامل مع “ملحمة جلجامش” من مجرد حكاية أثرية إلى نص أدبيّ خاضع للتشريح البنيوي المعاصر من خلال دراسة سيميائية عربية مبكرة. لكن المؤلف غرق في التجريد والجفاف اللغوي كما ذكر بعض النقاد الكلاسيكيين، لاعتماده على المصطلحات السيميائية الجافة والمترجَمة بكثافة، الأمر الذي غيّب جمالية وشاعرية الملحمة الأصلية وحوّلها إلى معادلات رياضية وجداول جامدة، وعزل النص عن سياقه الحضاري والتاريخي مستبعدًا الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية لبلاد الرافدين القديمة.
– رواية “سيدة المفاتيح”: جسد فيها جانبه الإبداعي والروائي. قامت على تداخل السرد والحوار وصراع الحاضر والماضي والمستقبل في رحلة سورية مثقلة بالتيه والبحث عن مأوى وأمل وسط الدمار ورصدت المعاناة الإنسانية الكبيرة الناتجة عن الحرب السورية في السنوات الأخيرة، والتحوّلات السياسية والاجتماعية الصعبة التي حوّلت البلاد إلى “معتقل كبير” لا يرحم والسوريين إلى مشاريع شهداء وضحايا. لكن رغم كل ما حدث تمسك أبطالها بالأمل رافضين الانكسار، باحثين عن المفاتيح التي ترمز إلى الوعي والخلاص والوطن والمنفى. كانت ذاكرة لبلد كامل، غاص الكاتب فيها في الدلالات النفسية والتاريخية للشخصيات، ودفع القارئ إلى التأمل وطرح الأسئلة الكبيرة من دون الوصول إلى إجابات جاهزة، ونجح في الجمع السلس بين السرد العميق والحوار المعبّر المستوحى من الوجع والبيئة المحلية، رغم السوداوية بالطرح والإغراق في تفاصيل الخوف والاعتقال والدمار النفسي.
وهناك مؤلفات أخرى للراحل منها “قواعد اللغة الفرنسية المعاصرة”، الكتاب الأكاديمي التعليمي، وعشرات البحوث والدراسات المتخصصة في مجالات لغوية وأدبية مُحكمة، وكتابات حول الوضع السوري الداخلي والبدايات المُبكرة لتغلغل الفساد في سورية منذ عهد الأسد الأب، وتخلي “حزب البعث” الحاكم عن مهامه التاريخية وتحوّل قياداته إلى مجموعات تصفق للسلطة وتبحث عن المال والمنازل الفخمة والسيارات الفارهة، وتحوّل الوطن إلى مزارع شخصية وإقطاعات أصبحت كل واحدة منها دولة داخل الدولة.
وفي مجال الترجمة لم يكن المقداد ينقل الكلمات من لغة إلى أخرى فقط بل كان لسانيًا تفكيكيًا غاص في أعماق النص وآمن بأن الترجمة هي حوار حضاري رفيع، فكرّس حياته لتقريب الفلسفة واللسانيات الفرنسية المعاصرة من القارئ العربي. ومن أبرز ما قدمه للمكتبة العربية:
– ترجمته البارعة لكتاب “أسطوريات: أساطير الحياة اليومية” للفيلسوف الفرنسي رولان بارت الذي تحدث فيه عن تفاصيل الحياة اليومية والثقافة الشعبية المعاصرة محولًا إياها إلى أساطير حديثة يتم تفكيكها ونقدها. ووضّح أن الأسطورة ليست قصصًا قديمة وخرافات تاريخية، بل صناعة ثقافية وإعلامية يومية ترتدي لباس الطبيعة بينما هي في الحقيقة أيديولوجيا خفية للطبقة البرجوازية. ومن الظواهر اليومية التي ركز عليها: المصارعة الحرة التي اعتبرها عرضًا دراميًا للمشاعر لا رياضة تنافسية، وفكك الخطاب الإعلاني وصور السلع الاستهلاكية وطريقة تقديم الوسائل الإعلامية للأحداث والشخصيات العامة. ولذلك يُعتبر هذا الكتاب مرجعًا أساسيًا في تفكيك الثقافة الجماهيرية وكشف الأبعاد الخفيّة لوسائل الإعلام والحياة اليومية. وقد تعامل الراحل معه كمترجم لا كناقد، قدّم أحد أبرز النُسخ العربية المعتمَدة له قائلًا: “لقد دلّنا بارت على أننا نعيش في عالم يغص بالمعاني. كأنه يقول لنا لا تعودوا إلى الماضي للبحث عن الأساطير. فللحاضر أساطيره مثلما كان للماضي أساطيره الخاصة به”. وقد وصف النقاد ترجمة الكتاب بأنها متماسكة للغاية، لا عيوب فيها أبدًا، نظرًا لدقتها في نقل المصطلحات المعقدة التي استخدمها بارت.
