أعادت استقالة وزير النفط في حكومة مسعود بزشكيان، محسن باكنجاد، ملف بيع النفط عبر شبكات الوسطاء النفطية إلى واجهة الجدل الاقتصادي والسياسي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على عائدات النفط وتتسع الأسئلة حول مصير مليارات الدولارات الناتجة عن عمليات البيع خارج القنوات الرسمية.
وقال علي رضا صداقت، الباحث والمحلل الاقتصادي في الشؤون الإيرانية، في تصريح صحفي، إن السبب الرسمي المعلن للاستقالة هو «أسباب شخصية»، وإن الرئاسة الإيرانية قالت إن الوزير كان قد طلب التنحي منذ فترة، إلا أن توقيت القرار لا يمكن فصله عن الأزمة المتفاقمة داخل قطاع النفط والجدل المتصاعد حول آليات بيعه وإعادة عائداته إلى البلاد.
وأكد صداقت أن ما يعرف داخل النظام بـ«التراستات» ليس صناديق ائتمانية بالمعنى القانوني، بل شبكات من الوسطاء والأفراد والشركات تستخدم لبيع النفط في ظروف العقوبات بعيدًا عن القنوات الرسمية، ثم تعيد جزءًا من العائدات عبر مسارات مالية غير شفافة. وأوضح أن هذا النظام الموازي خلق بيئة واسعة للفساد والنهب والصراع بين مراكز النفوذ.
وأشار صداقت إلى أن أخطر ما كشفه هذا الملف جاء من داخل النظام نفسه، إذ نشر موقع «تابناك» الحكومي تصريحات لمحمد جواد آذري جهرمي، وزير الاتصالات في حكومة حسن روحاني، أكد فيها أن أشخاصًا استفادوا ماليًا من أموال بيع النفط عبر شبكات الوسطاء، ثم حوّلوا جزءًا من أموال النظام الإيراني إلى رضا بهلوي. وأضاف أن أهمية هذه الإفادة تكمن في أنها لم تصدر عن معارضة خارجية، بل عن وزير سابق في النظام ونشرتها وسيلة إعلام حكومية معروفة.
وأوضح أن آذري جهرمي طرح في التصريحات نفسها سؤالًا مباشرًا حول سبب عدم محاسبة القائمين على هذه الشبكات، رغم معرفة الجهات العليا في النظام بهوياتهم وأنشطتهم، وتساءل عن كيفية إعادة استخدام شبكات سبق أن خانت الأمانة المالية في ظروف شديدة الحساسية.
وأضاف صداقت أن انتقال جزء من أموال بيع النفط إلى رضا بهلوي يفتح بابًا سياسيًا خطيرًا إلى جانب البعد المالي، لأن توجيه أموال خرجت أصلًا من منظومة بيع النفط إلى شخصية مثيرة للانقسام داخل المعارضة الإيرانية، من شأنه أن يخدم عمليًا تفتيت صفوف المعارضة وإضعاف قدرتها على بناء جبهة موحدة في مواجهة نظام ولاية الفقيه.
ولفت إلى أن التقارير المتداولة داخل إيران تشير إلى وجود شبكات رئيسية للوساطة في بيع النفط مرتبطة بمؤسسات أمنية وعسكرية مختلفة، من بينها شبكات يُنسب ارتباطها بوزارة الاستخبارات والحرس الثوري، وهو ما يكشف مدى تشابك مصالح النفط مع أجهزة الأمن ومراكز القرار والنفوذ داخل النظام.
وصرّح صداقت بأن خطورة القضية تتجاوز مسألة وزير أو وسيط أو شركة بعينها، لأن النفط يمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة وتمويل الدولة، وأي تسرب واسع لعائداته خارج القنوات الرسمية يعني أن الشعب الإيراني يتحمل ثمن العقوبات والفساد معًا.
وأضاف أن المواطن الإيراني لا يرى أثر هذه الثروة في حياته اليومية، بينما تتصاعد أسعار الغذاء والسكن والدواء وتتراجع القوة الشرائية، مؤكدًا أن «اقتصادًا يملك واحدة من أكبر الثروات النفطية في المنطقة، ثم يعيش شعبه أزمة معيشية متفاقمة، لا يمكن تفسير أزمته بالعقوبات وحدها».
وشدد صداقت على أن استقالة وزير النفط لا تثبت بحد ذاتها تورطه في شبكات الفساد، كما أن السبب الحقيقي للاستقالة لم يُكشف حتى الآن، لكن تزامنها مع تصاعد الجدل حول أموال النفط وشبكات الوسطاء والتحقيقات البرلمانية يعطيها دلالة سياسية واقتصادية لا يمكن تجاهلها.
وختم علي رضا صداقت بالقول إن «القضية الحقيقية ليست في شخص وزير النفط، بل في منظومة اقتصادية قائمة على الغموض وتعدد مراكز القوة والفساد. وحين تصبح عائدات النفط، وهي ملك للشعب الإيراني، مادة للصراع بين شبكات داخل النظام وتمويل مسارات سياسية خارجية، فإن ذلك يكشف حجم التآكل داخل بنية الحكم ويفسر لماذا تتعمق الأزمة الاقتصادية بدل أن تُحل.»