لا أعرف إن كانت الوثيقة التي نشرتها صحيفة “الأخبار” تحت عنوان “كيف نتخلّص من “الحزب”؟” وثيقة نهائية أعدّها مجلس الأمن القوميّ الأميركيّ ورفعها إلى الرئيس دونالد ترامب، أم لا. نضع عبء التحقّق من أصالتها في ذمّة ناشرها رئيس التحرير إبراهيم الأمين. فبصرف النظر عن مصدرها، نحن أمام نصّ يستحقّ النقاش، لأنّه يقدّم واحدة من أكثر المقاربات تماسكاً لكيفيّة التعامل مع “الحزب”.
تقدّم الوثيقة، من وجهة نظر أدبيّات الجماعات المسلّحة ومكافحة التمرّد وبناء الدولة، تشخيصاً صحيحاً إلى حدّ بعيد لحالة “الحزب” الذي يتفرّد عن بقيّة الجماعات المسلّحة في العالم ليس من حيث حجم قوّاته وتسليحه إنّما وبشكل أساسيّ من حيث تعدّد الوظائف التي يشغلها بالنسبة للحيّز الاجتماعيّ الشيعيّ الذي خرج منه، إلى الدولة التي ينازعها على وظيفتها الأساسيّة، ألا وهي احتكار العنف المشروع وتحرير الأرض. فالحيّز الإقليميّ والدوليّ كفاعل لا دولتيّ هو امتداد لولاية الفقيه وجزء أصيل من الحرس الثوريّ الإيرانيّ، يشكّل خطّ الدفاع المتقدّم لاستراتيجية الأمن القوميّ الإيرانيّة ورأس حربتها الخارجيّ في حربها ضدّ الولايات المتّحدة وإسرائيل ومشروع سيطرتها على الإقليم.
تتعامل الوثيقة مع “الحزب” كمنظومة متعدّدة الطبقات: نواة عسكريّة وأمنيّة، تنظيم سياسيّ، بلديّات وفاعلون محلّيّون، شبكة خدمات ورعاية، طبقة وسطى شيعيّة، ومجتمع ارتبط بـ”الحزب” بمزيج معقّد من الهويّة والمصلحة والحماية والخوف والذاكرة والكرامة الجماعيّة.
معضلة “الحزب” في لبنان
من هذا التشخيص تصل الوثيقة إلى الاستنتاج الصحيح الذي حاولت في أكثر من مقال تفنيد فيها عثرات الخطط الأميركيّة والدوليّة في التعاطي مع ما يعتبرونه “معضلة الحزب في لبنان”، وهو أنّك لا يمكن أن تطالب مجتمعاً بالتخلّي عن منظومة حماية موازية فيما الدولة التي يُطلب منه الاحتماء بها غير قادرة على الرعاية، ولا أن تطلب من “الحزب” تسليم سلاحه ليندمج في دولة فاشلة ساهم هو بشكل أساسيّ في فشلها من ضمن لاعبين كثر لا يبدو أنّ الخطّة تلتفت إليهم.
لكن مع ذلك يبدو اقتراح السير في مسارات متوازية الحلّ الأكثر منطقيّة: انسحاب إسرائيليّ وضمانات أمنيّة، انتشار فعليّ للجيش، إعادة إعمار، إصلاح مؤسّسات الدولة، معالجة أموال المودعين واستعادة الخدمات، بالتزامن مع تضييق الخناق الماليّ والقانونيّ والأمنيّ على النواة العسكريّة لـ”الحزب”.
حسناً، لا تريد الخطّة كسر البيئة الحاضنة، بل جعل الدولة أكثر قدرة على تلبية احتياجاتها من التنظيم الذي حلّ مكانها، وهذه ليست فكرة ساذجة، بل لعلّها أكثر عقلانيّة من معظم المقاربات التي جُرّبت حتّى الآن.
مقتل الخطّة
تبدأ المشكلة عندما تصل الوثيقة إلى السؤال الأصعب: من هي الدولة التي ستنفّذ هذا المشروع؟
يبدو أنّ واضع الخطّة يعرف لبنان جيّداً بما يكفي كي يخاف من الإجابة. يعرف ترهّل المؤسّسات، والفساد والمحسوبيّات والهدر وسوء الإدارة، وقدرة الطبقة السياسيّة على ابتلاع أموال الإعمار، كما يعرف تغلغل “الحزب” وحلفائه في سراديب الدولة وأجهزتها. لذلك يصل إلى حلّ يبدو للوهلة الأولى منطقيّاً: إذا كانت الدولة التي نريد بناءها عاجزة عن تنفيذ مشروع بناء الدولة، فلنبنِ جهازاً جديداً. العقل نفسه الذي أنتج مجلس السلام بدل الأمم المتّحدة في غزّة.
