الخلاف حول من ينوب عن مفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان في حال شغور الموقع هو خلاف مرحليّ، سيفقد جزءاً كبيراً من معناه، لأنّ النقاش سينتقل من سؤال: “هل يبقى المفتي دريان؟” إلى سؤال: “من يأتي بعده؟”. هنا تبدأ مرحلة مختلفة تماماً.
المفتي المقبل يحتاج إلى أصوات الهيئة الناخبة، لكنّه يحتاج سياسيّاً أيضاً إلى شبكة واسعة من التفاهمات، حتّى لا يتحوّل انتخابه إلى سبب لانقسام جديد داخل البيئة السنّيّة. وتتحدّث معلومات متداولة عن بدء اتّصالات مرتبطة بالخلافة، ونُقل عن مرجعيّة حكوميّة سابقة أنّها تريد أن يكون لها الدور الحاسم في اختيار المفتي المقبل، وأنّ لديها اسماً جاهزاً.
ثلاثة شروط للمفتي المقبل
إذا سقط التمديد وفُتح باب الانتخاب، فقد يصبح الوصول إلى دار الفتوى مرتبطاً بثلاث دوائر متداخلة:
1- المؤسّسة الدينيّة والهيئة الناخبة التي تمتلك القرار القانونيّ في الانتخاب.
2- التوافق السياسيّ السنّيّ، بدءاً من رئيس الحكومة وصولاً إلى رؤساء الحكومات السابقين والقوى والمرجعيات الفاعلة.
3- العامل العربيّ، ولا سيما المواقف السعوديّة والمصريّة والسوريّة.
لا يعني ذلك أنّ الرياض أو القاهرة أو دمشق تختار مفتي لبنان، فالقرار يبقى لبنانيّاً، لكنّ تجربة عام 2014 أظهرت أنّ التوافق العربيّ يستطيع أن يساعد في إخراج الاستحقاق من المأزق عندما تصل الانقسامات الداخليّة إلى طريق مسدود.
ميقاتي والسّنيورة ومعركة الخليفة
بالتوازي مع المسار القضائيّ، بدأت الأنظار تتّجه نحو الأسماء التي تستطيع التأثير في انتخاب المفتي المقبل.
الرئيس تمّام سلام غائب عن الصورة والسمع، ولا يريد التورّط في بورصة الأسماء
رئيس الحكومة نوّاف سلام سيكون حكماً في قلب الاستحقاق، بصفته رئيس الحكومة الحاليّ، ومن المرجّح أن يقود العمليّة الانتخابيّة، إن حصلت، عبر الدعوة إليها، وقبلها عبر التوقيع على مرسوم التعيين لمن سينوب عن المفتي في حال شغور الموقع. وسيكون لرؤساء الحكومات السابقين حضور سياسيّ، وفي مقدَّمهم نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمّام سلام وحسّان دياب.
لكنّ ميقاتي والسنيورة يبرزان بصورة خاصّة بسبب تطوّعهما، عن سابق إصرار وتصميم، للتدخّل في الملفّ ذات اليمين وذات الشمال، تارة عبر طرح أسماء مرشّحة، وتارة أخرى عبر استحضار أشخاص من الخارج. فيما اعترض السنيورة على طريقة التمديد منذ البداية، حافظ ميقاتي على علاقة أكثر مرونة مع دريان. وكان الرئيس السنيورة قد حذّر أعضاء المجلس الشرعيّ عام 2023 من خطورة التمديد في حينه، واستقبل وفداً حضر إلى مكتبه، ضمّ قاضياً ومفكّراً ومحامياً ينوب عن أحد رؤساء الجمعيّات الذي حوّل مكتبه، في حينه، إلى غرفة عمليّات كي ينجح التمديد ويصل إلى برّ الأمان.
السنيورة اليوم لديه مرشّحان. فقد استقدم القاضي السابق في المحكمة الشرعيّة الدكتور محمد النقري من باريس، وعمل على إصدار فتوى قانونيّة تبيح له الترشّح قبل أن يبلغ سنّ التقاعد في كانون الأوّل المقبل. إلّا أنّ مرض الوزير خالد قبّاني وتمنّع البعض عن تبنّي هذا الترشيح أبعدا النقري عن سباق الوصول إلى دار الفتوى.
