يتجاوز الاتّصال الهاتفيّ الذي أجراه رئيس مجلس السيادة الانتقاليّ السودانيّ عبد الفتّاح البرهان بوليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان، في توقيته، مجرّد التضامن بين القيادتين في ظلّ الحرب السودانيّة، ليحمل في طيّاته رسائل عدّة تتقاطع مع تحوّلات متزامنة في الموقف الأميركيّ من الحرب، ومع تصعيد بالغ الحساسيّة في اليمن والبحر الأحمر وباب المندب، بما يجعل السودان جزءاً متزايد الأهميّة من معادلة أمن إقليميّ تتجاوز حدوده.
في اتّصال 29 أيلول أكّد البرهان تضامن السودان مع السعوديّة وإدانة الاعتداءات التي تتعرّض لها، فيما أكّد محمّد بن سلمان حرص المملكة على استقرار السودان وسيادته ووحدة وسلامة أراضيه، ودعم الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين.
تكتسب هذه الصياغة أهميّة خاصّة في ظلّ التحوّل في السياسة الأميركيّة تجاه الحرب السودانيّة. فواشنطن تضغط على الجيش و”قوّات الدعم السريع” معاً للقبول بهدنة إنسانيّة ومسار سياسيّ، وتقول إنّ أيّاً من البرهان وقائد “الدعم السريع” محمّد حمدان دقلو “حميدتي” لا ينبغي أن يكون له دور في حكم السودان بعد الحرب.
مستشار الرئيس الأميركيّ للشؤون العربيّة والإفريقيّة مسعد بولس أعلن أنّ واشنطن تعمل مع السعوديّة ومصر والإمارات وقطر وتركيا ودول أوروبيّة للدفع نحو هدنة تمهّد لوقف دائم للنار وانتقال سياسيّ مدنيّ وإعادة الإعمار. كما تؤكّد الولايات المتّحدة رفضها قيام حكومتين متوازيتين أو تقسيم السودان، في حين تتعامل مع الحكومة المدعومة من الجيش باعتبارها سلطة أمر واقع لا حكومة رسميّة معترفاً بها.
نقطة تحوّل أميركيّة
هنا تكمن إحدى أكثر نقاط التحوّل حساسيّة بالنسبة إلى الخرطوم. فالمقاربة الأميركيّة الحاليّة تضع البرهان وحميدتي ضمن إطار واحد من حيث رفض منحهما دوراً مستقبليّاً في الحكم. ولا يعني ذلك بالضرورة مساواة واشنطن بين سجلّ الطرفين أو المسؤوليّات المنسوبة إليهما، ذلك أنّ واشنطن اتّهمت قوّات “حميدتي” بارتكاب إبادة جماعيّة وفرضت عقوبات على شخصيّات منها. لكنّ المسار الدبلوماسيّ الحاليّ يتعامل مع الطرفين باعتبارهما جزءاً من المشكلة التي ينبغي حلّها سياسيّاً، لا باعتبار أحدهما الطريق الوحيد إلى الحلّ.
تجسّد هذا التحوّل في الضغوط الأميركيّة على البرهان، بما في ذلك ربط مشاركته في اجتماعات الجمعيّة العموميّة للأمم المتّحدة بموقفه من مقترح هدنة لمدّة 90 يوماً تقدّمت به واشنطن، فضلاً عن دفعها في مجلس الأمن نحو توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان. وترى واشنطن أنّ استمرار تدفّق الدعم الخارجيّ إلى طرفَي الحرب أحد أسباب إطالة أمدها.
بالنسبة إلى الخرطوم، لا تكمن المشكلة في الدعوة إلى وقف الحرب بحدّ ذاتها، بل في الترتيبات السياسيّة التي قد تترتّب على وقف النار. فالجيش يصرّ على أنّ إنهاء تمرّد “الدعم السريع” يجب أن يسبق التسوية السياسيّة، ويخشى أن يؤدّي تثبيت هدنة من دون تغيير موازين القوى إلى إعادة إنتاج “الدعم السريع” كطرف سياسيّ وعسكريّ موازي للدولة ومؤسّساتها.
الرّياض تولي أهمّيّة خاصّة للسّودان
في المقابل تكتسب العلاقة السعوديّة–السودانيّة أهميّة أكبر. ففي آب أنشأت الرياض والخرطوم مجلساً للتنسيق السعوديّ–السودانيّ باعتباره إطاراً مؤسّسيّاً لرفع مستوى التعاون وتطوير المشاريع والمبادرات المشتركة. وتزامن ذلك مع انفتاح سعوديّ على قوى وشخصيّات مدنيّة سودانيّة، بما يوحي بأنّ الرياض لا تريد حصر علاقتها بالسودان في المؤسّسة العسكريّة، حتّى مع استمرار علاقتها الوثيقة بالبرهان.
وبالتالي، فإنّ الاتّصال الأخير يعكس مساحة تفاوض تتجاوز مجرّد وقف الحرب: كيف يمكن إنهاء الصراع من دون المساس بوحدة الدولة ومؤسّساتها؟ ومن يضمن ألّا تتحوّل التسوية إلى صيغة تعيد إنتاج ازدواج السلطة والسلاح؟
السّودان في قلب معادلة البحر الأحمر
لا يمكن فصل التطوّرات السودانيّة عن الضفّة الأخرى للبحر الأحمر. فخلال أيلول تصاعدت التطوّرات العسكريّة على الساحل الغربيّ اليمنيّ مع تقدّم الحوثيّين ووصول نفوذهم إلى مناطق وجزر قريبة من باب المندب. ويضيف ذلك بعداً جديداً إلى الحسابات السعوديّة والمصريّة والدوليّة المتعلّقة بأمن البحر الأحمر والملاحة الدوليّة.