– “مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية”: للباحث الفرنسي دوني كوش والذي قدم فيه عرضًا مبسطًا وعميقًا لمسارات تطوّر مفهوم الثقافة واستعمالاته المختلفة داخل حقل العلوم الاجتماعية وأهميته في فهم وحدة البشرية وتنوعها، وكيف تحول لفظ “الثقافة” من مجرد دلالة لغوية أو فلسفية عامة إلى أداة ومفهوم علمي مركزي في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. وميّز بين الثقافة كواقع مُعاش والهوية الثقافية كاستراتيجية وعي وانتماء، ودرس مجالات تطبيقية حديثة للمفهوم مؤكدًا في النهاية على أن الإنسان كائن ثقافي بالأساس، وأن التطوّر البشري تميّز بالتراجع التدريجي للغريزة البيولوجية وحلول التكيّف الثقافي محلها، مما منح الإنسان مرونة وقدرة أعلى على تغيير الطبيعة بدلًا من الاكتفاء بالتكيّف معها. وصُنفت ترجمة الراحل المقداد لهذا المؤلّف كواحدة من الترجمات الأكاديمية المرجعية للشباب لسلاسة لغتها العربية وسياقها الإنشائي البعيد عن الإغراق في تعقيدات المصطلحات الجافة.
– “رذائل المعرفة”: يقوم على فكرة محورية مفادها أن الممارسات الفكرية والاعتقادات ليست مجرد عمليات إدراكية محايدة، بل هي خاضعة للتقييم الأخلاقي، وفيه ربط مؤلفه الفيلسوف الفرنسي باسكال إنجل بين علم المعرفة والأخلاق والسياسة، موضحًا كيف يهدد غياب “الأخلاق الفكرية” المجتمعات الديمقراطية. بينما تُعتبر ترجمة الراحل المقداد لهذا الكتاب واحدة من الترجمات الرصينة والمحترفة التي جسدت الخلفية الأكاديمية القوية التي يتمتع بها، وخبرته العميقة في نقل الفكر الفرنسي إلى العربية. وهي إضافة حقيقية للمكتبة الفلسفية خالية من العيوب الشائعة في الترجمات التجارية.
– “رقصة الحياة: الزمن الثقافي والزمن المعيش” لعالم الأنثروبولوجيا الأميركي إدوارد ت. هول: يبحث هذا الكتاب في موضوع الزمن بوصفه عنصرًا أساسيًا في الثقافة الإنسانية، وكيفية تعبير الشعوب عنه بوعي أو من دون وعي، ويقدمه وفق فهم ثوري له لا ككمية فيزيائية مطلقة بل كلغة وعنصر ثقافي يتحكم في سلوك البشر وعلاقاتهم. تُعتبر ترجمة الراحل له من أهم الترجمات الرصينة التي نجحت في نقل فكر المؤلف المعقد بسلاسة وعمق، وفك معاني المصطلحات الدقيقة الخاصة بعلم الإنسان التي استخدمها وصياغتها بقالب عربي دقيق بدون الإخلال بالمعنى العلمي لها، وهذا ما جعلها من أهم المراجع الموثوقة في مجال علم الإنسان وثقافة التواصل الفكري في المكتبة العربية.
تركت تجربة الدكتور قاسم المقداد أثرًا عميقًا في تكوين جيل كامل من الباحثين والمترجمين الشباب. ويُنظر إلى نتاجه بوصفه واحدًا من الجسور المتينة التي نقلت المناهج التحليلية والفلسفية والأنثروبولوجية الغربية المعقدة إلى اللغة العربية بدقة وتدفق لغوي جمع بين التخصّص المعرفي العميق والنزاهة الثقافية الشديدة، مما جعل ترجماته مراجع موثوقة تُدرّس في كليات الآداب والمعاهد العليا. لكن ورغم الحفاوة النقدية التي حظيت بها نتاجاته، هناك انتقادات تشير إلى ميله للتعقيد اللغوي والإغراق في التجريد البنيوي بالترجمة والبحث، وإلى التداخل بين التخصص اللساني والكتابة الروائية وسيطرة ذهنية الأكاديمي والباحث على مخيلته.
اتخذ مواقف واضحة ومعارضة للنظام البائد مع بدايات الثورة السورية. قدّم استقالته عام 2012 من عضوية المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب الذي انحاز إلى السلطة الدموية التي انتهجت الحل العسكري الأمني ضد الشعب السوري. واعتبر أن “ذلك الخيار دمّر البلد”. وأعلن اعتزاله الكتابة في الشأن العام بعد تعرضه لمضايقات وضغوطات وتهديدات أمنية شديدة: “كنتُ دائمًا أكتب كما يقال اليوم تحت سقف الوطن، إلى أن اكتشفت أن هذا السقف يتحرك بكبسة زر فتراه يرتفع حتى لا نراه أحيانًا. ويهبط حتى يصطدم برأسك”.
ويُحسب له تصريحه العلني من قلب دمشق بأنه يرفض الاستمرار في اتحاد الكتاب العرب التابع لنظام الأسد، كشاهد زور “في منظمة مشلولة وعاجزة ومُفسِدة”.