مقديشو- تواجه تركيا اختباراً غير مألوف لنفوذها في الصومال، بعدما بات حضورها العسكري أكثر ارتباطاً بالصراع السياسي الداخلي في البلاد، في وقت تتصاعد فيه المواجهات بين الحكومة الفيدرالية وقوى محلية معارضة لها، خصوصاً في ولاية جنوب غرب الصومال.
وأثار دخول مقاتلات وطائرات مسيرة إلى المعارك الأخيرة في بيدوا اهتماماً واسعاً بدور أنقرة، بعدما أفادت تقارير بأن طائرة تركية من طراز إف-16 غادرت مقديشو بالتزامن مع المعارك التي اندلعت الاثنين بين القوات الحكومية ومقاتلين موالين للرئيس السابق لولاية جنوب غرب الصومال عبدالعزيز لفتاغارين. وأعلنت مصادر عسكرية صومالية أن القوات الفيدرالية استعادت السيطرة على مواقع داخل المدينة بعد مواجهات عنيفة.
ولا تبدو هذه المواجهات حادثاً معزولاً، إذ تعود جذور الأزمة في جنوب غرب البلاد إلى صراع سياسي على السلطة بين الحكومة المركزية والقيادات الإقليمية، في ظل خلافات حول الانتخابات وإدارة الولايات الفيدرالية. وقد شهدت بيدوا خلال الأشهر الماضية مواجهات متكررة بين قوات موالية للحكومة وقوات مرتبطة بالقيادة السابقة للولاية.
وتجد تركيا نفسها في قلب هذه المعادلة بحكم الشراكة التي بنتها مع مقديشو على مدى نحو 15 عاماً. فمنذ زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى الصومال عام 2011، تحولت تركيا من طرف يركز على المساعدات الإنسانية والإغاثة إلى أحد أبرز الشركاء الخارجيين في مجالات البنية التحتية والصحة والتعليم والأمن. وكانت تلك البداية مختلفة عن صورة التدخل العسكري التي ارتبطت بقوى خارجية أخرى في المنطقة.
◄ وجود تركيا في البلاد يتقاطع مع حسابات البحر الأحمر وخليج عدن، ومع التنافس الإقليمي والدولي على الموانئ والطاقة والممرات البحرية
لكن طبيعة العلاقة تغيرت تدريجياً. ففي 2017 افتتحت تركيا قاعدة «تركصوم» في مقديشو، التي أصبحت مركزاً رئيسياً لتدريب الجيش الصومالي، ولا سيما وحدات «غورغور» الخاصة. وبحسب دراسات متخصصة، دربت تركيا آلاف الجنود الصوماليين خلال السنوات الماضية، فيما أصبحت جزءاً أساسياً من عملية بناء المؤسسات الأمنية في البلاد.
وتوج هذا المسار باتفاقية التعاون الدفاعي والاقتصادي الموقعة في فبراير 2024، والتي صادق عليها الجانب الصومالي، وتلتزم تركيا بموجبها بالمساعدة في بناء وتدريب وتجهيز البحرية الصومالية، وتعزيز أمن المياه الإقليمية. ويمتد الاتفاق لعشر سنوات، ما يمنح الشراكة بعداً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي.
كما اتسعت المصالح التركية إلى المجال الاقتصادي والاستراتيجي، مع استثمارات في الموانئ والطيران والطاقة، وتزايد الاهتمام التركي بالموارد البحرية والنفط والغاز الصوماليين. وبذلك أصبح الصومال بالنسبة إلى أنقرة أكثر من ملف مساعدات أو مكافحة لحركة الشباب؛ فهو نقطة ارتكاز في القرن الأفريقي وموقع مهم على خليج عدن وبالقرب من طرق التجارة الدولية.
غير أن هذا التوسع يحمل معه كلفة سياسية محتملة. فكلما زاد اعتماد الحكومة الفيدرالية على الدعم التركي، أصبح من الصعب على أنقرة الحفاظ على صورة الطرف الخارجي الذي يقف على مسافة واحدة من الخلافات السياسية الصومالية.