هذا ما دفع النقري إلى نشر سلسلة من المقالات ينتقد فيها المفتي دريان من دون أن يسمّيه، وآخرها أمس الأوّل تحت عنوان “كي لا يوضع حرّاس الدين في موقع الشكّ”. وممّا قاله: “عندما يصدر تصرّف من جهة يفترض أنّها القيّمة على أمور الدين والتشريع في ما يعود لها من اختصاصات، وتتّصف بأنّها الجهة الحارسة لتعاليم الدين ومبادئه، ومنها أنّها المتصدّرة للمطلب القرآنيّ بعدم جواز التكتّم عن الحقّ، ليتبيّن بعد ذلك أنّ هناك شكوكاً حول حدثٍ أقرّته لما يمكن اعتباره باطلاً من حيث إجراءاته وحيثيّاته، فإنْ كان باطلاً فإنّه يؤدّي إلى بطلان نتائجه”.
أمّا مرشّح السنيورة الثاني فهو المفتّش العامّ في دار الفتوى الشيخ أسامة حدّاد. ويسعى السنيورة إلى إبقاء هذا الترشيح بعيداً عن العلن وعدم تبنّيه بصورة مباشرة لأنّه يدرك أنّ تاريخ حدّاد يسبّب عوائق وعقبات تحتاج إلى تحرّك سياسيّ جامع في الداخل والخارج لإزالتها.
من جهته، يتحرّك الرئيس نجيب ميقاتي بمساعدة مستشاره الدكتور عبد الرزّاق قرحاني، وقد أطلق الوعود لعدد من المشايخ بالدعم والمساندة في الوصول إلى كرسي دار الفتوى. بدأ مع الشيخ فؤاد زراد، وقبله مع شيخ قرّاء بيروت الشيخ محمود عكّاوي، ولم يوفّر الشيخ أسامة حدّاد من هدايا الوعود.
إلّا أنّ قاضياً فاعلاً يقول في مجالس المشايخ والقضاة، وهو الخبير بالرئيس ميقاتي وأسلوبه في التسويات: “للرئيس ميقاتي مرشّح واحد هو رئيس المحاكم الشرعيّة الشيخ محمّد عسّاف”. والفضل في ذلك يعود إلى عمّه، رئيس المركز الإسلاميّ الدكتور عليّ عساف، الذي يملك شبكة واسعة من العلاقات، ويحظى بتقدير بين وجهاء العاصمة بيروت.
في المقابل، فإنّ الرئيس تمّام سلام غائب عن الصورة والسمع، ولا يريد التورّط في بورصة الأسماء. فيما نُقل أنّ الأمين العامّ لتيّار المستقبل أحمد الحريري أبدى دعمه للشيخ عسّاف.
السّعوديّة ومصر وسوريا.. الدّخول في الحسابات
وسط هذا التشرذم الداخليّ بين القيادات السياسيّة السنّيّة، وعدم فاعليّة نادي رؤساء الحكومات، تظهر أهميّة العامل العربيّ الثلاثيّ المؤلّف من السعوديّة ومصر وسوريا. الدول الثلاث لا تملك قانوناً حقّ انتخاب مفتي الجمهوريّة، ولا مقاعد لها في الهيئة الناخبة، لكنّها تاريخيّاً، من أكثر الدول العربيّة حضوراً في العلاقة مع دار الفتوى والمرجعيّة السنّيّة، ومواقفها ترسم طريق الوصول إلى الإفتاء.
السابقة الأوضح هي انتخاب المفتي دريان نفسه عام 2014. يومها، كانت دار الفتوى تعيش أزمة حادّة في نهاية ولاية المفتي السابق الشيخ محمّد رشيد قبّاني، وسط خلاف كبير بينه وبين رؤساء حكومات سابقين وانقسام داخل المؤسّسات الدينيّة. وبعد اتّصالات داخليّة وعربيّة، انتُخب دريان في 10 آب 2014، مع الإشارة إلى أنّ لقرار مجلس شورى الدولة، في حينه، دوراً رئيسيّاً في إسقاط المفتي قبّاني وانتخاب المفتي دريان.
