في بلد جرّب الإمامة والجمهوريّة، والانقسام والوحدة، وحروب الشمال والجنوب، لم يكن الاستيلاء على العاصمة صنعاء مرادفاً تلقائيّاً للقدرة على حكم اليمن. وفيما يعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسيّ رشاد العليمي معركة استعادة “كامل التراب الوطنيّ”، وتتقدّم القوّات المدعومة سعوديّاً على الأرض يتّضح يوماً بعد يوم أنّ القرار الدوليّ بوضع حدّ للظاهرة الحوثيّة أو ما يعرف بالذراع الإيرانيّ الرابع المطلّ على أحد أهمّ طرق التجارة العالميّة، قد اتُّخذ فيما لا يزال المسار السياسيّ المفترض أن يتوّج الجهد العسكريّ غير واضح لأسباب عدّة ليس أقلّها شأناً تعقيد المشهد السياسيّ اليمنيّ الداخليّ.
مشهد تتداخل فيه السياسة والقبيلة والمذهب والجغرافيا، بما يتجاوز التوازنات التي تحاول فرضها القوى الإقليميّة والدوليّة. لذا قد تتّجه الأنظار نحو تتبّع خرائط تقدّم القوّات على الأرض من باب المندب نحو صنعاء، لكنّ السؤال يبقى معلّقاً: من سيحكم اليمن عندما تصل تلك القوّات إلى العاصمة؟
موهبة الرّقص على رؤوس الثّعابين
ليست هذه المرّة الأولى التي يتحوّل فيها اليمن إلى مسرح لصراعات إقليميّة ودوليّة تعقّد صراعاته المحليّة. فمنذ سقوط الإمامة عام 1962، مروراً بالانقسام بين شمال جمهوريّ وجنوب ماركسيّ، وصولاً إلى الوحدة وحرب 1994، بقيت معضلة الحكم واحدة: كيف تُدار بلاد لا يحتكر فيها المركز القوّة ولا الولاء؟
كانت السعوديّة طرفاً في أكثر من صراع يمنيّ، منذ دعمها الملكيّين في مواجهة الجمهوريّة المدعومة من مصر الناصريّة، ثمّ مواجهتها النفوذ السوفيتيّ في الجنوب الماركسيّ. أدركت الرياض وخصومها مبكراً أنّ اليمن ليس جاراً عاديّاً، فكلّما دخلت قوّة إقليميّة أو دوليّة في منافسة مع المملكة، اكتسب اليمن قيمة إضافيّة بوصفه إحدى نقاط الضغط عليها.
لذا فالمسألة اليوم تتجاوز باب المندب والسفن العابرة له ومضيق هرمز وسفنه وحتّى منشآت آرامكو وأنابيب النفط، فبين السعوديّة واليمن حدود طويلة تتداخل حولها القبائل والعائلات، والمصالح، وحركة السكّان، والتجارة. كانت كذلك قبل اكتشاف النفط وتحوُّل الخليج الى مركز صراع القوى الكبرى، وستبقى كذلك بعد أن يرحل الجميع. فبحسب “مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجيّة” ينتشر أكثر من 500 تجمّع سكّانيّ عابر للحدود بين المملكة واليمن، وهو رقم لا يقارن بأيّ مشتركات بين المملكة والدول الأخرى المحيطة بها. هذه الامتدادات تجعل، بين عوامل أخرى متفاوتة في الأهميّة، مسألة من يحكم صنعاء شأناً يرتبط مباشرة بحسابات الأمن القوميّ السعوديّ، إذ تستطيع أيّ سلطة معادية في شمال اليمن تحويل الخاصرة الجنوبيّة للمملكة إلى جبهة أمنيّة دائمة.
