
سجلت أسعار الديزل في محطات الوقود بالاتحاد الأوروبي مستوى قياسياً جديداً بلغ معدله الوسطي 2.23 يورو للتر الواحد، مقارنة بـ2.16 يورو منذ أسبوعين، بينما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تصريح له في 27 أيلول/سبتمبر الماضي، إنه يدرس بجدية فرض حظر على صادرات الديزل الأميركية (حوالي مليوني ليتر يومياً)، في محاولة للحد من ارتفاع أسعار الوقود في السوق المحلية. وهذا التهديد إن تحقق سيزيد من حدة صدمة الطاقة الجديدة التي تواجهها أوروبا.
تفاقمَ النقص في إمدادات الوقود الناجم بشكل رئيس عن تداعيات الحرب على إيران وحولها، وتضافر ذلك مع ضرب البنية التحتية للطاقة في روسيا. ولذا ستكون العديد من اقتصادات الدول الأوروبية على المحك في الأشهر القليلة المقبلة. وحسب آخر الإحصاءات، يحافظ النمو العالمي على استقراره، لكن أوروبا أخذت تتخلف عن الركب. ومن هنا طُرحت حلول تكرر أغلبيتها ما جرى في مواجهة معضلة “كوفيد-19” والحرب الأوكرانية. وتتطلع الأنظار إلى المفوضية الأوروبية في بروكسل ودورها الوقائي في هذا الخصوص.
أسباب الصدمة وتفاعلاتها
تجد القارة العجوز نفسها أمام فخ ثلاثي من حيث المخاطر المحيطة بتدفق الطاقة: الاختناق في مضيق هرمز، توقف أنبوب شرق-غرب في المملكة العربية السعودية والمخاطر المحيطة بباب المندب. زيادة على ذلك، تُلقي تداعيات الحرب الأوكرانية بظلالها على أمن الطاقة الأوروبي. وتكتمل الصورة القاتمة بعد إيقاف تصدير الغازولين الروسي بسبب الضربات الأوكرانية، وبعد تعطيل إيران لصادرات الشرق الأوسط، وزيادة الطلب في آسيا، يمكن لوقف صادرات الديزل الأميركي المحتمل نحو أوروبا، أن يكون كارثياً.
ونرصد تأثير صدمة الطاقة في أوروبا بالتوازي مع الانخفاض الكبير في مخزونات النفط الخام العالمية، والتهديد بخصوص تدفق واردات الديزل والكيروسين، بالإضافة إلى الضغط اللوجستي على محطات الوقود، وتزايد الضغط على الصناعة والنمو.
وعلى صعيد أشمل، في وقت تُعاد فيه رسم موازين القوى الجيوسياسية وسط حالة من عدم اليقين، تفاجأ المراقبون بمحافظة النمو العالمي على استقراره في مواجهة صدمة الطاقة، لكن أوروبا تتخلف عن الركب بسبب ارتفاع معدل التضخم، لأن الوضع الجديد لا يُفيدها، حيث تدفع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ثمن مستويات ديونها المرتفعة.
استناداً إلى آخر الإحصاءات، في عالم تتزايد فيه الصراعات، وتتصاعد فيه النزعة الحمائية، ويتغير فيه المناخ، تمكنت الأسواق من التكيف ومواجهة التحديات، مما سمح للناتج المحلي الإجمالي العالمي بالنمو بنسبة 2.9% هذا العام، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ثم بنسبة 3.0% في عام 2027. لكن المفوضية الأوروبية خفضت توقعاتها لنمو اقتصاد منطقة اليورو إلى 0.9% في 2026 و1.2% في 2027، مقابل تقديرات سابقة عند 1.2% و1.4% على التوالي.
الحلول المقترحة
من أجل التخفيف من وقع صدمة الطاقة الحادة، اقترح الخبراء تحرير طاقة التكرير الأوروبية، وتوسيع نطاق عمليات الشراء المشتركة للغاز بدلاً من الديزل، وكذلك العمل على تأمين إمدادات الكيروسين، وخفض استهلاك الهيدروكربونات بشكل هيكلي.
في هذا السياق، طالب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاتحاد الأوروبي بالتخفيف من حدة أزمة الطاقة، والتنبه لمعالجة أسبابها الجذرية.
في التفاصيل، طلب الرئيس الفرنسي من بروكسل اتخاذ تدابير طارئة لتأمين إمدادات أوروبا من الديزل والكيروسين، خصوصاً في ضوء احتمال الإغلاق المطول لمضيق هرمز والهجمات المتجددة على البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط.
