آڤا فائق نادر..جريدة المدى
.. وصلتُ إلى بغداد آتيةً من أربيل مساء الثلاثين من أيلول. عند مدخل المطار، استقبلتني عبارة تتكرر على الملصقات: «نستعيد القرار ونبني الدار». لم أعرف، للوهلة الأولى، المناسبة التي استدعتها، لكنها ظلت ترافقني حتى صباح اليوم التالي.
في الأول من تشرين، قصدت شارع المتنبي وانتهيت إلى مقهى الشابندر. لم تكن جدرانه، المعروفة بصورها، مجرد زينة، بل سجلًا غير رسمي للعراق: حكام من العهد الملكي، وشخصيات ثقافية ووجهاء ودبلوماسيون مرّوا بالمقهى، فوثّق صاحبه زياراتهم. لكن وسط هذا الحضور الكثيف، كان الغياب هو ما استوقفني.
سألت ابن صاحب المقهى عن غياب صورة رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم قاسم وصور حكام آخرين. قال إن والده الراحل توقف عن توثيق الحكام مع نهاية العهد الملكي. أما بعض الصور اللاحقة، فلم تكن توثيقًا لزيارة؛ إذ عُلّقت بطلب من أصحابها، مع أن بعضهم لم يزر المكان أصلًا. وذكر، في سياق حديثه: “الدكتور برهم صالح، صديق والدي، زار المقهى ولم يطلب تعليق صورته».
كان الجدار، بما يعرضه وما يغيب عنه، يفتح سؤالًا أوسع عن علاقة السلطة بالصورة والذاكرة.
خرجت من الشابندر نحو القشلة، وهناك فهمت أخيرًا مناسبة الشعار الذي استقبلني في المطار، من دون أن يزول التباسه. كانت الطبول والموسيقى واللافتات تعلن «يوم السيادة»، لكن ضجيج الاحتفال بدا أكبر من جمهوره. أما الزائرون، فكانوا منشغلين بالمباني التي أُعيد تأهيلها ومقاهي المكان الجديدة أكثر من انشغالهم بالمناسبة الرسمية. بين شعار المطار وصور الشابندر وطبول القشلة، بدا أن السلطة تستطيع ملء المدينة بإعلان، لكنها لا تستطيع أن تفرض على الناس الإحساس بمعناه. وهنا صار الشعار سؤالًا: من الذي يستعيد القرار، وكيف تُبنى الدار؟
وللأول من تشرين في العراق ذاكرتان تتنازعان معنى السيادة: في 2019 انطلقت انتفاضة تشرين، ورفع المحتجون مطلبهم الأشهر: «نريد وطن». وفي 2026 خصصت الحكومة اليوم نفسه للاحتفاء بـ»يوم السيادة»، غداة انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق. بين التاريخين سبع سنوات، وحكومة استقالت، وقانون انتخابي جديد، وانتخابات مبكرة، ومئات القتلى وآلاف الجرحى. ومع ذلك، بقي السؤال الأول بلا جواب؛ فمغادرة الجندي الأجنبي لا تُكمل سيادة الدولة ما دام مواطنها مضطرًا إلى الاحتماء بغيرها.
لم يخرج جيل تشرين طلبًا لتعديل وزاري أو حصة في النظام القائم. رفع مطلبًا بدا، في بلد اسمه العراق، غريبًا في بساطته وفادحًا في معناه: “نريد وطن”. لم يكن يبحث عن اسم جديد للدولة، بل عن دولة يشعر فيها أبناؤها بأنهم مواطنون.
لم تكن انتفاضة تشرين حزبًا، ولم يكن لها قائد واحد أو برنامج مفصل لإدارة الدولة. خرجت عفوية وأفقية، وفي اندفاعها شيء من الفوضى التي تصاحب كل لحظة ينكسر فيها الخوف قبل أن تتشكل البدائل. كان ذلك مصدر قوتها ومصدر ضعفها معًا.