وسط هذه التناقضات حكم عليّ عبدالله صالح أكثر من ثلاثة عقود لم تكن ميزته خلالها أنّه بنى دولة قويّة، بل إنّه عرف كيف يجعل ضعف الدولة قابلاً للإدارة. كان يعرف القبائل وشيوخها، ويوازن بين حاشد وبكيل (هما اسمان لأكبر وأعرق حلفين وقبيلتين رئيسيّتين في اليمن)، والجيش وحزبَي الإصلاح والمؤتمر الشعبيّ العامّ، ويوزّع النفوذ والموارد بما يمنع أيّاً من مراكز القوّة من الاستغناء عنه. لم يلغِ التناقضات، بل أدارها بموهبة استثنائيّة في الرقص على رؤوس الثعابين، كما وصف حكم اليمن في إحدى مقابلاته. وكان ذلك سرّ بقائه وعيب نظامه القاتل معاً، فقد ترك وراءه شبكة حكم تشبهه، ولا تشبه ما ينبغي أن تكون عليه الدولة، ولذلك ورث نائبه عبد ربّه منصور هادي الرئاسة، لكنّه لم يرث أدواتها.
اسألوا صالح يرشدكم إلى صنعاء
المفارقة أنّ الحوثيّين يقدّمون أفضل دليل على أهميّة تلك الشبكة. فالجماعة التي خاض صالح ضدّها ستّ حروب وبقيت في صعدة لم تكن تحلم أن تصل إلى صنعاء، رغم كلّ الدعم الإيرانيّ، لولا التحالف الذي جمعهما في واحدة من أغرب مفارقات السياسة في اليمن.
كانت الخصومة بين صالح وحزب الإصلاح، وتحديداً قائد الفرقة الأولى “مدرّع” عليّ محسن الأحمر، الخصم اللدود للحوثيّين، قد جمعت أعداء الأمس إثر انتفاضة ما عُرف بالربيع العربيّ بنسخته اليمنيّة، فتحوّلت شبكات صالح داخل الجيش والقبائل ومؤسّسات الدولة الى عامل حاسم في دخول الحوثيّين صنعاء عام 2014 وتثبيت سلطتهم. احتاج الحوثيّ إلى صالح لكي يخرج من صعدة، ثمّ قتله بعدما استولى على أجزاء واسعة من شبكته ومؤسّسات دولته.
لكنّ الحوثيّين لم يكرّروا نموذجه. فهموا أهمّيّة القبيلة، لكنّهم تعاملوا معها بالإكراه والأدلجة والتعبئة العسكريّة، وأخضعوا مساحات من البنية القبليّة لجهاز أكثر مركزيّة وعقائديّة على النقيض من صالح الذي كان أكثر دهاء في إدارة التوازنات.
خرج الحوثيّون جغرافيّاً من صعدة إلى صنعاء وحكموا مناطق واسعة من الشمال، لكنّهم لم ينتجوا بالضرورة شرعيّة وطنيّة تتجاوز الحاضنة التي نشأوا فيها. فالزيديّة ليست الحوثيّة، وداخل قبائل الشمال ونخبه الهاشميّة والجمهوريّة مساحات اجتماعيّة وسياسيّة لا تُختزل بجماعة “أنصار الله”، وإن نجحت الجماعة في إخضاع جزء كبير منها أو تحييده، وهذه تحديداً هي المساحة التي يحتاج إليها من يريد استعادة صنعاء.
رجال “الملك”
رشاد العليمي ليس عبد ربّه منصور هادي. أمضى الرجل سنوات داخل ماكينة صالح، وتولّى وزارة الداخليّة وملفّات الأمن، ويعرف النظام القديم من داخله. منحته إعادة الهيكلة العسكريّة التي ترعاها السعوديّة أدوات لم تكن متاحة لهادي في سنواته الأخيرة، بينها قوّات “درع الوطن” ومحاولات توحيد التشكيلات العسكريّة ومعالجة تعدّد مصادر التمويل والولاءات. لكنّ أدوات الحكم التي يحتاج إليها العليمي لا تزال موزّعة بين عدّة لاعبين.
طارق صالح يحمل الاسم وجزءاً من الشبكة العسكريّة و”المؤتمريّة” التي تركها عمّه عليّ عبدالله صالح، ويملك قوّة على الساحل الغربيّ، لكنّ امتلاك جزء من إرث صالح لا يجعله صالحاً جديداً.
محافظ محافظة مأرب واللواء في الجيش اليمنيّ سلطان العرادة يملك تجربة مختلفة في مأرب، حيث استطاع الجمع بين القبيلة والدولة والإصلاح والقوى الوافدة، وتحويل التوازنات المحليّة إلى عنصر صمود عسكريّ وسياسيّ.
