ملخص
يتردد في الأعوام الأخيرة حديث عن “نهاية المثقف”، مما يوحي بأن النخب الفكرية التي كانت تحتل موقعاً مهماً في الحياة العامة قد أخذ حضورها في الانحسار، حتى أوشك أن يغيب، فقد عرف القرن الـ20 مثقفين فاعلين أثروا في النقاشات السياسية والأخلاقية والاجتماعية كإميل زولا، وجان بول سارتر، وألبير كامو، وريمون آرون، وأندريه مالرو، وفرنسوا مورياك، وميشال فوكو، وغيرهم. أما اليوم فتبدو الساحة الفكرية أكثر تشتتاً وتعدداً، إذ تتوزع الأصوات على عدد من أساتذة الجامعات، وكبار الصحافيين والكتاب، وبعض المؤثرين على المنصات الرقمية ووسائل الإعلام المختلفة.
لم يعد المثقف يحتل بالضرورة الموقع الطليعي المتعلق بالدفاع عن الحرية والحقيقة والعدالة وحقوق الإنسان الذي كان يشغله من قبل، مما يطرح سؤالاً عن طبيعة التحولات التي طرأت على دوره في المجتمع.
غير أن السؤال عن “اختفاء المثقف” يحتاج إلى شيء من الحذر، لأن ما تغير قد يكون صورة المثقف وموقعه ووسائل حضوره أكثر مما تغيرت الحاجة إلى الفكر نفسه. وتساعدنا أعمال ميشال فينوك، الكاتب والمؤرخ الفرنسي المتخصص في التاريخ السياسي والفكري للقرنين الـ19 والـ20، لا سيما كتابه “الكتاب في المعمعة، من الثورة الفرنسية إلى أعوام سارتر”، الصادر حديثاً في باريس عن منشورات “فلاماريون” (2026) على رصد هذا التحول وفهمه ضمن مسار تاريخي طويل كثيراً ما ميز فرنسا.
يجمع الكتاب الجديد ثلاثة أعمال سبق لفينوك أن نشرها في مؤلفات مستقلة بين الأعوام 1997 و2017، قبل أن يستعيدها ضمن رؤية متكاملة ترسم لوحة تاريخية واسعة ترصد حضور الأدباء والمفكرين في الحياة العامة، كاشفاً عن دور الأدب والفلسفة في تشكيل النقاشات الفكرية والسياسية والاجتماعية على مدى قرنين من الزمن، طارحاً السؤال الآتي: ماذا يستطيع الكاتب أن يفعل في المجتمع، وماذا يحدث لأفكاره عندما تدخل المعترك السياسي؟
النقاشات الفكرية
ينطلق فينوك من تتبع موقع الكتاب والمفكرين في الحياة العامة منذ الثورة الفرنسية حتى مايو (أيار) 1968، مبرزاً انتظامهم في أزمات عصورهم، ودورهم في بلورة النقاشات الفكرية والسياسية والاجتماعية والتأثير في مساراتها. وإذا كانت شخصية “المثقف” قد تبلورت بوضوح مع إميل زولا في سياق قضية دريفوس، حين دين الضابط اليهودي ظلماً بتهمة الخيانة العظمى في ظل تصاعد معاداة السامية في فرنسا، فإن جذور هذه الشخصية تعود إلى بدايات القرن الـ19، لتتواصل تحولاتها وتتسع أدوارها طوال القرن الـ20. فمنذ شاتوبريان ومدام دو ستايل وبنيامين كونستان ارتبطت الكتابة بمسألة الحرية وبمواجهة التسلط.
ولا يقدم فينوك هؤلاء المثقفين كنماذج مثالية، فهو يبين تناقضاتهم وتحولاتهم الفكرية والسياسية، والتوتر بين المبادئ التي دافعوا عنها ومصالحهم وطموحاتهم الشخصية، فكونستان اتخذ في مراحل مختلفة من حياته مواقف ملكية وجمهورية وبونابرتية، لكنه ظل “على رغم مواطن الضعف في طبعه، متمسكاً بلا هوادة بأفكاره الليبرالية”، أما شاتوبريان فكان يتحرك باستمرار “على جبهتي الدفاع عن مبدأ الحرية، والوفاء في الوقت عينه لنظام العهد القديم”.
