صقر أبو فخر… ضفة ثالثة
I
صدر حديثًا كتاب جديد للدكتور فارس اشتي عنوانه “الموحدون الدروز والشهابيون في وادي التيم: التباس في التأسيس والدور” (جديدة المتن: دار سائر المشرق، 2026). ويُصنّف هذا الكتاب في فئة الميكروستوريا، أو التاريخ الجزئي، ويتناول جانبًا من تاريخ وادي التيم وتاريخ سكانه. ويُفند الكاتب الحكاية الجارية عن قتال الشهابيين للفرنجة بقيادة أميرهم منقذ في عام 1174 ميلادي (ص 106)، وانتصارهم عليهم وعلى قائدهم قنطورا (الكونت أورا). ويتساءل: هل الشهابيون أمراء بالإرث؟ وهل كانوا حقًا متصدّري مواجهة الفرنجة ثم المغول؟ أم هم نبت محلي أتاح لهم كبر عددهم الإمرة؟ (ص 10). والمعروف أن الشهابيين ليسوا نبتًا محليًا، فهم، بحسب الكاتب، جاءوا إلى وادي التيم من إذرعات في حوران في عام 1171 (ص 106)، مع أن المصادر تذكر مجيئهم من مدينة شهبا في جبل العرب اليوم، وليس من درعا التي هي أذرعات القديمة، وربما كانوا موجودين في المدينتين معًا في إحدى الحقب.
مهما يكن الأمر فإن المؤلف يخطو خطوة إضافية في البرهان على وجود جماعات متخالفة عقيديًا في وادي التيم في مطالع القرن الحادي عشر ميلادي، وقد نَسَبها مؤرخون كثر إلى الجماعة الدرزية. وأظهر كتاب فارس اشتي أن دروز وادي التيم كانوا جماعتين: جماعة نشتكين الدرزي وجماعة حمزة بن علي وتابعه بهاء الدين المقتنى. الجماعة الأولى اندثرت في مجرى الزمان، والجماعة الثانية بقيت وعُرفت باسم الموحدين. غير أن السؤال في مثل هذه الحال هو التالي: هل اختلطت عقائد الموحدين بالعقائد التي أحدثها نشتكين الدرزي؟ وما هي العقائد المدسوسة؟ والكاتب نفسه يتساءل: هل الدروز الوارد ذكرهم في تلك المرحلة، أي ما بين القرنين الحادي عشر والسادس عشر ميلادي، هم أنصار حمزة بن علي؟ أم أنصار الدَرَزي؟ (ص 10).
II
لإثبات فرضيته عن الشهابيين واستحالة قتالهم الفرنجة والمغول، وعن دروز وادي التيم في بدايات تأسيس مذهبهم، صال المؤلف وجال، وشرّق وغرّب، وعاد إلى التوراة والمراجع الجغرافية والتاريخية وكُتُب الأنساب، واسترسل في عرض المعلومات عن وادي التيم الذي سنجد الاسم نفسه منثورًا في كثير من بقاع العرب والعجم (ص 22 و 23). فهناك وادي التيم في طريق العقبة بجنوب الأردن، ووادي التيم في ردفان باليمن، وبلاد التيم قرب المدينة بالحجاز، وبلاد التيم غربي مدينة صنعاء، وبلاد التيم في وادي السرحان (وادي الأزرق) في منطقة الجوف، وهناك جبل تيم بالقرب من المدينة (يثرب)، والتيم شرق حائل، وبئر التيم في صحراء النفوذ في نجد. والتيم إحدى مناطق هجر شمر في الهفوف من بلاد الأحساء. وجميع هذه المواقع لا تنطبق على وادي التيم الواقع غربي جبل الشيخ (حرمون). وليس مفيدًا، علميًا، أن نعرف هل إن أصل التسمية جاء من بلاد الصُغد أو من بلاد الهند؛ فالمهم هنا هو وادي التيم المعروف بنطاقه الجغرافي الممتد من حاصبيا إلى راشيا ثم إلى عنجر شمالًا، أو بين ضهر الأحمر وخان حاصبيا، ويمكن مد نطاقه إلى مرجعيون والخيام جنوبًا، وإلى دير زنون شمالًا (ص 27). ومن غير المفيد