الثامن من كانون الأول.. حين خرجت اللغة العربية من سجن صيدنايا

كاتب وصحافي سوري.. المصدر الثورة السورية
في الثامن من كانون الأول 2024، حين فُتحت أبواب السجون وسقطت صورٌ ظلت معلقة فوق رؤوس السوريين عقوداً، تحرر شيء آخر لم يكن اسمه في قوائم المعتقلين: اللغة. فمنذ انقلاب الثامن من آذار 1963، عاشت العربية في المجال الرسمي السوري داخل قاموس صنعته السلطة: الثورة، الجماهير، النضال، الصمود والتصدي، المؤامرة، القائد التاريخي.
لم تكن المشكلة في الكلمات نفسها، بل في أن جهة واحدة امتلكت المدرسة والصحيفة والتلفزيون والحزب والمنبر، ثم امتلكت معها سلطة تعريف ما تعنيه الكلمات. فالسلطة الأقوى ليست دائماً تلك التي تمنعك من الكلام؛ قد تكون تلك التي تضع القاموس أمامك قبل أن تبدأ الكلام.
كان البعث ابن زمن عربي مزدحم بالأيديولوجيات الكبرى، لكن كلماته تغيرت حين انتقلت من ساحة الأفكار المتنافسة إلى دولة تحتكر المجال العام. صار انقلاب 1963 “ثورة الثامن من آذار”، وبعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 صار الانقلاب: “الحركة التصحيحية المجيدة”. وهنا تبدأ سلطة التسمية: لا تحتاج السلطة إلى محو الواقعة، يكفي أن تمنحها اسماً جديداً، ثم تكرره حتى يكاد يحل محل الواقعة نفسها.
ومع حافظ الأسد، ضاقت لغة الحزب حول شخص القائد، إذ درست عالمة السياسة الأميركية ليزا ويدين هذه الظاهرة، ولاحظت أن طقوس تمجيد الأسد لم تكن تحتاج بالضرورة إلى أن يصدق السوري ما تقوله، كان يكفي أن يتصرف في المجال العام كما لو أنه يصدقها. وهكذا لم تكن السلطة تنتج المصفقين فقط، كانت تنتج وهماً بأن الجميع يصفقون.
وساهم كتّاب وإعلاميون في صناعة صورة “القائد المفكر”، ومنهم إسكندر لوقا، الذي خص الأسد بكتب تستخرج من أقواله “قيماً فكرية إنسانية” وتصوغ “معجماً” لفكره. لم يعد كلام الرئيس خطاباً سياسياً يمكن نقده، صار مادة تُجمع وتُفسر، ثم تعود إلى المجتمع بوصفها فكراً. ثم بلغ القاموس “الأبد”، وصارت عبارة “سوريا الأسد” مألوفة إلى حد كادت تفقد معه غرابتها: لم يعد الحاكم منسوباً إلى الوطن، بل صار الوطن، رمزياً، منسوباً إلى الحاكم.
لكن الهيمنة اللغوية كانت تبدأ أبكر: في المدرسة. بعد الصدام مع الإخوان المسلمين، أجبر آلاف الطلبة على ترديد شعار في بداية كل يوم مدرسي، إذ يقوله الموجّه أو مدرس التربية العسكرية: “عهدنا”، فيجيب التلاميذ: “أن نتصدى للإمبريالية والصهيونية والرجعية”، ثم يقول: “ونسحق”، فيأتي الجواب الجماعي: “أداتهم المجرمة، عصابة الإخوان المسلمين العميلة”.
لم يكن مطلوباً من طفل في 13 من عمره أن يعرف من هم الإخوان أو ماذا جرى بينهم وبين السلطة، كان المطلوب أن ينطق بالحكم قبل أن يمتلك المعرفة التي تسمح له بإصداره. وهنا نتجاوز الدعاية إلى مستوى أعمق: أن تضع السلطة النتيجة في عقل الإنسان قبل أن تسمح له بطرح السؤال. مع بشار الأسد تغيرت النبرة أكثر ما تغيرت البنية، دخلت مفردات “التطوير والتحديث” والإصلاح والتكنولوجيا، لكن من يحتكر القرار طويلاً قد يعتاد أن يحتكر تفسير القرار أيضاً.
ثم جاء عام 2011 وقبل أن ينفجر الشارع السوري، انقلبت اللغة أولاً. من “طبيب العيون في العيون” إلى “إجاك الدور يا دكتور”: ارتبطت صورة بشار الأسد، طبيب العيون الذي صار رئيساً، بعبارات تمجيد تستثمر لقب “الدكتور”. لكن اللغة نفسها انقلبت عليه في درعا، حين كتب فتية على الجدران عبارات مناهضة للنظام، وارتبطت ببدايات الحادثة جملة ستصبح من أشهر جمل الثورة: “إجاك الدور يا دكتور”.
