تحلّ الذكرى الثالثة لهجمة “حماس” على ما يُسمّى “غلاف غزّة” التي انتهزها الإسرائيليّون فاحتلّوا جزءاً كبيراً من غزّة وارتكبوا وقائع الإبادة وما يزالون. وتعود المنطقة الآن إلى دائرة التوتّر لتتوالى الحروب في موجةٍ جديدةٍ، لا ينتصر فيها أحد، بل تخرّب المنطقة وينتشر البؤس في سائر أنحاء العالم العربيّ.
لا أعرف لماذا منذ مدّة كلّما سمعتُ عن جرائم أخرى لإسرائيل في غزّة أو الضفّة الغربيّة أو المسجد الأقصى أو لبنان أو سورية، أتذكّر 5 حزيران 1967 و7 أكتوبر الحماسيّة في غزّة التي تسطو على وعينا للمرّة الثالثة هذه الأيّام. تتّخذ الدول في العادة من الشهور أو الأيّام في الشهور ذكرى للذاكرة الوطنيّة للاعتزاز وتوعية الأجيال كي لا ينسوا أمجاد الآباء والأجداد. أمّا نحن العرب وبعد حزيران وأكتوبر فقد صرنا نخشى الشهور والأيّام ونودّ لو تمضي الذكريات المرّة من دون أن نتذكّرها أو نحسَّ بها.
حين تصنع الغفلة هزيمةً أخرى
إنّ علّة هاتين الذكريَين ليست الهزيمة التي وقعت على مصر وفلسطين، بل لأنّ الهزيمة في الحالتين ما كان ينبغي أن تقع أيّاً كانت غفلة الدول أو التنظيمات. فمصر جاءتها النُذُر من كلّ مكان فلم تزدَد يقظتها، ومع ذلك يقول قادة عسكريّون إنّه رغم الضربة التي أصابت الطائرات فإنّ الجيش ما كان ينبغي أن ينسحب من سيناء. وما حدث عام 1973 يدلُّ على ذلك.
مصر استعادت الهيبة لنفسها وللعرب بالحرب العاجلة عام 1973، لكنّ نكسة 1967 لا ينبغي أن تُنسى. أمّا غزوة “حماسّ” في غزّة فكان ينبغي أن لا تقع على الإطلاق. إذ منذ انفصال “حماس” بغزّة عام 2007 شنّت على إسرائيل أربع حروب وخسرتها وانتهت كلّها بخسائر فادحة وسقط خلالها آلاف القتلى، فيما تعرّض القطاع لدمار واسع. ثمّ أقامت علاقاتٍ بإسرائيل، إذ كانت تتلقّى عن طريقها أموالاً قطرية وإمداداتٍ من طريق مطار بن غوريون. ولا أريد من ذكر هذه الوقائع تعيير “حماس” أو الانتقاص منها، بل أريد الوصول إلى أمر آخر. إسرائيل مثل سوريا وإيران ساعدت جميعاً “حماس” على الانفصال بغزّة ولهدفٍ واحدٍ هو تقسيم النضال الوطنيّ الفلسطينيّ وضرب حكومة أوسلو وإنهاء القضيّة. و”حماس” سارت نحو ذلك مغمضة العينين اغتراراً بالسلطة كما كان العربيّ القديم يقول: حبّذا الإمارة ولو على الحجارة! فكان على “حماس” أن تعلم أنّه كما انتهى لدى سلطة رام الله الكفاح المسلّح باتّفاق أوسلو، انتهى لدى “حماس” “الجهاد التحريريّ” بالاستيلاء على غزّة. وكان هدف إسرائيل البعيد أن لا يبقى للفلسطينيّين غير غزّة، وأمّا بقيّة الأرض المحتلّة فيكون مصيرها مثل مصير القدس، وهو الأمر الذي يجري اليوم.
غزّة وحدها لا تحرّر القدس
أما كانت “حماس” تعرف ذلك كلّه؟ بالطبع كانت تعرفه، وتعرف أنّ غزّة مهما بلغت قوّتها لا تستطيع التحرير بدون الجناح الغربيّ ولو لم يكن لدى إسرائيل جيش. صلاح الدين قال إنّه لا يمكن تحرير القدس إلّا باجتماع مصر والشام معاً على قتال الصليبيّين، وكان المتحمّسون يعجبون لتخاذُله، نعم لتخاذُله كما قالوا. وقد ثبتت صحّة مقولته، فقد كان تحرير القدس ومدن الساحل الفلسطينيّ واللبنانيّ ناجماً عن وحدة الشام ومصر.