هكذا تولد “هيئة إعادة بناء الدولة اللبنانيّة”LSRA: لتكون جسماً لبنانيّاً بالقانون والقيادة، دوليّاً في الرقابة والتدقيق، يمتلك سلطة الإنفاق، ويدير المناقصات رقميّاً، ويدفع مباشرة إلى المستفيدين، ويتجاوز الوزارات ويحمي أربعين مليار دولار من شبكات الزبائنيّة السياسيّة. تمام، لكن إن أخذنا من المؤسّسات القائمة المال والكفاءات والتكنولوجيا وسلطة التعاقد والقدرة على الإنجاز ووضعناها في جسم موازٍ، نكون قد حللنا مشكلة التنفيذ على حساب الغاية من التنفيذ: بناء قدرة الدولة نفسها.
يشكّل المقترح في حدّ ذاته أزمة تهدّد بنسف الخطّة برمّتها يصفها البروفسور David Lake في كتابه The Statebuilder’s Dilemma كالتالي: يحتاج باني الدولة الخارجيّ إلى سلطة محليّة تتمتّع بالشرعيّة أمام مواطنيها، لكنّه يريد في الوقت نفسه سلطة يثق بأنّها ستلتزم الأهداف التي استثمر من أجلها. وكلّما زادت حاجته إلى ضمان الثانية، وسّع أدوات الرقابة والسيطرة، وخاطر بإضعاف الأولى. إنّها، باختصار، معضلة الشرعيّة والولاء التي يفرد لها فصولاً وصفحات تشرح لماذا فشلت الولايات المتّحدة في بناء الدولتين العراقيّة والأفغانيّة.
الـLSRA تكاد تكون نموذجاً مثاليّاً ثالثاً إن طُبّقت، فما يجعلها موثوقة في نظر المانحين هو نفسه ما قد يجعل شرعيّتها موضع شكّ لدى اللبنانيّين. والأسوأ أنّ الوثيقة تريد إنهاء الثنائيّة بين الدولة و”الحزب” باختراع ثنائيّة جديدة بين الدولة وهيئة إعادة بناء الدولة. فنصبح أمام دولة لبنانيّة ضعيفة، ودولة موازية بناها “الحزب” خلال أربعة عقود، ودولة مانحين موازية يفترض أن تهزم الثانية.
عندما تنقلب الوسيلة إلى شرط
كان يمكن تجاوز هذه المعضلة لو أنّ السياسة الأميركيّة الفعليّة التزمت على الأقلّ بالفلسفة الأساسيّة للوثيقة، لكنّها في التطبيق بدأت تفعل العكس. فالوثيقة تصرّ على التوازي، وهو مسار كانت بدأت فيه المبعوثة الرئاسيّة مورغان أورتاغوس ورفضه لبنان، إلى أن وصلنا بعد عدّة مبعوثين وحرب إقليميّة، إلى اتّفاق تقوم فكرته المركزيّة عبر “المناطق النموذجيّة”، على علاقة أكثر تسلسلاً بين نزع السلاح والتحقّق منه، وتثبيت سيطرة الجيش، ثمّ الانسحاب الإسرائيليّ التدريجيّ والإعمار وعودة السكّان. ديناميّة الثواب والعقاب القاتلة لأيّ سلطة تحاول إثبات شرعيّتها وهيبتها أمام مواطنيها.
إسرائيل ليست تفصيلاً
تفكّك الوثيقة بعناية علاقة البيئة الشيعيّة بـ”الحزب” إلى طبقات من الهويّة والمصلحة والخدمات والحماية والذاكرة، من دون أن تمنح الدور الإسرائيليّ وزناً مماثلاً في تفسير نشوء هذه العلاقة واستمرارها. فالتهديد الإسرائيليّ في الوعي الجمعيّ لجزء كبير من أهل الجنوب ليس مجرّد “سرديّة” أنتجها “الحزب” ويمكن للدولة منافستها بسرديّة أكثر جاذبيّة، بل خبرة تاريخيّة وواقع يوميّ صنعته عقود من الاحتلال والاجتياحات والحروب والاغتيالات وتدمير القرى المستمرّ بوحشيّة لا سابق لها حتّى الآن.
لذلك لا يكفي أن تكون الدولة بديلاً اقتصاديّاً واجتماعيّاً عن “الحزب”، بل عليها أن تصبح بديلاً أمنيّاً قابلاً للتصديق. وهذه ليست مهمّة لبنان وحده، بل تتوقّف أيضاً على سلوك إسرائيل وعلى قدرة ورغبة واشنطن في إلزامها بوقف التدمير المنهجيّ للقرى وتشييد البنية التحتيّة لاحتلال طويل الأمد والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانيّة.