كانت جملة قصيرة، لكنها قلبت علاقة كاملة باللغة، انتُزع لقب “الدكتور” من قاموس الهيبة ووُضع في جملة ساخرة تخبر صاحبه، بعد سقوط حكام عرب قبله، بأن دوره قد حان. قبل أن يسقط السوريون شيئاً من النظام، كانوا قد أسقطوا لغوياً شيئاً من هيبته. ولعل هذا يفسر لماذا بدت الكتابة على جدار مدرسة أخطر بكثير من حجمها، فالسلطة التي أمضت عقوداً تعلّم السوريين كيف يسمونها وكيف يسمون خصومها، وجدت أطفالاً يفعلون العكس: المحكوم صار يسمي الحاكم. اعتُقل الأطفال وتعرضوا للتعذيب بحسب شهادات موثقة، وتحول اعتقالهم وإهانة ذويهم إلى أحد محركات احتجاجات درعا.
هكذا ارتبطت شرارة الثورة بفعل لغوي بسيط: كلمات على جدار. ثم خرج الانقلاب اللغوي إلى الشارع: “الشعب السوري ما بينذل”، و”الله، سوريا، حرية وبس”. وفي الشعار الأخير احتفظ السوريون ببنية جملة عرفوها طويلاً، لكنهم انتزعوا منها اسم الحاكم ووضعوا الحرية مكانه. كانت الثورة، في واحدة من أكثر صورها كثافة، تجري جراحة في جملة.
ولم تكن سورية استثناءً عربياً كاملاً. من مصر وليبيا إلى عراق صدام حسين، عرفت الجمهوريات السلطوية صناعة الألقاب والشعارات والقواميس التي تدمج الحاكم بالدولة والوطن. لكن الحالة السورية اكتسبت خصوصيتها من طول الهيمنة وشمولها المدرسة والحزب والإعلام، ومن التصاق اسم الوطن باسم الحاكم. والمفارقة أن قاموساً عربياً مضاداً عبر الحدود أيضاً: “الشعب يريد إسقاط النظام” انتقل من تونس ومصر إلى سورية، ثم أعاد السوريون صياغته بلهجتهم وتجربتهم: “إجاك الدور يا دكتور”.
وقد تنبّه “فيكتور كليمبرر”، عالم اللغة والناقد الألماني الذي وثّق لغة الرايخ الثالث، إلى قدرة اللغة السياسية المتكررة على التسلل إلى العادات الذهنية. والمقارنة هنا ليست بين النظامين، بل بين آلية لغوية: تبدأ السلطة بصناعة القاموس، ثم يبدأ القاموس بصناعة الطريقة التي يُرى بها العالم.
وهنا يمكن الذهاب خطوة أبعد وهو ما أسميه: الاستعباد المعرفي. فالاستبداد يريد منك أن تطيع، والدعاية أن تصدق، والهيمنة اللغوية أن تستخدم مفردات السلطة. أما الاستعباد المعرفي فيبدأ حين تسعى السلطة إلى تحديد الأدوات التي تفهم بها الواقع نفسه: لا تعاقب شخصاً فقط، بل تسميه “خائناً”؛ لا تخوض حرباً فقط، بل تقرر من يمثل “الوطن” ومن يمثل “المؤامرة”.
وبقراءة تدبرية لبنية خطاب فرعون، يلفت النظر قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾. كأن معرفة الحاكم تريد أن تصبح سقفاً لمعرفة الجماعة، ثم تبلغ البنية ذروتها: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. إنها بنية تتكرر كلما تمددت السلطة من حكم أفعال الناس إلى حكم تصوراتهم.
وهنا يكمن الخطر بعد الثامن من كانون الأول 2024. فالاستبداد لا يموت بالضرورة حين تسقط صوره، قد يتغير الرئيس وتبقى لغة الرئيس، وقد تختفي “المؤامرة” و”المندسّون”، ثم يولد قاموس جديد يقسم السوريين إلى وطنيين وخونة، وأطهار وملوثين. عندئذ نكون قد غيّرنا مفردات السلطة وأبقينا نحوها.
لذلك لن يكون اختبار سورية الجديدة فيمن يحكم فقط، بل في اللغة التي يستطيع السوري استخدامها في حضرة من يحكم: هل يستطيع أن يسمي الفشل فشلاً؟ أن يقول: إن المنتصر أخطأ؟ أن ينتقد من يحمل رموز الثورة من دون أن يصبح خائناً؟ الديمقراطية، بهذا المعنى، ليست صناديق اقتراع ومؤسسات فقط؛ إنها أيضاً نظام لغوي لا يمنح أحداً حق إصدار الصكوك النهائية للحقيقة والوطنية والأخلاق.
في الثامن من كانون الأول، خرجت اللغة العربية من سجن صيدنايا. أما المهمة الأصعب، فهي أن نُخرج سجن صيدنايا من اللغة.