“العمالقة” و”درع الوطن” وبقيّة التشكيلات تملك قدرات قتاليّة، لكنّ القوّة القادرة على اقتحام موقع حوثيّ ليست بالضرورة قادرة على دخول عمران وصعدة وإقناع مجتمعهما بأنّها جاءت لاستعادة الدولة لا لإخضاع الشمال. هذه هي الحلقة المفقودة.
الحوثيّون احتاجوا إلى شبكة صالح لفتح صنعاء من الداخل، بينما لا يظهر في المعسكر المقابل حتّى الآن من يستطيع أداء الوظيفة المعاكسة: إعادة وصل حاشد وبكيل والنخب الزيديّة والجمهوريّة والمؤتمريّة بمركز سياسيّ بديل.
عملت السعوديّة على ترميم علاقاتها القديمة مع شيوخ الشمال بعدما تفكّكت الشبكة التي كانت الرياض تستخدمها لعقود، لكنّ الشخصيّة القبليّة الجامعة التي تستطيع جمع هذه الخيوط لم تظهر بعد.
السّعوديّة ومعضلة الانتصار
هنا يقع الاختبار السعوديّ الأصعب. فكلّما ظهرت الحرب “كهجوم” سعوديّ مدعوم غربيّاً تقوده تشكيلات جنوبيّة أو سلفيّة نحو المرتفعات الشماليّة، ازدادت قدرة الحوثيّين على تحويل المعركة من دفاع عن سلطتهم إلى دفاع عن الشمال والزيديّة، وهي سرديّة يستطيع عبد الملك الحوثيّ استثمارها مباشرة.
القبائل التي أخضعها الحوثيّون ليست بالضرورة جزءاً عقائديّاً من جماعتهم، لكنّ تحويل هذه المساحة إلى قوّة سياسيّة بديلة يحتاج إلى ضمانات بأنّ سقوط الحوثيّين لن يعني انتقام “الإصلاح”، أو عودة نظام صالح، أو إخضاع الشمال للجنوب، أو استبدال هيمنة مذهبيّة بأخرى.
هناك أسباب “استراتيجية” عدّة دفعت الرياض إلى الذهاب نحو قرار الحسم العسكريّ، لكنّ وضوح القرار لا يعني أنّ الطريق إلى صنعاء أصبح سهلاً، فالخريطة الحاليّة تقول إنّ المعركة ستزداد صعوبة كلّما اقتربت من المرتفعات. فأيّ تقدّم مستدام سيعتمد بالضرورة على القبائل والشبكات المحليّة والتصدّعات داخل مناطق الحوثيّين. الأخطر أنّ التحالف المناهض للحوثيّين ليس جيشاً واحداً ولا حزباً واحداً.
منذ حراك 2011 ومؤتمر الحوار الوطنيّ ومخرجاته، تشظّى العقد السياسيّ بين اليمنيّين. هذه المخرجات هي إحدى المرجعيّات القليلة التي يمكن الانطلاق منها نحو تصوّر سياسيّ يعالج المسألة الجنوبيّة وشكل الدولة وتوزيع السلطة ويعيد وصل الدولة بقبائل الشمال ونخبه الجمهوريّة والزيديّة غير الحوثيّة، ضمن مشروع يمنح هذه القوى مكاناً في الدولة الجديدة، لا مجرّد مكان تحت سلطة حكومة يعترف بها العالم لكنّها غير قادرة على الحكم في الداخل.
لذا تبرز أمام السعوديّة سؤال الحسم العسكريّ قبل استكمال شروط الانتصار السياسيّ. فهي لا تستطيع الانسحاب من المسألة اليمنيّة، لكنّ التقدّم إلى صنعاء يطرح سؤال السلطة القادرة على البقاء فيها وتاريخ البلاد حافل بتحالفات جمعها العدوّ المشترك ثمّ فرّقها الانتصار عليه.
لا يحتاج اليمن إلى عليّ عبدالله صالح آخر، بل إلى من يجعل بقاء المختلفين داخل الدولة أقلّ كلفة من خروجهم عليها. يحتاج إلى إدارة سياسيّة داخلية قادرة على التعامل مع تناقضاته المتعدّدة الطبقات. ولهذا فإنّ أصعب سؤال في هذه الحرب ليس كيف يصل رشاد العليمي إلى صنعاء، بل من سيجد في استقباله عندما يصل؟