روبيو ضدّ روبيو؟
تبدو المفارقة أنّ اختلاف الرؤى بين مجلس الأمن القوميّ والخارجيّة لم يختفِ حتّى بعدما جمع ماركو روبيو رئاسة المؤسّستين: فإمّا أنّ الوثيقة تمثّل اجتهاداً داخل المجلس لم يتحوّل إلى سياسة، وإمّا أنّ روبيو-الخارجيّة يقدّم ضرورات التفاوض والأمن الآنيّة على رؤية روبيو-مجلس الأمن القوميّ البعيدة المدى، وفي الحالتين لم تختفِ الفجوة بين الاستراتيجية والتنفيذ عندما اختفت الفجوة بين اسمَي المسؤولين عن المؤسّستين.
درس روبرت فورد
هنا تصبح التجربة العراقيّة مدعاة للتأمّل والتفكير، خاصّة مع انسحاب آخر جنديّ أميركيّ بعد ثلاثة وعشرين عاماً على الغزو الذي أسقط نظام صدّام وترك خلفه دولة يخنقها الفساد والسلاح في تشابه مع الواقع اللبنانيّ ما عدا الفارق الخيالي في الأرقام المنهوبة. أستدعي هنا شهادة السفير الأميركيّ السابق روبرت فورد الذي شرح تحديداً كيف تتّسع الفجوة بين الاستراتيجية الأميركية وتنفيذها.
فورد ليس ناقداً خارجيّاً، فقد عمل ممثّلاً لبول بريمر، الحاكم المدنيّ الأميركيّ للعراق بعد الغزو، في النجف، ثمّ رأَس القسم السياسيّ في السفارة الأميركيّة في بغداد، وعاد عام 2022 ليكتب عن “الفشل الأميركيّ وأزمة العراق”، معترفاً بشعوره بـ”الأسف والفشل الشخصيّ”. والأهمّ في شهادته أنّه لا يقول إنّ واشنطن لم تكن تعرف، بل يكشف أنّها كانت تعرف أحياناً ثمّ تفعل شيئاً آخر.
يقول إنّ السفارة عرفت عام 2005 أنّ الجدول الذي فرضته واشنطن لكتابة الدستور غير واقعيّ ونصحت بتغييره، لكنّ واشنطن رفضت. كما يعترف بأنّ الأميركيّين، وهو بينهم، كانوا “سذّجاً” حيال الميليشيات: اعتقدوا أنّ دخول قادتها إلى السياسة سيدفعهم تدريجياً إلى التخلّي عن السلاح، لكنهم دخلوا البرلمان والحكومة واحتفظوا به. ثمّ عندما عادت القوّات الأميركيّة عام 2014 وأصبحت الأولويّة هزيمة “داعش”، قبلت واشنطن تحالفات تكتيكيّة مع ميليشيات موالية لإيران. كان الهدف الاستراتيجيّ بناء دولة تحتكر القوّة، لكنّ الضرورة التكتيكيّة انتصرت عليه.
تكرّر الأمر مع الفساد. فقد شخّصت واشنطن المشكلة وأنشأت أجهزة لمكافحتها، لكنّ فورد يروي أنّ القسم السياسيّ في السفارة ضمّ عشرين دبلوماسيّاً لمتابعة الأزمات السياسيّة اليوميّة، فيما لم يضمّ مكتب المساعدة في مكافحة الفساد سوى موظّفين اثنين لا يتحدّثان العربية. وحين ظهرت التدخّلات السياسيّة في تحقيقات الفساد، يقول ببساطة: “لم نتحرّك”. كانت الأولوية للأزمة العاجلة لا للمشكلة البعيدة المدى.
ثمّ كتب بعد سنوات جملته البليغة: “إذا عشت طويلاً بما يكفي، فسترى المدى البعيد يصل”. If you live long enough, you finally see the long-term arrive.
تتعامل الوثيقة مع “الحزب” كمنظومة متعدّدة الطبقات: نواة عسكريّة وأمنيّة، تنظيم سياسيّ، بلديّات وفاعلون محلّيّون
هل تعلّم روبيو درس فورد؟
تبدو الوثيقة اللبنانيّة كأنّها تعلّمت درس العراق، لكنّها تقع في التناقض نفسه مجدّداً. تريد بناء دولة تحتكر السلاح، ثمّ تنتزع منها وظائفها عبر الـ LSRAالتي تقوّض شرعيّتها، وتريد أن تجعل الأمن والانسحاب والإعمار أدوات تتيح نزع السلاح، فيما يهدّد التنفيذ بتحويل نزع السلاح إلى شرط للحصول عليها، فتعود معضلة البروفيسور Lake ومعها درس فورد عن انتصار الضرورة التكتيكيّة على الاستراتيجية البعيدة المدى.
تستطيع واشنطن أن تنتج تشخيصاً صحيحاً وخطّة متماسكة، لكنّ معرفة الخطأ لا تمنعها بالضرورة من تكراره عندما تعيد الضرورات الأمنيّة والمصالح الآنيّة كتابة الاستراتيجية أثناء تنفيذها، وحتماً تبقى المصلحة الإسرائيليّة فوق كلّ اعتبار.
