يبدو الإنسان، في زحمة أيّامه ولهاثه المحموم نحو غدٍ مجهول، كمن يحمل في داخله متحفًا خفيًّا من الصور والوجوه والأصوات. يكفي أن يباغته لحن قديم، أو يطوف به عطر عابر، أو تتسلّل إليه في هدأة الليل ذكرى بلا موعد، حتّى ينشقّ جدار الحاضر فجأة، ويطلّ منه زمن حسبناه مضى. يعود بيت لم يعد بيتنا، ووجوه غيّرها العمر أو أخذها الغياب، ونعود نحن أيضًا، للحظة خاطفة، أشخاصًا آخرين كنّاهم ذات يوم. والغريب أنّ الحنين لا ينتقي دائمًا أكثر أيّامنا سعادة، فقد نفتقد بيتًا ضاقت بنا جدرانه يومًا، أو مدينة حلمنا بمغادرتها، أو مرحلة من العمر كنّا نتعجل انقضاءها؛ فما الذي يحدث للماضي بعد أن يمضي؟ ولماذا تستردّ أشياء كنّا نتذمّر منها ونحن نعيشها ذلك الوهج الغامض في قلوبنا، بعد انقضاء السنوات؟
عرف مارسيل بروست شيئًا من سرّ هذه المفارقة في روايته “البحث عن الزمن المفقود”، حين أعاد إليه مذاق قطعة الحلوى الصغيرة (المادلين) عالمًا كاملًا من طفولته في كومبري. لم يستدعِ تلك الذكريات عمدًا، بل خرج الماضي إليه من مذاقٍ ظلّ كامنًا في الذاكرة، كأنّ الأزمنة التي نعبرها لا تنقضي تمامًا، بل تترك شظاياها تنتظر، في حواسّنا، رائحة أو لحنًا أو طعمًا كي تستيقظ. لكن حين نقول إنّنا نشتاق إلى الماضي، فإلى ماذا نشتاق حقًّا؟ إلى الأماكن، أم إلى من كانوا فيها؟ إلى الأيّام، أم إلى أعمارنا التي ذهبت معها؟ أم نبحث، في الأزمنة الراحلة، عن شيء من أنفسنا تركناه هناك؟
لدى علم النفس إجابة عن جزء من هذا اللغز، فالذاكرة البشريّة لا تستعيد التجربة كما تستعيد الشاشة تسجيلًا محفوظًا. إنّها تعيد بناءها من مسافة ما، وحين تتغيّر تلك المسافة قد يتغيّر معها شعورنا بما حدث. وقد أطلق الباحثان تيرنس ميتشل ولي تومسون على أحد وجوه هذه الظاهرة اسم “الاسترجاع الورديّ”، وهو ميل الإنسان إلى تذكّر بعض التجارب الماضية بإيجابيّة أكبر ممّا كان يشعر به وهو يعيشها. وفي دراسات لاحقة نُشرت عام 1997، قارن الباحثون بين ما توقّعه أشخاص قبل تجارب واقعيّة لهم، وما شعروا به خلالها، وما تذكّروه بعد انتهائها، وكانت المفارقة أنّ الذكرى اللاحقة بدت أصفى من التجربة وهي تحدث.
كأنّ الزمن، وهو يبتعد، لا يمحو الحكاية بقدر ما يخفّف من ضجيجها، حيث تتراجع في الذاكرة مشقّة الطريق، وضجر الأيّام، والمشاحنات الصغيرة، بينما يظلّ ما اكتسب معنًى أقدر على البقاء. وهكذا لا يعود الماضي إلينا نسخة مطابقة لما كان، بل يعود بعد أن يكون قد عبر غربال الذاكرة، مخفّفًا من كثير من التفاصيل التي أثقلت أيّامه، مثقلًا بما بقي منها في القلب.
وعند هذه المسافة الغامضة بين ما عشناه وما بقي منه فينا، تضيء عبارة محمود درويش: “الحنين وجعٌ لا يحنّ إلى وجع”، كأنّ الشعر سبق الشرح النفسيّ إلى المفارقة نفسها، فالإنسان قد يحنّ إلى زمن عرف فيه التعب. لكنّه لا يشتاق إلى تعبه؛ وقد يفتقد أيّامًا كانت لها أوجاعها من غير أن يتمنّى عودة تلك الأوجاع. ولعلّ الذاكرة لا تلمّع الواقع طمعًا في الهروب فحسب، بل لأنّها تحرس جوهر الأشياء. الحنين ينتقي من الزمن ما التصق بالمعنى: وجهًا كان حاضرًا، عمرًا كان مفتوحًا على احتمالاته، بيتًا كان مأهولًا بمن نحبّ، أو ذاتًا قديمة لم ننتبه إلى أنّها كانت ترحل منّا ونحن نعيشها.
