
تتقدم تهدئة إقليمية ترعاها أبو ظبي. العنوان المركزي لهذه التهدئة هو سوريا، بما لها من تشعبات جيوسياسية، وجيواقتصادية، وجيوثقافية.
اليمن.. مركز المواجهة الإقليمية
وصل التوتر في المنطقة، وحول سوريا، إلى ذروة خطيرة، عقب توقيع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف اتفاق الدفاع المشترك في مدينة مكة المكرمة في شهر آب/ أغسطس الماضي، ليتحول إلى تحالف دفاعي حمل اسم المدينة المقدسة. نظرت كل من تل أبيب وطهران إلى التحالف الجديد بحذر، وسعتا، كل من جانبه، إلى وأده وهو لما يزل في المهد.
أتى رد إسرائيل على اتفاق مكة عبر الخاصرة السورية الرخوة، حيث أرسل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طائرات حربية لتغير على مطار أبو الظهور في شمال سوريا، كما أعاد تنشيط قنوات الاتصال مع القوى المعادية لحكومة الرئيس أحمد الشرع في محافظة السويداء. بدورها، دفعت طهران الفصائل العراقية الشيعية إلى مهاجمة السعودية، كما حرضت حركة “أنصار الله” اليمنية (الحوثيين) على تنفيذ حصار بحري على الموانئ السعودية على البحر الأحمر، وشن هجوماً مباغتاً على قوات الحكومة اليمنية في جبهة المخا، أدى إلى سيطرة الحركة على مضيق باب المندب.
صمم الحوثيون، بوحي من الإيرانيين، هجومهم على المناطق اليمنية المشرفة على باب المندب كي يساهم في تحقيق النتائج التالية، أولاً: رفع منسوب الضغط على المفاوض الأميركي عبر منع توريد ملايين البراميل من النفط السعودي عبر مضيق باب المندب، بما من شأنه رفع أسعار المشتقات البترولية على المستهلك الأميركي عشية انتخابات الكونغرس الحاسمة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. راهن الإيرانيون على هذه الخطوة علها تقنع الأميركيين بفك الحصار البحري عن بلادهم، سيما بعد فشل طهران في الحد من تدفق النفط العربي عبر مضيق هرمز. ثاني تلك النتائج، تعزيز موقف المحور الإيراني عبر الإمساك بورقة مضيق جديد، يضاف إلى هرمز. أما النتيجة الثالثة، فهي إجبار المجتمع الدولي على الاعتراف بشرعية الحكومة التي أقامتها الحركة الحوثية في العاصمة اليمنية صنعاء.
اللاعبون الإقليميون يغيرون حساباتهم
إلا أن تداعيات النقلة الحوثية فاقت ما يمكن للدول الإقليمية أن تتحمله. مثلت هذه النقلة أخطر تحول في ساحة الصراع الإقليمي، مذ خسرت طهران نفوذها الراجح في بلاد الشام جراء تدمير إسرائيل قطاع غزة، وقتلها الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، وسقوط نظام الأسد. من جهة أخرى، انعكس تقدم الحوثيين في جبهة المخا، سلباً، على الموقف الأميركي في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران الرامية إلى إنهاء الحرب.
وسواء أتعلق الأمر بمدى تماسك تحالف مكة وقدرته على مواجهة التحديات، أو سير المفاوضات الأميركية الإيرانية أو أدوار القوى الإقليمية ما بعد “طوفان الأقصى” والمنافسة المحتدمة ما بين المحاور المتصارعة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط، أتت الضربة الحوثية في توقيت حساس، وفرضت إيقاعها على مجمل الأوضاع في المنطقة.
انكشاف المشرق العربي
لذلك، كان من الطبيعي أن تدفع التغييرات التي شهدتها الساحة اليمنية القوى الإقليمية إلى إعادة النظر في حساباتها. تحفز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لجني مكاسب لم يحلم بها، واستغلال الموقف الإقليمي العجيب، الذي نشأ في أعقاب هجوم الحوثيين على باب المندب.