كانت السعوديّة قد دفعت، في آب، باتّجاه إنشاء تحالف بحريّ يضمّ دولاً عربيّة وإسلاميّة وإقليميّة لحماية حرّية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، بمشاركة دول بينها مصر والسودان وتركيا وباكستان وقطر والصومال واليمن.
بذلك يصير السودان جزءاً من معادلة مختلفة. فهو لا يملك فقط ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر وموانئ استراتيجيّة، بل يقع على الضفّة المقابلة للممرّ البحريّ الذي يصل باب المندب بالموانئ السعوديّة والمصريّة وقناة السويس. وتالياً فإنّ استقرار الساحل السودانيّ وقدرة الدولة على السيطرة على أراضيها ومياهها الإقليميّة لم يعودا شأناً سودانيّاً داخليّاً خالصاً.
هنا يمكن فهم الاهتمام السعوديّ المتزايد بالسودان في سياق أوسع. فكلّما ازدادت المخاطر في اليمن وباب المندب، ارتفعت القيمة الاستراتيجيّة للساحل السودانيّ بالنسبة إلى أمن البحر الأحمر. كما أنّ أيّ اضطراب ممتدّ على جانبَي البحر يمكن أن ينعكس على الملاحة والطاقة والتجارة، ويضاعف أهميّة الدول القادرة على المساهمة في ضبط هذا الممرّ.
ما تريده واشنطن وما تراه الرّياض
لكنّ المفارقة أنّ واشنطن، في الوقت نفسه، تدفع باتّجاه مقاربة قد تحدّ من قدرة الجيش السودانيّ على مواصلة الحرب. من خلال الضغط من أجل هدنة ووقف تدفق السلاح وتوسيع حظر الأسلحة. في المقابل، ترى الرياض أنّ استقرار السودان ووحدة أراضيه مصلحة استراتيجيّة مرتبطة بأمنها الإقليميّ، وليس مجرّد قضيّة سياسيّة أو إنسانيّة داخليّة.
لا يعني ذلك بالضرورة وجود مواجهة سعوديّة–أميركيّة حول السودان. فالرياض نفسها تشارك في الجهد الإقليميّ والدوليّ للدفع نحو هدنة ومسار سياسيّ. لكنّ الاختلاف المحتمل يكمن في شكل التسوية ومضمون الدولة التي ستخرج من الحرب، حيث تبدو الأولويّة السعوديّة مرتبطة أيضاً بالحفاظ على وحدة السودان ومؤسّسات الدولة ومنع تحوّل البحر الأحمر إلى مساحة جديدة للفوضى الإقليميّة.
تزداد المسألة تعقيداً مع التطوّرات اليمنيّة. إذا تمكّن الحوثيّون من تثبيت نفوذ مستدام على أجزاء من الساحل الغربيّ والاقتراب أكثر من باب المندب، فإنّ البحر الأحمر سيدخل مرحلة جديدة من التنافس الأمنيّ. وفي هذه الحالة ستزداد أهميّة الضفّة الغربيّة للبحر الأحمر، ولا سيما السودان ومصر، كما ستزداد قيمة الترتيبات الإقليميّة الرامية إلى حماية الملاحة ومنع انتقال الصراع من اليمن إلى المنظومة البحريّة بأكملها.
تعريف أمن البحر الأحمر
من هذه الزاوية، يمكن قراءة التحرّك السعوديّ في السودان باعتباره جزءاً من إعادة تعريف لأمن البحر الأحمر. فالسودان الذي يُنظر إليه أساساً كساحة حرب داخليّة يتحوّل تدريجيّاً إلى إحدى حلقات منظومة جغرافيّة تمتدّ من القرن الإفريقيّ إلى باب المندب واليمن والسعوديّة ومصر وقناة السويس.
لكنّ العقبة الأساسيّة تبقى الحرب نفسها. فكلّما طال الصراع بين الجيش و”الدعم السريع”، تراجعت قدرة الدولة السودانيّة على تأمين ساحلها وحدودها وموانئها، واتّسعت مساحة تدخّل القوى الخارجيّة وشبكات السلاح والنفوذ. وفي المقابل، فإن أي تسوية تضعف مؤسسات الدولة أو تشرعن ازدواج القوة المسلحة قد تنتج مشكلة جديدة بدلاً من إنهاء الحرب.
لذلك، فإنّ اتّصال البرهان بمحمّد بن سلمان يمكن قراءته باعتباره حلقة في لحظة إقليميّة أوسع: واشنطن تضغط لوقف الحرب وفق صيغة لا تمنح البرهان أو حميدتي دوراً مستقبليّاً في الحكم، والرياض تؤكّد دعمها لوحدة السودان وسيادته وتوسّع إطار تعاونها المؤسّسيّ مع الخرطوم، واليمن وباب المندب يضيفان عاملاً أمنيّاً جديداً يجعل استقرار الساحل السودانيّ جزءاً من أمن البحر الأحمر كلّه.
بذلك تتحرّك الحرب السودانيّة على مستويَين متداخلين: معركة على شكل الدولة ومستقبل السلطة فيها، ومعركة أوسع على موقع السودان داخل منظومة أمن البحر الأحمر. وكلّما تصاعد الصراع في اليمن وباب المندب، ازدادت أهميّة المستوى الثاني، وأصبح السؤال المركزيّ: أيّ سودان سيخرج منها؟ وأيّ موقع سيحتلّه في منظومة إقليميّة يتشكّل أمنها من جديد على ضفّتَي البحر الأحمر؟