لكنّ “الاسترجاع الورديّ” لا يفسّر الحنين كلّه، إذ لو كان الحنين مجرّد ذاكرة تلمّع ما مضى، لما اشتقنا أحيانًا إلى أشخاص نذكر أوجاعهم بوضوح، ولا إلى أمكنة نعرف قسوتها، ولا إلى مراحل لا نخدع أنفسنا بشأن ما عانيناه فيها. ثمّة إذًا ما هو أعمق من انتقائيّة الذاكرة: الماضي جزء من الطريقة التي نعرف بها أنفسنا، وما نفتقده حين نلتفت إليه قد لا يكون الزمن الذي مضى بقدر ما يكون شيئًا من هويّتنا مضى معه.
تكشف الدراسات النفسيّة الحديثة للحنين (“النوستالجيا”) أنّ هذه العاطفة أعمق من ذاكرة تنتقي أجمل ما مضى، فالعودة الوجدانيّة إلى الماضي يمكن أن تعزّز إحساس الإنسان باستمرار ذاته، وتعيد وصل ما كان بما هو كائن الآن. إنّنا نتغيّر كثيرًا بدون أن ننتبه: تتبدّل ملامحنا وأفكارنا وعلاقاتنا، ونغادر بيوتًا ومدنًا، ونفقد أشخاصًا، ونصبح مع السنوات غرباء قليلًا عن أولئك الذين كنّاهم. وسط هذا التحوّل كلّه، يمنحنا الحنين خيطًا خفيًّا يصل أطراف الحكاية، ويذكّرنا بأنّ الطفل البعيد، والشاب الذي حلم واختار وأخطأ، والإنسان الذي يقف اليوم أمام المرآة، ليسوا حيوات منفصلة، بل فصول من سيرة واحدة.
الماضي، بهذا المعنى، لا يقيم خلفنا تمامًا كما توحي اللغة. لقد رأى الفيلسوف الفرنسيّ هنري برغسون أنّ الزمن الذي نعيشه في داخلنا يختلف عن الزمن الذي تقيسه الساعة، فاللحظات لا تتراصّ في وعينا كأرقام، ولا تنتهي الواحدة حين تبدأ الأخرى، بل تتداخل وتتراكم، ويحمل الحاضر شيئًا ممّا سبقه. لذلك تستطيع رائحة قديمة أن تهزّنا بعد ثلاثين عامًا، أو أن يعيد صوتٌ بعيد شخصًا ظننّا أنّ الزمن أخذه معه؛ فالماضي لا يعود من مكان بعيد بقدر ما يستيقظ من مكان ظلّ حيًّا فينا.
وللحنين وجه أكثر خفاءً أيضًا، فنحن لا نفتقد دائمًا ما حدث، بل نفتقد أحيانًا ما كان يمكن أن يحدث. في الماضي أبواب لم تكن قد أُغلقت بعد، وطرق لم نختر بينها، وأحلام لم تكن الحياة قد قالت كلمتها الأخيرة فيها، وأشخاص لم نكن نعرف أنّ لقاءاتنا بهم معدودة. حين ننظر إلى الوراء، لا نرى ما عشناه وحده، بل تلوح إلى جواره احتمالاتنا القديمة، تلك الحيوات الصغيرة التي كان يمكن أن تكون لنا ثمّ مضينا في طريق آخر. وربّما كان بعض الحنين رثاءً صامتًا لهذه الممكنات التي ماتت من غير أن تُعاش.
قبل أن يمنح علم النفس هذه المشاعر أسماءها ومفاهيمها، كان الأدب قد عرفها بطريقته الخاصّة، فالوقوف على الأطلال في الشعر العربيّ لم يكن بكاءً على حجر، بقدر ما كان وقوفًا أمام أثر حياة غادرت المكان. وحين قال امرؤ القيس: “قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ”، جمع الحبيب والمنزل في شطر واحد؛ فكأنّ المكان لا يُستعاد منفصلًا عمّن سكنه، وكأنّ الديار تستمدّ قدرتها على إيلامنا من أولئك الذين كانوا ذات يوم يملؤونها بالحياة. البيت الذي نشتاق إليه ليس جدرانه وحدها، والمائدة ليست خشبها، والشارع القديم ليس حجارة رصيفه. إنّنا نظنّ أحيانًا أنّنا نفتقد الأشياء، بينما يكون الشوق موجّهًا إلى الحياة التي كانت تسكنها.