بدلاً من حروب العبث والدمار، والهدف تدمير السلطة الفلسطينيّة وإسقاط صدقيّتها، كان على “المجاهدين الانتحاريّين” أن يصغوا لرجاءات قادة العرب والمسلمين بالعودة للوحدة الفلسطينيّة. لقد بذل الملك السعوديّ عبد الله بن عبد العزيز جهوداً جبّارةً وعقد بين الطرفين اتّفاق مكّة. أمّا مصر فقد عقدت خمسة اتّفاقات. ومن اتّفاق مكّة أو عهدها واتّفاقات مصر كانت “حماس” هي التي تخرج، تارةً بدفعٍ من سوريا الأسد، وتارات بدفعٍ من إيران. فحتّى الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان حاول النجاح في ما لم ينجح فيه الأشقّاء العرب، وكان “الحماسيّون” يتملّصون دائماً.
فلنعد إلى الجهاد الأصغر كما يقال. كلّ شهر أو أقلّ ينشر الإسرائيليّون أخباراً ووثائق يزعمون أنّهم وجدوها في أنفاق “حماس” وأنّها تتضمّن خيبة أملٍ كبرى بإيران التي خانت العهود ولم تنضمّ إلى حرب “حماس” استناداً لمبدأ “وحدة الساحات”. وهذا يعني، وإن لم ندرِ مدى صحّته، أنّ الحماسيّين كانوا يطمحون لحربٍ شاملة.
“حماس” وهي حركة إسلاميّة، وفي الذهاب إلى الحرب لديها اعتباران: المشروعيّة وإذا اعتبرناها متحقّقة لأنّ الأرض محتلّة، فماذا عن الركن الثاني للحكم الشرعيّ: المآلات والنتائج؟ والمآلات معروفة من الحروب السابقة: المذابح والدمار، بما يجعل “الجهاد” المزعوم انتحاراً لا مسوِّغ له. لأنّكم أيّها الناس مؤتمنون على حيوات مليونين ونيّف ليس بينهم غير أربعين أو خمسين ألف مسلَّح، بينما لدى عدوّكم نصف مليون مقاتل مع سلاحٍ أكثر تقدّماً بكثير. وانظروا كم أحدثوا من الخراب بإيران وسوريا ولبنان وما يزالون.
المطلوب إنقاذ غزّة لا تمجيد المأساة
هل يعني ذلك اعتبار الحرب مستحيلة وينبغي الاستسلام؟ نحن لا نتحدّث عن المصائر بل نتحدّث عن المسؤوليّة عن شعب غزّة وقد فقد مئة ألفٍ وأكثر، ودُمِّر القطاع بأكمله، ولن تخرج إسرائيل منه كما خرجت عام 2005. وما دمتم قد صبرتم وهادنتم إسرائيل وتلقّيتم لعدّة سنواتٍ مساعداتٍ عن طريقها، أفما كان من الحكمة أن تصبروا أيضاً وأيضاً وتروا نتائج الصراع بين إسرائيل وإيران؟
يتعزّى اليوم كثيرون من العرب والمسلمين بالبطولات الحماسيّة التي أيقظت العالم على القضيّة الفلسطينيّة، وبالفعل هناك يقظةٌ عالميّةٌ على قضيّة فلسطين نتيجة المذابح. لكن إلى متى تستمرّ ومدى تأثيرها على المصائر؟ ثمّ إنّكم أيّها الحلفاء الأشدّاء لجمهوريّة ولاية الفقيه، ألا ترون كيف تهاجم إيران الدول العربيّة إمّا مباشرةً أو عن طريق الأذرع، والتأثير السلبيّ للبغي الإيرانيّ على المشهد في المنطقة كلّها؟ إسرائيل شريكة الولايات المتّحدة الأميركيّة في ضرب إيران، وإيران لا تضرب إسرائيل بل تضرب السعوديّة، وتنشر الخراب في اليمن.
لا يتحمّل شعب غزّة ما نزل به، كما لا يتحمّله أيٌّ منّا. وما يحدث الآن في عددٍ من الدول العربيّة وعليها من جانب إيران وإسرائيل يكاد يبلغ ما حدث لغزّة والضفّة ويحدث. وبعضنا يتعزّى بشفقة العالم علينا. والأولى بنا أن نشفق على أنفسنا فلا نستمرّ في شنّ حروبٍ خاسرةٍ لمصلحة الغير.