لم يكن الدور العربيّ يومها مجرّد استنتاج. فقد تحدّثت تقارير المرحلة عن مساعٍ مصريّة وسعوديّة لتقريب المواقف، وشكر رئيس الحكومة آنذاك تمّام سلام لاحقاً المملكة العربيّة السعوديّة ومصر على مساهمتهما في إنجاح العمليّة الانتخابيّة. وهذه السابقة تجعل السؤال عن موقفَي الرياض والقاهرة مشروعاً، وكذلك عن عودة سوريا الجديدة إلى الملفّ إذا فُتح استحقاق جديد.
لا يوجد مرشّح سعوديّ
بالنسبة إلى السعوديّة، المسألة أكبر من اسم شخص. دار الفتوى تشكّل المرجعيّة الدينيّة السنّيّة الأولى في لبنان، فيما ترتبط المملكة تاريخيّاً بعلاقات سياسيّة ودينيّة واسعة مع القيادات والمؤسّسات السنّيّة اللبنانيّة، الأمر الذي يجعل موقفها موضع اهتمام إذا بدأت عمليّة البحث عن خليفة لدريان. لكن حتّى الآن لا يوجد “مرشّح سعوديّ”، ولا قرار سعوديّاً بالتدخّل لتسمية المفتي المقبل.
أمّا الدور السعوديّ، إذا حصل، فسيكون في اتّجاه تشجيع التوافق على شخصيّة تستطيع جمع الداخل السنّيّ والمحافظة على علاقة قويّة مع العمق العربيّ، بدلاً من الدخول في تسمية علنيّة.
القاهرة تمتلك مدخلاً آخر إلى الملفّ، يتمثّل في الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصريّة والعلاقات التاريخيّة مع المؤسّسة الدينيّة السنيّة في لبنان. وعلى خلفيّة هذا الدور، سُجّل نشاط للقناصل المصريّين في ملفّ الإفتاء منذ عام 2014. وقد حافظ المفتي دريان على تعاون مستمرّ مع الأزهر ودار الإفتاء المصريّة، من تدريب الأئمّة إلى التنسيق الدينيّ والزيارات المتبادلة. هذا يمنح مصر مساحة يمكن استخدامها، إذا تعقّد الاستحقاق، في تقريب وجهات النظر والمساعدة في الوصول إلى تسوية، كما حصل خلال مرحلة انتخاب دريان. ولا توجد حتّى الآن معلومات رسميّة عن تبنّي القاهرة مرشّحاً محدّداً، أو حتى اعتماده قائمقام مفتي الجمهورية في جال غيابه لأي سبب من الأسباب.
لكنّ ما هو واضح أنّ القاهرة تعارض وصول الشيخ أمين الكرديّ إلى منصب الإفتاء، على خلفيّة سيل من التقارير لمخبرين معمّمين وغير معمّمين، ووزراء ونوّاب وسياسيّين، كتبوا كمّاً هائلاً من الاتّهامات بحق الشيخ أمين. وكما يقال في مصر: “النفس تسمع من الأذن ما تُطيب”. فقد نجح المخبرون وكتبة التقارير في تحويل الشيخ أمين الكرديّ إلى ما يشبه الخطر في نظر المصريّين.
أمّا سوريا فليست بعيدة عن ملفّ الإفتاء. تقاربه بهدوء وبحرص على عدم الدخول في حروب وصراعات، لكنّها حريصة على إنتاج حلّ يعزّز العلاقات بين البلدين ويفتح آفاق التعاون بين المؤسّستين الدينيّتين في دمشق وبيروت. إلّا أنّها تبدي انزعاجاً من أن تتحوّل زيارة دمشق إلى تهمة توجّه إلى أحد المرشّحين، وتضع حول ذلك الكثير من علامات الاستفهام.
على خلفيّة كلّ ذلك، ووسط هذه الخارطة من المؤثّرات، يبقى السؤال الأكبر معلّقاً: إذا سقط تمديد ولاية الشيخ عبد اللطيف دريان، فمن يستطيع إنتاج التوافق على مفتي الجمهوريّة المقبل: دار الفتوى أم رؤساء الحكومات أم تسوية لبنانيّة تحظى مجدّداً بمظلّة سعوديّة–مصريّة–سوريّة؟
وللأجزاء الأربعة تتمّة.