ومذ حطمت إسرائيل، الذراع الإيرانية الرئيسية في بلاد الشام (حزب الله) وقصمت ظهر إيران والفصائل العراقية، أضحت قادرة على إسقاط قوتها في البحر الأحمر من دون أن تلقي بالاً لطهران. ولقد أدى تجدد الحرب اليمنية إلى توسيع هامش تل أبيب كي تنفذ خططها حيال “صومالي لاند”، على حين تغرق الرياض، خاصةً، وتحالف مكة، عامةً، بمعالجة تداعيات النقلة الحوثية في باب المندب. باختصار، لم تؤدِّ تلك النقلة سوى إلى انكشاف المشرق العربي، أكثر فأكثر، أمام المد الإسرائيلي.
اتفاق بكين من الماضي؟
قضى الحرس الثوري الإيراني قضاءً مبرماً على اتفاق بكين، الذي كان يترنح، نتيجة إصراره على تطويق السعودية عبر مضيقي هرمز وباب المندب، والحط من قدرها لتصبح دولة من الدرجة الثانية، في الوقت الذي لا تزال فيه إيران عالقة في حرب مصيرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
حرر الحرس الثوري، بتمزيقه اتفاق بكين، الرياض من وطأته، لتمضي بعيداً في طريق التعاون مع الولايات المتحدة، ودفعها كي تفتح الباب أمام تمدد الدورين التركي والباكستاني نحو المسألة اليمنية الشائكة، وفي قلبها مصير مضيق باب المندب. ومن شبه المؤكد أن تغري فكرة استعادة نفوذها في باب المندب، تركيا، التي استبعدت عنه بعد هزيمة الدولة العثمانية العليا في الحرب العالمية الأولى.
“الأرض المنخفضة تأتي بالسيل العرم“
حاولت تركيا وباكستان إقناع إيران بالتراجع عن خطوتها المتهورة ضد الرياض، إلا أن جهودهما لم تصادف نجاحاً يذكر. وبغض النظر عن التعنت الإيراني حيال المطالب التركية والباكستانية، فلقد عمّقت العملية الحوثية أزمة السعودية في اليمن، وأججت لهيب الصراع بين الفئات اليمنية. وكما قالت العرب: “الأرض المنخفضة تأتي بالسيل العرم”، إذ أدت العملية الحوثية إلى انهدام جديد في الساحة اليمنية لن يلبث أن يستدعي المزيد من القوى الخارجية. إن تقديم الدعم للحكومة اليمنية وللسعودية أسهل في ظل المناخ الدولي المعارض لتحركات الحوثيين. كما أن مساندة الرياض في اليمن ستوفر لتلك القوى إطلالة راسخة على قضايا البحر الأحمر، ومقعداً على الطاولة المتشكلة حول باب المندب، المضيق الذي يمر عبر مياهه عُشر التجارة العالمية.
وحتى وقت قريب، منعت إيران إسلام آباد وأنقرة من لعب دور فاعل في الحرب اليمنية، من خلال تهديدهما من خاصرتيهما الرخوة. دعمت طهران نظام الأسد، ورابطت قواتها لعقود في سوريا، كشوكة في حلق الأتراك، الأمر الذي عرقل تحركات أنقرة وحدّ من حرية عملها على الصعيد الإقليمي. من جهة أخرى، عقدت إيران تفاهماً مع الهند حول أفغانستان يستهدف صراحةً المصالح الباكستانية، كي تعقل الباكستانيين وتثبط هممهم عن التدخل في شؤون المشرق العربي.