هنا يتجلى غنى الكتاب، إذ يتوقف فينوك عند التناقضات التي طبعت مسار بعض المثقفين والتحولات التي شهدتها مواقفهم، ويستكشف طموحات الذين سعوا إلى ترك بصمة في عصرهم، والإسهام في صياغة ملامحه الفكرية والسياسية، مبيناً كيف أخذ الكاتب والمفكر يحتل موقعاً متزايداً في المجال العام، وكيف أصبحت الصحافة والأدب والفلسفة والأغنية وسائل للتأثير في الرأي العام.
قلق السلطة
في الجزء الأول الموسوم “أصوات الحرية”، يدرس فينوك القرن الـ19، منذ عودة الملكية إلى جنازة فيكتور هوغو، مشيراً إلى النضالات ضد الرقابة، وثورة الأيام الثلاثة المجيدة، وآمال عام 1848 وخيباته، ومنفى هوغو، وكومونة باريس، فضلاً عن تلك الأصوات الشعبية التي كانت تثير قلق السلطة، مؤكداً أن الكلمة الرصينة كانت قادرة على الدخول إلى الشارع لتصبح جزءاً من النقاش السياسي والتحركات الجماهيرية. هكذا ظهر مع زولا وقضية دريفوس نموذج المثقف الذي يضع شهرته وسلطته الرمزية في خدمة قضية تتجاوز مصالحه الخاصة، مدافعاً عن الحقيقة والعدالة والحرية.
وقد ارتبط هذا النموذج بتراث أقدم يعود إلى القرن الـ18مع فولتير والموسوعيين، وإلى الاعتقاد بأن الأفكار تستطيع أن تؤثر في التاريخ، وأن الكتابة يمكن أن تصبح فعلاً عاماً. ويؤكد فينوك أن فرنسا كانت أكثر من غيرها مهيأة لهذا النموذج بسبب إرث التنوير والثورة الفرنسية والمكانة الاستثنائية التي احتلها الأديب والكاتب والفيلسوف في ثقافتها.
أما الجزء الثاني المعنون “انحطاط نهاية القرن” فيدرس تلك المرحلة من تاريخ فرنسا المثقلة بالقلق والانقسامات والصراعات والتساؤلات الفلسفية والسياسية والحنين إلى الماضي وتراجع الإيمان، وتداخل الإحساس بالانحطاط مع البحث عن أفق جديد من خلال تتبع أفكار المثقفين وصداقاتهم وصراعاتهم وتناقضاتهم، راسماً تاريخاً حياً لدور الكاتب والمفكر في المجتمع، كاشفاً عن أن الكلمة العلنية قد تتغير أشكالها ودرجة تأثيرها، إلا أنها تظل حاضرة في المجال العام.
لكن هذا الحضور حمل معه خطر تحول الفكر إلى أداة في خدمة عقيدة سياسية. هكذا يميز فينوك بين نموذجين كبيرين للمثقف الفرنسي، الأول هو المثقف الدريفوسي الذي يجعل شهرته في خدمة قضية كونية مثل الحقيقة والعدالة والحرية، والثاني هو المثقف الحزبي الذي يضع معرفته ومكانته في خدمة حزب أو منظومة أيديولوجية. وقد رأى الفيلسوف جوليان بندا في هذا التحول صورة من “خيانة رجال الفكر”، بينما وجه ريمون آرون في “أفيون المثقفين” نقداً شديداً إلى المثقفين الماركسيين الذين رأى في مواقفهم تساهلاً مع الاستبداد السوفياتي.
بين الفكر والإيديولوجيا
أما في الجزء الثالث فيتوقف فينوك عند القرن الـ20 كاشفاً الوجه المأسوي للارتباط بين الفكر والأيديولوجيا، إذ وقع مثقفون كبار في أخطاء جسيمة، ودافع بعضهم عن أنظمة أو مشاريع سياسية كشف التاريخ لاحقاً عن كلفتها الإنسانية. فحاول تفسيرها من خلال الانحيازات المعرفية، ووهم السيطرة، وآليات تبرير الذات، وتأثير الاتساق الأيديولوجي في قدرة الفرد على الاعتراف بخطئه.
ويلفت فينوك إلى هذه المفارقة من خلال مواقف عدد من المثقفين اليساريين الذين افتتنوا بالاتحاد السوفياتي وماو تسي تونغ، مستعيداً إعجاب سيمون دو بوفوار بماو، وتسامح بعض الصحافة الفرنسية مع نظام الخمير الحمر، فضلاً عن إعجاب سارتر بكاسترو ودعم فوكو الثورة الإيرانية. وتكشف هذه الوقائع عن الوجه الملتبس للالتزام الفكري حين يفقد المثقف مسافته النقدية، فيتحول من مساءلة السلطة إلى تبريرها، ومن الدفاع عن الإنسان إلى الصمت أمام انتهاك حريته وكرامته.