تتوقّف تفسيرات كثيرة للحنين عند الذاكرة والهويّة والزمن. لكنّ التجربة الروحيّة تفتح أمامه سؤالًا آخر. ماذا لو كان في بعض أشواق الإنسان شيء لا تفسّره الرغبة في استعادة الأشخاص والأمكنة والأعمار؟ ماذا لو كانت تلك الأشياء توقظ في القلب افتقادًا أقدم وأبعد من الذكرى نفسها؟ عند هذه العتبة يتغيّر معنى الحنين، ويصبح السؤال: إلى ماذا يشتاق هذا القلب حين يشتاق؟ سؤالٌ حمله المتصوّفة إلى منطقة أخرى، حين رأى بعض أعلامها في الشوق أثرًا للبعد، وفي الحنين توقًا إلى أصل وقرب ومعنى.
وجد جلال الدين الروميّ لهذا الشوق صورة من أجمل صور التصوّف، حين افتتح المثنويّ بأنين الناي، فالناي لا يغنّي لأنّه سعيد، بل ينوح لأنّه قُطع من منبته، ومنذ أن فارق غابة القصب صار صوته حكايةً عن الفراق. ثمّ يضع الروميّ سرّ الصورة كلّها في معنى بالغ الكثافة: “كلّ من ابتعد عن أصله يظلّ يطلب زمن وصله”. عندئذ لا يعود الحنين التفاتةً إلى الوراء فحسب، بل يصبح أثرًا لفقدٍ أعمق، وكأنّ القلب حين يشتاق إلى ما غاب عنه يكتشف، من خلال الغياب، مقدار حاجته إلى الاتّصال. إنّ التجربة الصوفيّة تمنح الحنين، بهذا المعنى، اتّجاهًا آخر، فالإنسان يبدأ شوقه غالبًا من الأشياء التي يعرف أسماءها: بيت، أمّ، أب، حبيب، طفولة، مدينة، زمن. لكنّه قد يكتشف خلف هذه الأسماء توقًا يصعب أن يمنحه اسمًا واحدًا؛ توقًا إلى السكينة، والامتلاء، والألفة، وإلى معنى يشعر معه بأنّ العالم أقلّ غربة. وهكذا لا يكون الماضي غاية الشوق بل مرآته، فنحن نبحث فيه أحيانًا عن إحساس بالفردوس الذي نظنّ أنّنا فقدناه في الطريق.
ويأخذ القرآن الكريم هذا التوق إلى أفق أشمل حين يجعل الطمأنينة متّصلة بالذكر: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، فالآية هنا لا تلغي حنين الإنسان إلى أهله وأمكنته وأيّامه، ولا تطلب منه أن يتجرّد من ذاكرته، بل تضع أمام القلب موضعًا للسكينة لا يستطيع الزمن أن يردّه إليه ولا أن ينتزعه منه. هنا يغدو الشوق الإنسانيّ، بكلّ صوره، تذكيرًا بأنّ القلب قد يظلّ يبحث في الأشياء الراحلة عن طمأنينة لا تقيم في الأشياء وحدها.
الماضي لا يعود، والذين غابوا لا تستحضرهم الذاكرة إلّا صورًا وأصواتًا، والأعمار التي انقضت لا تستجيب مهما ناديناها. لكنّ الحنين يستطيع أن يخبرنا بشيء عن أنفسنا: عمّن أحببنا، وعمّا منح أيّامنا معناها، وعمّا بقي فينا بعد أن تبدّل كلّ شيء. وحين يأتينا الماضي على جناح أغنية أو رائحة أو صورة قديمة، فإنّ السؤال الأهمّ ربّما هو: ما الذي أيقظه هذا الحنين فينا، وإلى أين ينبغي أن يقودنا؟ إذ الحنين، في أعمق صوره، قد لا يكون رغبةً في استعادة الأمس بقدر ما هو إصغاءٌ إلى أثره فينا؛ ذلك الأثر الذي يذكّرنا بأنّ الزمن يأخذ الأشياء، لكنّه لا يأخذ بالضرورة ما تركته الأشياء من أثر في الروح. وربّما كان أجمل ما نصنعه بماضٍ لا نستطيع العودة إليه هو أن نحمله معنا كنورٍ خافتٍ نهتدي به ونحن نمضي.
الناي ينوح لأنّه قُطع من منبته (Getty)
رند الرفاعي … ضفة ثالثة