حرر سقوط نظام الأسد، الأتراك من الابتزاز الإيراني، وأطلق أيديهم ليمارسوا دوراً أكبر في الشؤون الإقليمية، كما أدت حاجة طهران إلى باكستان، للحصول على احتياجاتها من الصين بعيداً عن الطرق البحرية الخاضعة للحصار الأميركي، وتراجع وتائر التنسيق الهندي الإيراني جراء تنامي أواصر الحلف الهندي الإسرائيلي، إلى توسيع هامش مناورة إسلام آباد حيال حكم حركة “طالبان” في أفغانستان، التي تحولت إلى تركيا، والسعودية، وقطر كوسطاء قادرين على تيسير حوار حرج بينها وبين القيادة الباكستانية الحازمة. علاوةً على ذلك، تحد الحرب المستمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل من هامش مناورة الإيرانيين، وإن صدعوا الرؤوس بخلاف ذلك. يشرح ما ورد أعلاه ما اتصفت به نبرة أنقرة وإسلام آباد حيال الخطوة الحوثية، من حدة، لكن العاصمتين تريثتا قبل اتخاذ أي رد ملموس.
عرض إيران التفاوضي.. حيلة مكشوفة
بعد تمدد الحوثيين نحو باب المندب، رفع الإيرانيون راية التفاوض وقدموا مع الحوثيين، عرضهم المزدوج، للأميركيين. تضمن العرض الحوثي “السخي”، فعلاً، تعهداً بعدم استهداف السفن الأميركية والإسرائيلية المارة من البحر الأحمر إلى باب المندب، مانحين الإسرائيليين ضماناً إضافياً لمشاريعهم في إقليم “صومالي لاند”. في المقابل، عرضت طهران على واشنطن فتح مضيق هرمز، بشكل مؤقت، لمدة سبعة أيام وربطت ذلك بمسار أشد وضوحاً حول برنامجها النووي.
أراد الإيرانيون من مناورتهم، إصابة عدة أهداف، أولها، تبديد النذر المتجمعة من حولهم ومن حول الحوثيين قبل أن تتحول إلى عاصفة عاتية، ثانياً، دق أسفين بين واشنطن، من جهة، والرياض وأنقرة من جهة أخرى. ثالثاً، استغلال أزمة باب المندب من أجل تحسين موقفها التفاوضي حول مضيق هرمز، خصوصاً بعد فشلها الذريع في إغلاقه، رابعاً، شرعنة الدور الإيراني في هرمز، خامساً، كسب الوقت من أجل تثبيت مكاسب الحوثيين حول باب المندب، وتحويلها إلى أمر واقع شرعي، ولو كان الثمن السماح للسفن الإسرائيلية والأميركية بمخر عباب المضيق، بينما يغلق في وجه السفن السعودية المحملة بالنفط.
من نافل القول، إن حسابات طهران مكشوفة للاعبين الإقليميين والدوليين وأن تذاكي المفاوضين الإيرانيين، لن يفلح في تحقيق هذه الأهداف.
وتوطئةً لما يمكن أن تتخذه من إجراءات على المسرح اليمني، خطت أنقرة خطوة إلى الوراء في سوريا، وأبدت تجاوباً مع الجهود الإماراتية للبحث عن تهدئة مع إسرائيل. أعطت أنقرة، من خلال اتفاقها مع بغداد على تسليم قاعدة زليكان في بعشيقة، بشكل تدريجي، إلى العراق، إشارة على ما يمكن أن تذهب إليه من توقيع اتفاقات مشابهة مع سوريا لإنهاء وجودها العسكري على الأراضي السورية، ربما خلال الزيارة المرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العاصمة السورية. وعلى هذا العنصر تدور المباحثات الإقليمية الجارية حول سوريا، والتي تهدف إلى تمهيد الطريق أمام التحركات القادمة على الساحة اليمنية حيث خانت طهران السعوديين ومزقت بيديها اتفاق بكين.
إلا أن طريق الوساطة الإماراتية، التي احتلت صدارة المشهد الإقليمي، لن يكون مفروشاً بالورود. فمن المرجح أن تصطدم جهود أبو ظبي، بمحاولات نتنياهو لخلط الملفات بعضها ببعض كسوريا، ليبيا، الصومال واليمن، بينما لن توفر طهران أي وسيلة لإحباط الجهود الإماراتية، ولو لجأت كعادها إلى أساليبها التخريبية.