لكن اختزال تاريخ المثقف في أخطائه يؤدي إلى صورة ناقصة، فالمثقفون كانوا أيضاً من الذين أسهموا في تطوير مفاهيم التنوير، وفصل السلطات، ونقد التعصب، وتوسيع مفهوم الحقوق، لذا لا ينبغي أن يقود اكتشاف أخطاء المثقفين إلى التخلي عنهم، فالخطأ على ما يقول فينوك جزء من تاريخ التفكير، والخطر الحقيقي يظهر عندما تتحول الفكرة إلى عقيدة مغلقة تعفي صاحبها من مراجعة الواقع.
من هذه الزاوية نفهم الحديث عن “اختفاء المثقف”، فقد تراجعت شخصية المثقف الذي كان يتحدث باسم المجتمع أو يقدم نفسه كمرشد فكري لجيل كامل. ويؤكد فينوك أن النموذجين التقليديين، الدريفوسي والحزبي، فقدا جزءاً كبيراً من أسباب وجودهما التاريخية، فالمثقف الدريفوسي تنافسه اليوم الجمعيات والحركات المدنية والأصوات الفردية التي تستطيع التعبير عن مواقفها مباشرة عبر الصحافة والإنترنت، بينما تراجع المثقف الحزبي مع انحسار الأيديولوجيات الكبرى، ولا سيما بعد أحداث 1956 وسقوط جدار برلين عام 1989.
ولعل هذا التحول يفسر لماذا أصبح من الصعب اليوم التحدث عن “المثقف اليساري” بالمعنى القديم للكلمة. ذلك أن انتصار الديمقراطية وتغير البنية الاجتماعية والسياسية جعلا المثقف أقل حاجة إلى الاضطلاع بدور “القوة المضادة” للسلطة السياسية، كذلك فإن الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار فقد جزءاً من وضوحه بسبب نهاية عالم الكتلتين، والعولمة، وتعقد العلاقات الدولية، والقضية الفلسطينية، والمشروع الأوروبي، وتحولات الاقتصاد والمجتمع.
صورتا المثقف والمفكر
هنا يقترح فينوك تحولاً دالاً تتراجع فيه صورة “المثقف” لمصلحة صورة “المفكر” الذي يحاول فهم العالم وتشخيص قضاياه الكبرى، والنظر إلى التاريخ من مسافة تسمح بإعطاء معنى للتحولات الراهنة، مما ينسجم مع واقع الحياة الفكرية المعاصرة. ويلاحظ أن اختفاء بعض الأسماء الكبرى من الشاشات لا يعني تراجع الفكر، فثمة أسماء لا تزال حاضرة كريجيس دوبريه وآلان باديو ولوك فيري وآلان فينكلكرو وإدغار موران قبل وفاته… إلخ. وقد تكون المشكلة في “طريقة ظهور المثقفين أكثر من وجودهم الفعلي”، لأن الإعلام المرئي والمسموع يركز على أصوات محدودة ومواجهات سريعة، بينما يتواصل العمل الفكري في الكتب والجامعات والمجلات والندوات ومراكز البحث، وقد أبرز فينوك أهمية بعض المجلات الفكرية، بوصفها فضاءات أساسية لإنتاج الأفكار ونشرها.
لذا يمكن القول إن ما تبدل هو بنية المجال العام، ففي الماضي كان الكتاب والصحيفة والمنبر السياسي قنوات رئيسة للسلطة الفكرية، أما اليوم فقد دخلت المنصات الرقمية والشبكات الاجتماعية والبودكاست والقنوات التلفزيونية والراديو إلى هذه البنية، وقد أتاحت هذه الوسائط مشاركة عدد أكبر من الناس، لكنها أسهمت في الوقت عينه في تفتيت النقاش العام وفي تسريع الإيقاع الذي تستهلك فيه الأفكار.
هنا يظهر الفرق بين ما يمكن تسميته المثقف “الشمولي” والمثقف المتخصص، فقد كان سارتر يمثل نموذج المثقف الواسع التدخل، يكتب في الفلسفة والأدب والسياسة ويتدخل في كل قضايا عصره، أما فوكو فقد دفع النقاش في اتجاه “المثقف النوعي” الذي يستمد شرعيته من مجال معرفته ومن موقعه في مؤسسة أو ممارسة اجتماعية محددة، علماً أن هذا النموذج قد أصبح أكثر حضوراً مع توسع العلوم والاختصاصات.