أيضًا العودة إلى التوراة لاكتشاف كلمة تيم لأن التوراة ليست كتابًا علميًا، أو مرجعًا تاريخيًا أو جغرافيًا أو حضريًا؛ فهذه طريقة مشايخ المعاهد الأزهرية وطلاب كليات الشريعة والمغرمين بالتأصيل والتأثيل وحتى التفحيل. فإذا أراد أحدهم أن يدرس نبتة “المريمية” مثلًا، ينثني إلى القواميس ليفتش عن المريمية وعن الميرمية وعن القصعين والعيزقان، ثم عن نظائرها، وهذا الجهد كله لا يقدم ولا يؤخر. إذًا، لا داعي إلى التزيد في البحث عن كلمة “تيم” في مثل هذه الدراسة، وهل هي اسم مكان أم اسم جماعة، وما هو الأصل اللغوي لها، خصوصًا أن الاحتمالية والشك وحرف “قد” طغت على استنتاجات الكتاب، ولم يحسم المؤلف تناقضات المراجع، بل كان يحيل، في كثير من المواضع، إلى الاحتمالات، فيقول، على سبيل المثال، ما يلي: “احتمال نسبة الاسم إلى إحدى القبائل العربية، واحتمال نسبة الاسم إلى السريانية، وهي تعني الجنوب، أو نسبة الاسم إلى الخرسانية وتعني الخان” (ص 25 و26). والترجيح بيّنٌ في الكتاب؛ فالموقع الموسوم بـِ”سبطاس” يجعله الكاتب بالقرب من الإسكندرية (ص 48 و61)، لكنه لا يستبعد أن يكون بين نابلس وجنين حيث توجد هناك قرية سبسطية. وهذا الأمر يحتاج إلى تحقيق علمي، وليس إلى التشابه الصوتي بين الموقعين. والمهم، أولًا وأخيرًا، أين يوجد الموقع الصحيح لسبسطاس؟ والترجيح في هذه الحال لا يفي بالغرض. وكذلك عبارة “قلعة الشقيف” التي يتردد الكاتب في أن تكون في تيرون أم في أرنون (ص 73). وهذه غير تلك؛ فشقيف أرنون عند النبطية، وقد احتلته إسرائيل في سنة 2026، وله تاريخ معروف. أما شقيف تيرون الوارد في ص 31 بصيغة نيرون، فهو برج نيحا في منطقة الشوف.
| المؤلف يخطو خطوة إضافية في البرهان على وجود جماعات متخالفة عقيديًا في وادي التيم في مطالع القرن الحادي عشر ميلادي |
III
الكتاب، على أهمية الفرضيتين اللتين عالجهما المؤلف، ذو حمولة زائدة من الاستشهادات، والمقتبسات الكثيرة. ولا شك في أن التهاطل الغزير والمتدفق للمراجع جعل القدرة البرهانية للفرضيتين غير جلية. فاستخدام 206 مراجع (200 مرجع عربي و6 مراجع بالإنكليزية)، علاوة على الحواشي الكثيرة، هو تزيّد لا يضيف أي قوة برهانية على النص، خصوصًا أن معظم الأسماء والوقائع غير مألوفة للباحثين في تاريخ بلاد الشام أو في تاريخ لبنان؛ فشخصية مثل سُكين مثلًا الذي يُعتقد ان اسمه مرتضى الدولة أبو نصر منصور بن لؤلوء، مجهولة تمامًا. وعلى غراره تفتكين وابن تالشيل وبرقوق إيبغا وابن البربرية ومنطاش وأبو الجيش وختكين وابن عبدون النصراني، وزوجة علم الدين الرمطوني ومعركة قرنايا. فإذا كان الكتاب موجّهًا إلى الدروز، فهم يعرفون بالضرورة سكين والدَرَزي والست سارة والداعي عمّار… إلخ معرفة شفوية متوارثة. لكن إذا كان الكتاب موجّهًا إلى الدارسين والباحثين والمؤرخين، فإن مثل هذه الأسماء وتزاحمها بين الصفحات، تجعل النص عصيًا على الإحاطة بالفرضية التي أراد المؤلف نقضها. ومع ذلك، فإن الكتاب يثير أسئلة مهمة أكثر مما يقرر الأجوبة، وهذا أمر حسن في جميع الأحوال.