وتبرز حادثة دولو مثالاً على هذه الحساسية. ففي الثالث من سبتمبر، وقعت انفجارات في منزل القيادي الأمني السابق مهدي عبدالرحمن، المعروف باسم «شوب». واتهمت جهات محلية تركيا بتنفيذ ضربة جوية استهدفت المنزل، وهو اتهام أدى إلى احتجاجات ضد أنقرة في مناطق من جوبا لاند، فيما قدمت الحكومة الفيدرالية رواية مختلفة عن أسباب الانفجار. وتبقى ملابسات الحادث ومسؤولية أي جهة عنه موضع خلاف.
لكن مجرد تحول تركيا إلى طرف متهم في الاحتجاجات يمثل بحد ذاته تطوراً لافتاً. فقد شهدت مناطق في جوبا لاند مظاهرات رفعت شعارات ضد أنقرة، ووصل الأمر إلى إحراق أعلام تركية، بينما ظهرت في المقابل مظاهرات مؤيدة للشراكة التركية في بيدوا، بما يعكس انقساماً في المواقف المحلية تجاه الدور التركي، وليس رفضاً عاماً موحداً لتركيا.
◄ كلما زاد اعتماد الحكومة الفيدرالية على الدعم التركي، أصبح من الصعب على أنقرة الحفاظ على صورة الطرف االذي يقف على مسافة واحدة من الخلافات الداخلية في الصومال
وهنا تظهر المعضلة التي تواجهها أنقرة: الشراكة مع الدولة الصومالية تمنحها نفوذاً استراتيجياً ومصالح اقتصادية وأمنية واسعة، لكنها في الوقت نفسه تربطها أكثر بالصراعات الداخلية التي يصعب حسمها عسكرياً.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن تركيا فقدت رصيدها في الصومال. فالحكومة الفيدرالية ما زالت تنظر إلى أنقرة باعتبارها شريكاً أمنياً مهماً، كما أن قطاعات واسعة من الصوماليين ما زالت تنظر بإيجابية إلى الدور التركي، خصوصاً في مجالات التنمية والتدريب العسكري. لكن الانتقال من صورة الشريك التنموي إلى صورة طرف في الاستقطاب السياسي يضع هذا الرصيد أمام اختبار جديد.
وتزداد حساسية المسألة بسبب الموقع الجغرافي للصومال. فوجود تركيا في البلاد يتقاطع مع حسابات البحر الأحمر وخليج عدن، ومع التنافس الإقليمي والدولي على الموانئ والطاقة والممرات البحرية. وتربط دراسات استراتيجية توسع الدور التركي في الصومال برغبة أنقرة في تثبيت موقعها في القرن الأفريقي والوصول إلى طرق التجارة والأسواق والموارد البحرية.
لذلك قد يكون السؤال بالنسبة إلى تركيا في المرحلة المقبلة ليس ما إذا كانت ستبقى في الصومال، وإنما كيف تحافظ على نفوذها من دون أن تتحول إلى جزء من الانقسام السياسي الداخلي. فكل توسع عسكري جديد قد يعزز قدرة الحكومة على مواجهة خصومها، لكنه في المقابل قد يضعف قدرة أنقرة على تقديم نفسها باعتبارها شريكاً لبناء الدولة الصومالية ككل.
وبينما تبدو الشراكة التركية ــ الصومالية أكثر رسوخاً من أي وقت مضى، فإن التطورات الأخيرة تضع أمامها معادلة صعبة: كلما زاد النفوذ التركي، ارتفع أيضاً حجم المسؤولية السياسية والكلفة المرتبطة به. وما إذا كان هذا النفوذ سيبقى رصيداً لأنقرة أو يتحول إلى عبء، سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرتها على موازنة مصالحها الاستراتيجية مع تعقيدات الصراع الصومالي الداخلي.