أما قوتها، فكانت في الجيل الذي حملها. كان كثير من أولئك الشبان أصغر من أن يعرفوا نظام صدام حسين بوصفه تجربة سياسية عاشوها بوعيهم؛ عرفوه من ذاكرة العائلات ومن آثار الحروب والحصار، ثم كبروا داخل نظام ما بعد 2003. لذلك لم تكن معركتهم استعادة نظام قديم ولا الانتقام له، ولم يرثوا، بالطريقة نفسها، مبررات الطبقة السياسية التي بنت نفوذها على ثنائية المظلومية والخوف من الآخر.
كانت دلالة الشعار شديدة الوضوح، بل ربما أوضح مما تحتمله السياسة. أرادوا عملًا لا يحتاج إلى واسطة، وتعليمًا وعلاجًا لا يرتهنان بالمال، وماءً وكهرباء يصلان إلى الناس، وقانونًا لا يسأل المواطن عن انتمائه قبل أن يحميه. كان مطلبهم سياسيًا لأنه بدأ من تفاصيل الحياة، لا من توزيع السلطة.
لم أكن في بغداد يومها، لكن تشرين لم تكن جغرافيا محصورة بين ساحة التحرير وجسر الجمهورية. من عاش عمره يحلم بوطن كان حاضرًا فيها، قريبًا أو بعيدًا. تابعت الانتفاضة لحظة بلحظة، وجمعنا، مع عراقيين في الداخل والخارج، التبرعات واحتياجات الساحات من دون أن نسأل أحدًا عن طائفته أو حزبه أو قوميته. لم يكن الانتماء إلى تشرين موقعًا على الخريطة؛ كان موقفًا من معنى العراق.
ولأنهم كانوا يطالبون بدولة غائبة، شرعوا في الساحات في أداء وظائفها. لم تكن ساحة التحرير تجمعًا للاحتجاج فحسب، بل نظام حياة نشأ بلا قرار رسمي: فرق تنظف المكان، وأطباء وممرضون يسعفون الجرحى، ومطابخ تطعم الغرباء، وسائقو توك توك يحوّلون عرباتهم إلى سيارات إنقاذ. أنشأ الشباب شبكات للأخبار والتواصل، وبقي الصحفيون في الميدان، بينما غطّى الفنانون الجدران بألوان تستعيد للمدينة جمالها في مواجهة الموت. اختلط الغني بالفقير والطالب بالعامل، وتراجعت، ولو مؤقتًا، الهويات الضيقة أمام هوية الساحة. وكان كثير ممن دخلوها متفرجين يجدون أنفسهم، بعد قليل، يحملون صندوقًا أو يضمدون جرحًا أو ينظفون شارعًا. هناك لم تُرفع المواطنة شعارًا؛ مورست بوصفها مسؤولية متبادلة وعناية بالإنسان والمكان.
لكن العفوية التي حررت الانتفاضة من الأحزاب حرمتها، في الوقت نفسه، من أداة سياسية تحمل قوتها الأخلاقية إلى داخل مؤسسات الدولة. لم تكن لها قيادة تفاوض باسمها، ولا تنظيم يحمي قرارها، ولا مال سياسي ينافس أحزابًا تحرس نفوذها بالمال والسلاح. وكلما طال الزمن، أصبحت الساحات مكشوفة أمام القمع والاختراق والتشويه والإرهاق.
دُفعت الكلفة بالدم: قُتل مئات المحتجين وأُصيب الآلاف، وخُطف ناشطون واغتيل آخرون. ومع ذلك، لم يعد الخوف إلى مكانه القديم. وفي نهاية تشرين الثاني 2019، بلغ الضغط الشعبي حدّ إعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي استقالته. لم يكن الغضب يستهدف حكومته وحدها، بل شرعية النظام السياسي بأكمله؛ فالمحتجون أرادوا تغييره، لا مجرد تبديل أحد وجوهه.