كثير من المؤرخين في لبنان يقعون في مصيبة منهجية ومعرفية هي إسقاط الحاضر على الماضي، فلا يتورعون عن الكلام على مجيء المعنيين (آل معن) إلى لبنان، أو انتقال آل جنبلاط، وهم حكام منطقة كلِّس في جوار حلب، إلى لبنان. والصحيح أن آل معن جاءوا إلى بعقلين في منطقة الشوف التي كانت خالية من السكان. وجاء آل جنبلاط بعدهم إلى الشوف، وليس إلى لبنان، لأن الشوف لم يكن جزءًا من لبنان في ذلك الزمان. وفي هذا الميدان العلمي والتاريخي بات من الثابت أن مصطلح “لبنان” لم يكن يشمل، جغرافيًا، الشوف والغرب والمناصف والجرد والعرقوب، ولم يشمل حتى كسروان والمتن والجوار، لأن جبل لبنان إنما هو “جبل في الشام من أعمال حمص” أو “من أعمال طرابلس”، أو جبل في الشام قريب من تدمر (انظر: محمد عبد المنعم الحميري، “الروض المعطار في خبر الأقطار”، تحقيق إحسان عباس، بيروت: مكتبة لبنان، 1975). وبهذا المعنى فإن جبل لبنان بقي حتى أوائل القرن التاسع عشر محصورًا بالمنيطرة وبشري وأعالي البترون وجبيل. وحتى عندما أنشأ العثمانيون بعد معارك 1840 بين الدروز والموارنة نظام القائمقاميتين، جعلوا الاسم هكذا: قائمقامية النصارى وقائمقامية الدروز، ولم يُدخلوا عبارة “لبنان” إلى الاسم الرسمي للقائمقاميتين. والمرة الأولى التي ظهر فيها اسم لبنان ككيان سياسي كان مع ابتداع نظام المتصرفية في عام 1861 بعد المعارك الدموية بين الدروز والموارنة. وراح الاسم يتمدد حتى شمل المنطقة الواقعة بين بشري وجزين، ورفض أهالي مرجعيون والكورة الانضمام إلى هذا الكيان الجديد. وقبل ذلك كان لبنان مجرد جبل يسكنه الموارنة، تمامًا مثل جبل الدروز الذي تسكنه طائفة الموحدين، أو مثل جبل عامل الذي يقطنه الشيعة، أو مثل جبل النصيرية الذي يعيش في مرتفعاته العلويون.
IV
لم يتنبه المؤلف الدكتور فارس اشتي، على الراجح، إلى أن بني معن (ومنهم فخر الدين المعني) ليسوا من الدروز بل من السنة الأكراد الأيوبيين على غرار آل جنبلاط السنة الأكراد. والكلام على اعتناق آل معن الدرزية في معرة النعمان قبل مجيئهم إلى البقاع ثم إلى الشوف، خصوصًا بعد مصاهرتهم التنوخيين، هو من فبركة المؤرخين المتأخرين المتخابثين. وكان على المؤلف أن يفند هذا العويل الذي يشبه القمح قبل الصويل. فالمعروف المؤكد أن طغتكين، حاكم دمشق، طلب من معن الأيوبي كبير عشيرة بني معن الكردية أن ينتقل إلى مناطق الشوف الخالية من السكان، ويقيم فيها لحراسة المرتفعات المطلة على البحر، واستغلال الأراضي. أما التنوخيون فهم ليسوا قبيلة بل حلف قبلي قوامه البحتريون والأرسلانيون وآخرون كثر، وهؤلاء كانوا على مذاهب شتى: سنة وشيعة وكيسانيون ودروز وعلويون.