وقد يكون هذا التحول نتيجة طبيعية لتعقد وتشعب العالم، فالقضايا المعاصرة تحتاج إلى معرفة دقيقة بالاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والبيئة والقانون والسياسة الدولية. ومن الصعب أن يمتلك شخص واحد الأدوات اللازمة للإحاطة بكل هذه المجالات، لذلك أصبح المثقف موزعاً بين متخصصين وباحثين وفلاسفة ومؤرخين وصحافيين ومفكرين، ولو أن التخصص يحمل خطر فقدان الرؤية الكلية، فالأزمات الكبرى التي يعيشها العالم، من تغير المناخ إلى الذكاء الاصطناعي، ومن الحروب والتطرف إلى التحولات الاجتماعية، تتجاوز حدود التخصص الواحد، وتحتاج إلى أصوات قادرة على الربط بين المعرفة العلمية والسؤال الأخلاقي والسياسي والإنساني.
دور الإعلام
وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب تحول الإعلام إلى عنصر أساس في صناعة المكانة الفكرية، لذا ميز فينوك بوضوح بين المثقف الذي يستند حضوره إلى عمل فكري والمثقف الذي يعتمد على الظهور التلفزيوني، فهو يرى أن سارتر وكامو وآرون بنوا تأثيرهم على أعمالهم، بينما أصبحت الشهرة اليوم أكثر ارتباطاً بالحضور الإعلام. أما في البيئة الرقمية فأصبحت المشكلة أكثر وضوحاً، فهناك من يكتسب حضوره من إنتاج المعرفة، وهناك من يكتسبه من قدرته على خلق التفاعل والجدل والانتشار في فضاء يزداد فيه الانفعال سرعة، وتتراجع فيه المساحات المخصصة للتفكير الرصين، وتتشكل النقاشات داخل دوائر متجانسة من المتلقين.
وقد يكون “اختفاء المثقف” في جانب منه اختفاء للصوت الهادئ أمام أصوات أكثر قدرة على اجتذاب الانتباه، مما يؤكد حاجة المجتمع إلى من يبطئ سرعة الحكم، ويعيد تركيب الوقائع، ويفصل بين الحدث وتأويله، وبين الرأي والمعرفة، وبين الموقف الأخلاقي والدعاية السياسية.
هنا تكتسب فكرة فينوك عن “المفكر” دلالتها، فهو يقترح شخصية قادرة على أخذ مسافة من المنافسات الحزبية، وعلى النظر إلى القضايا الكبرى من موقع يسمح بالفهم قبل الحكم، وفي هذا التصور تظل الأخلاق عنصراً جوهرياً في ممارسة النشاط الثقافي.
في نهاية المطاف تكمن المسألة إذاً في “اختفاء نموذج معين من المثقف”، في مقابل ظهور أشكال جديدة من “المفكرين العموميين” موزعة على الجامعات والمجلات والكتب والمنصات الرقمية والمؤسسات البحثية، لذلك انطلق فينوك من صور تحديد المكانة التي ينبغي أن يحتلها الكاتب والمفكر في المجال العام، وفي كيفية تدخله في القضايا العامة مع الحفاظ على استقلاله الفكري، بعيداً من التبعية لأيديولوجيا أو الارتهان لمنطق الإعلام. ولربما كانت العودة إلى استقلال الحكم والحرية الفكرية والصدق الأخلاقي والقدرة على مراجعة الموقف، والاستعداد لمواجهة الواقع حتى عندما يناقض التصورات المسبقة هي التي تصون موقع المثقف الذي لا يستمد قيمته من كونه معصوماً من الخطأ، وإنما من قدرته على الاعتراف بإمكان الخطأ وعلى مقاومة الإغراء الذي يحول الفكرة إلى عقيدة مغلقة.
هكذا يكشف كتاب فينوك أن “اختفاء المثقف” يعكس تراجع نموذج تاريخي من الحضور أكثر مما يعني اختفاء الفكر، فقد تغيرت الأدوات وتعددت الأصوات وتوزعت المعرفة، فيما ظلت الحاجة قائمة إلى من يفسر الأحداث، ويضعها في سياقها، ويمارس النقد والمراجعة. والمهم ألا يتحول الحديث عن “موت المثقف” إلى موت السؤال، لأن المجتمعات تظل في حاجة إلى أصوات تمنح الأزمات مفاهيمها، وتتيح فهماً أعمق لتناقضاتها.