وحسب أنس الحجي مدير منصة الطاقة، حافظ سوق النفط حتى الآن على وفرة إمداداته بفضل زيادة إنتاج المصافي، وضعف الطلب الآسيوي، واستخدام المخزونات الحالية. إلا أن هامش الأمان هذا يتضاءل بسرعة.
بيد أنه في الأسابيع الأخيرة، تدهورت الإمدادات العالمية مجدداً، نتيجة لتضافر عوامل استهداف البنية التحتية للطاقة في روسيا والشرق الأوسط، وانتعاش الاستهلاك في آسيا. ووفق مصدر فرنسي، انخفضت مخزونات النفط العالمية بالفعل بأكثر من 500 مليون برميل. وتخشى الأوساط الأوروبية من انعكاس وضع الشرق الأوسط على إمدادات الكيروسين، حيث تبلغ نسبة الواردات من المنطقة 36%، وكذلك فيما يتعلق بالديزل، بنسبة 18%.
في نطاق آخر، طالبت عدة دول أوروبية بتحرير طاقة التكرير وزيادة إنتاج الوقود إلى أقصى حد ممكن من كميات النفط الخام المتبقية. ومن الناحية العملية، طالبت باريس المفوضية الأوروبية بتخفيف بعض معايير الجودة المطبقة على الوقود في الاتحاد الأوروبي مؤقتاً، للسماح للمصافي بزيادة إنتاجها من الكيروسين والديزل، نظراً للصعوبات المتزايدة التي يواجهها مزودو الخدمات اللوجستية للنفط في تأكيد عمليات التسليم. وتستند فرنسا في مطلبها بشكل خاص إلى تجربة أزمة “كوفيد-19″، عندما خففت المفوضية مؤقتاً بعض المواصفات المطبقة على أنواع الوقود.
ويقول الرئيس الفرنسي إن جميع هذه الإجراءات تهدف إلى زيادة إمدادات الوقود الفعالة في أوروبا بسرعة، دون انتظار حل للأزمة الجيوسياسية المحيطة بمضيق هرمز.
أوروبا والانخراط في السعودية والبحر الأحمر
نظراً لخطورة آثار صدمة الطاقة، لا تكتفي الدول الأوروبية بإجراءات تقنية، بل أخذ بعضها يندفع للانخراط الدفاعي في مسرح النزاع، خصوصاً في المواقع الحساسة لتدفق الطاقة.
منذ عام 2021، نشرت اليونان بطارية دفاع جوي من طراز باتريوت أميركية الصنع، يديرها عسكريون يونانيون في السعودية، بموجب اتفاقية تهدف إلى المساعدة في حماية منشآت الطاقة في المملكة. إزاء الهجمات الحوثية الأخيرة، أفادت مصادر أمنية يونانية بأن نظام الدفاع الجوي الذي يشرف عليه عسكريون يونانيون في السعودية، اعترض في 23 أيلول، صاروخاً باليستياً وطائرة مسيرة في منطقة ينبع التي تضم منشآت رئيسية لتكرير النفط.
وفي نفس اليوم، أعلن ماكرون نشر “موارد عسكرية، تشمل جنوداً ورادارات وأنظمة دفاعية” لحماية موقع ينبع، وهو ميناء نفطي سعودي وحلقة وصل استراتيجية في شبكة البنية التحتية للطاقة في البلاد.
للتذكير، توجد اتفاقيات تعاون ومساعدة عسكرية بين فرنسا والمملكة العربية السعودية (تدريب، مناورات، تعاون في مجال التسلح، إلخ)، ولكن لا يوجد بند دفاع مشترك، كما هو الحال في إطار حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وعلى الرغم من رفض قطبي التطرف السياسي (التجمع الوطني اليميني القومي، وحركة فرنسا الأبية اليسارية الراديكالية) توجه ماكرون الذي سارع للتوضيح بأن الهدف ليس إقحام فرنسا في أي نزاع أو أي مسرح حرب، ” بل “حماية موقع ينبع” الذي كان يُنتج قبل أسابيع أكثر من 5 ملايين برميل من النفط يومياً، علماً أن فرنسا تستند في وارداتها النفطية إلى حوالي عشرة في المئة من نفط السعودية.
بالنسبة لتأمين حرية الملاحة في البحر الأحمر وحماية المرور في مضيق باب المندب، أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، أن التكتل يحتاج إلى أكثر من 10 سفن وقدرات جوية إضافية لتعزيز مهمة حماية الملاحة في البحر الأحمر (أسبيدس)، ومواجهة تداعيات هجمات الحوثيين.
في المحصلة، يبقى الانخراط الأوروبي محدوداً وفاعليته نسبية، ويبرز النقص الأكبر في لعب مجلس الأمن الدولي لدوره في حماية السلام وتطبيق القانون الدولي في هذه المنطقة المضطربة.