لا تتعامل واشنطن مع باب المندب بوصفه جبهة يمنيّة معزولة. فالممرّ البحريّ يتّصل بأمن البحر الأحمر والطاقة والتجارة، وبالمواجهة الأوسع مع إيران. وفي هذا الحساب، تحتاج الولايات المتّحدة إلى السعوديّة بما تملكه من ثقل عربيّ وإسلاميّ، وقدرة على التأثير في خيارات عواصم المنطقة. كما تدرك الولايات المتّحدة الأميركيّة وإسرائيل أنّ أيّ ترتيب أمنيّ أو سياسيّ إقليميّ يحتاج إلى مشاركة الرياض كي يحظى بوزن سياسيّ وفرصة أكبر للاستمرار.
من هنا تكتسب أهميّة لقاء وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان بالأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزيّة الأميركيّة، في جدّة. وفي معلومات “أساس”، تمحور الاجتماع حول اليمن وسبل وقف تهديد الحوثيّين للسعوديّة، وضرورة قيام تنسيق سعوديّ أميركيّ يتيح احتواء الخطر عند باب المندب. وتشير المعلومات إلى تفاهم أميركيّ ـ سعوديّ سبق التحرّك، وإلى أنّ كوبر عرض على الجانب السعوديّ أهميّة توسيع المقاربة لتشمل شركاء إقليميّين.
من التّفاهم الثّنائيّ إلى المقاربة الإقليميّة
تكمن دلالة اللقاء في أنّه يضع أمن المملكة ضمن نقاش أوسع عن شكل الترتيبات المقبلة، ولا يقتصر على تفاصيل المواجهة وحدها. فالسعوديّة طرف قادر على ترجيح نجاح أيّ اصطفاف في المنطقة أو تعثّره، وعلى التأثير في مواقف دول عربيّة وإسلاميّة أخرى. لذلك تسعى واشنطن إلى شراكة معها في صياغة أمن الإقليم، فيما ترى تل أبيب أنّ حضور الرياض يمنح أيّ ترتيبات جديدة مدى يتجاوز التعاون الثنائيّ.
في قراءة الكواليس الدبلوماسيّة، لا يُفصل الضغط الحوثيّ في الأسابيع الماضية على السعوديّة عن هذا المسار، إذ أتاح خطرٌ مباشر على المملكة دفع التنسيق السعوديّ الأميركيّ إلى مستوى أوسع، مع إمكان انضمام شركاء إقليميّين. ولا يعني ذلك أنّ مآلات التعاون السياسيّ أو الأمنيّ قد حُسمت، لكنّ هناك ما يفتح نقاشاً حول طبيعة البنية التي قد تنشأ: هل تقتصر على حماية السعوديّة والممرّات البحريّة أم تمتدّ إلى تبادل استخباراتيّ وتنسيق أمنيّ إقليميّ؟ وأين تقف إسرائيل من أيّ صيغة تتبلور لاحقاً؟
واشنطن والرّياض: مدخل إلى معادلة باب المندب
تتجاوز دلالة أيّ تحوّل ميدانيّ استعادة موقع أو تأمين ممرّ بحريّ. فحسم الخطر الحوثيّ، إذا تحقّق وترافق مع استقرار سياسيّ وأمنيّ قابل للاستمرار، يتيح للسعوديّة استعادة مساحة من الحركة والموارد الدبلوماسيّة والأمنيّة التي استنزفها الملفّ اليمنيّ. وعندها تستطيع الرياض أن تمنح اهتماماً أكبر لملفّات المنطقة الأخرى، من أمن الخليج وإدارة العلاقة مع إيران إلى التوازنات في لبنان والبحر الأحمر. لذلك لا يُقاس نجاح المسار بما يحقّقه عسكريّاً فقط، بل أيضاً بما يفتحه أمام المملكة من خيارات إقليميّة.
عليه، فإنّ شراكة واشنطن والرياض في فرض معادلة باب المندب، تقول مصادر دبلوماسيّة متابعة لها، أنّها ستفتح أبواب معادلات سياسيّة وأمنيّة أخرى في عدد من الدول، تدخل ضمن ترتيبات المنطقة في المرحلة المقبلة.
فلسطين في حسابات التّرتيب المقبل
يقرّ العقل الأميركيّ والإسرائيليّ أنّ السعوديّة تتمتّع بموقع قياديّ في العالم الإسلاميّ، إلى جانب مكانتها الدينيّة وثقلها السياسيّ، وهذا ما يجعلها حاجة ماسّة لتكون شريكة في أيّ ترتيب مقبل للمنطقة، لا سيما في الملفّات الحسّاسة والشائكة كالملفّ الفلسطينيّ.
أمّا المملكة، ومن الموقع نفسه الذي يجعلها حاجة لواشنطن وتل أبيب، فهي أيضاً لا تستطيع أن تتخلّى عن قضيّة فلسطين أو أن تتعامل معها كملفّ هامشيّ. فموقفها المعلن لا يزال يؤكّد على حلّ الدولتين وإقامة دولة فلسطينيّة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقيّة. ويشكّل هذا الموقف إحدى الثوابت التي ينبغي قراءة أيّ مسار إقليميّ في ضوئها.
من هنا، لا يقتصر السؤال على ما إذا كان التعاون السعوديّ الأميركيّ سيتّسع أمنيّاً، بل يتعدّاه إلى أثره في السياسة الإقليميّة: فهل يقود إلى شبكة تعاون استخباراتيّ وأمنيّ بمشاركة أطراف عدّة؟ وهل يفتح لاحقاً مساراً تطبيعيّاً أم تبقى الملفّات الأمنيّة منفصلة عن أيّ تفاهم سياسيّ بشأن فلسطين؟
لا تحسم المعطيات الحاليّة الإجابة، لكنّها تضع الرياض في موقع من يشارك في رسم حدود الترتيب وشروطه، بحكم قدرتها على التأثير في نجاحه عربيّاً وإسلاميّاً.