ولنا في هذا الميدان بعض الملاحظات التي من الممكن تداركها في الطبعة المقبلة. فالكاتب يقول إن قبر الشاعر امرئ القيس، أمير بني كلب، موجود في النمّارة شرق حوران (ص 32، الهامش 86). لكن الشاعر امرؤ القيس مات في بيزنطة، وقبره عند جبل عسيب أو تلة هيديرليك (خضر ليك) حاليًا. أما المدفون في النمارة جنوب صلخد فهو امرؤ القيس بن عمرو، والمتوفى في سنة 328 ميلادي، وهو غير الشاعر المشهور الذي توفي في 540 ميلادي، أي بعد الأول بـِ212 سنة. وجاء في الصفحة 124 أن المصادر القديمة لم تورد ذكرًا لآل شهاب، ولم يُعرف لهم نسب موثق قبل القرن التاسع عشر. لكن، في الجملة التالية بعدها مباشرة يقول: وقد بدأ ورود ذكرهم في أواخر القرن الخامس عشر للميلاد. إذًا، كيف يستوي هذا مع ذاك؟ إلا إذا كان المقصود إليه القرن التاسع وليس القرن التاسع عشر. ثم مَن هو “ذفاتر” صاحب قلعة الشقيف الوارد ذكره في الصفحة 106؟ وعن قرية قرحتا (ص 166) يقول إنها قرية في غوطة دمشق ما زالت عامرة، وهي تقع جنوبي تل الشيخ شيبان وغربي تل الندى [تل أبو الندى] وتبعد عن القنيطرة 14 كلم. والواضح أن ثمة خلطًا بين قريتين تدعى كل واحدة منهما قرحتا، وهو من اضطراب المراجع. فكيف تكون قرحتا من قرى غوطة دمشق وهي تبعد عن القنيطرة 14 كلم التي تبعد بدورها عن دمشق نحو 70 كلم؟ والصحيح أن هناك قرية تدعى قرحتا تتبع ناحية دوما (أي في غوطة دمشق)، وقرية أخرى تدعى قرحتا تقع في الجولان المحتل، وهذه الأخيرة غير عامرة بل دمرتها القوات الإسرائيلية بعد احتلالها في سنة 1967. وقرية قرحتا الجولانية هي التي تقع إلى الغرب من تل أبو الندى وجنوبي تل الشيخ شيبان وتبعد عن القنيطرة 14 كلم، وهي ليست قرية قرحتا الدومانية التي ما برحت عامرة حتى اليوم.
لا ريب في أن الفرضيتين اللتين عالجهما الدكتور فارس اشتي في كتابه هذا، ونقض فيه حكاية قتال الشهابيين للفرنجة والمغول، ثم برهن على أن أتباع الدولة الفاطمية في عصر الحاكم بأمر الله كانوا منقسمين في وادي التيم إلى جماعتين متخالفتين في العقيدة وفي الدور السياسي والعسكري، تكتسبان أهمية خاصة في ميدان التاريخ المحلي، وتفتحان الكوى المعتمة على آفاق جديدة في دراسة المناطق التي أُلصق بعضها ببعض، وصار اسمها، منذ سنة 1920، لبنان الكبير. وكان ذلك بهمة الاستعمار الفرنسي ومندوبه السامي الجنرال غورو وأنصارهما في لبنان.