بعد أشهر من الانسداد، تشكلت حكومة مصطفى الكاظمي في أيار 2020 بمهمة انتقالية كان في صلبها استكمال الإطار الانتخابي وإجراء انتخابات مبكرة. وفي عهدها استُكمل القانون الانتخابي الجديد، ونُظمت الانتخابات في العاشر من تشرين الأول 2021. وبذلك أنجزت الحكومة، في الملف الانتخابي، المهمتين اللتين كُلّفت بهما. لكن إنجاز الإجراء لم يحقق الغاية: تغيّر القانون وجاءت الانتخابات، فيما بقي الوطن الذي طلبته تشرين بعيدًا.
لهذا يكتسب اعتماد الأول من تشرين 2026 يومًا للسيادة معنى يتجاوز المناسبة. إن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف وخروج قواته من القواعد العراقية خطوة سيادية حقيقية. فقد انتهى إطار عسكري متعدد الأطراف، من دون أن تنتهي الشراكات الأمنية أو العلاقات الثنائية مع دوله. فقرار الأمن على الأرض العراقية يجب أن يكون عراقيًا؛ لكن مغادرة القوات تحقق وجهًا واحدًا من السيادة، ولا تجيب وحدها عن السؤال الذي طرحه شباب تشرين.
فالسيادة لا تُقاس عند الحدود وحدها. حين تتراجع الدولة عن توفير فرص العمل والحماية والخدمات، تنشأ في فراغها سيادات مصغرة: الحزب يمنح الوظيفة، والعشيرة توفر الحماية، والمولد الأهلي يوفر الكهرباء، والمستشفى الخاص يقرر من يستطيع العلاج. قد تستعيد الدولة قرارها من الخارج، لكن المواطن لا يصبح سيدًا في وطنه ما دام يحتاج إلى واسطة كي يصل إلى حق، أو إلى حماية خاصة من سلطة يفترض أن تحميه.
الدولة التي لا تستطيع إيصال ماء نقي إلى طفل في البصرة لا تصبح كاملة السيادة لأن قاعدةً عسكرية خلت من الجنود الأجانب. والدولة التي يشتري مواطنها الكهرباء والتعليم والعلاج والأمن من جيبه لا تستطيع أن تطلب منه الاكتفاء بالعلم والنشيد. فالوطن ليس الاسم المكتوب على جواز السفر، بل العلاقة اليومية بين الإنسان والمؤسسة التي يفترض أن تخدمه وتحمي كرامته.
لهذا لا يكفي أن تتذكر الحكومات، الحالية والمقبلة، تشرين بوصفها أزمة أمنية جرى احتواؤها، أو موجة غضب انتهت باستقالة حكومة. عليها أن تفهم كيف صنعت الانتفاضة نفسها: كيف جمع مطلب واحد شبابًا بلا قيادة مركزية، وكيف تحولت الساحة إلى مجتمع حين غابت الدولة. وما لم تُقرأ التجربة وتُقيّم أسبابها ونتائجها، فستعود بصورة أخرى؛ فالاحتجاج قد ينتهي، أما المطلب فيبقى حيًا ما دامت النتيجة التي خرج من أجلها لم تتحقق.
يحق للعراق أن يحتفل بانتهاء مهمة التحالف؛ فهي محطة سيادية تستحق أن تُسجَّل. لكن الأول من تشرين بات يحمل اسمين: يوم طلب فيه الشباب وطنًا، ويوم أعلنت فيه الدولة استعادة سيادتها. وبين الاسمين مسافة لا يطويها إخلاء قاعدة؛ فقد يرحل الجندي، ويبقى المواطن آخر من يملك أمره في بلده، مكشوفًا لسلاح قد يُوجَّه إليه بدلًا من أن يُسخَّر لحمايته. وحين هتف شباب تشرين “نريد وطن”، طلبوا دولة لا تساومهم على الأمان، ولا تجعل الكرامة مِنّةً ولا الحقوق امتيازًا. وإذا جعل “يوم السيادة” سؤال تشرين ذكرى بدلًا من أن يكون جوابًا، ستعود تشرين بوجوه أخرى؛ فهل تكفي تسمية يومٍ للسيادة كي يشعر العراقي أن له وطنًا؟