في السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2026، قتل الحوثيّون معتمرين ومسافرين في مطار الملك خالد الدوليّ في الرياض. وبعد ذلك رنّ الهاتف في مكتب وزير الخارجيّة السعوديّ الأمير فيصل بن فرحان، وكان على الطرف الآخر وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي، عارضاً “الوساطة” مع الحوثيّين لـ”خفض التصعيد”.
تريد إيران للزمن أن يتوقّف عند ضربة ميليشياتها لعاصمة خادم الحرمين الشريفين، وعاصمة التوازن الإقليميّ في وجه تغوّلها وتجاوزها على سيادة الدول، وعاصمة أمن الطاقة العالميّ، وعاصمة الحكمة العربيّة.
الحكمة السعوديّة هي بالضبط ما أخطأت إيران في قراءتها حين قدّمتها في موضعها. سعت الرياض إلى إطفاء النار في اليمن قبل أن تشتعل. رعت المبادرة الخليجيّة عام 2011، فانتقلت السلطة سلميّاً وتجنّبت صنعاء حرباً أهليّة، ثمّ دعمت مؤتمر الحوار الوطنيّ الذي جلس فيه الحوثيّون إلى الطاولة مع سائر القوى اليمنيّة. انقلب الحوثيّ على ذلك كلّه، فاجتاح صنعاء في أيلول 2014.
أعادت “عاصفة الحزم” التوازن العسكريّ إلى الأرض، فاستردّت الشرعيّة حواضر الجنوب وثبّتت خطوطها في تعز ومأرب، وأبقت الرياض باب الحوار مفتوحاً. وأمسكت عن الردّ العسكريّ حين ضربت المسيّرات والصواريخ منشأتَي أبقيق وخريص عام 2019، فتعطّل 5.7 ملايين برميل يوميّاً، أي أكثر من نصف الإنتاج السعوديّ. أعادت “أرامكو” الإنتاج خلال أسابيع، واختارت الرياض أن تحمي استقرار السوق العالميّة على أن تُشعل المواجهة. ثمّ أطلقت مبادرة سلام عام 2021، وقبلت هدنة 2022. رأت طهران في هذا كلّه عزوفاً عن المواجهة، وبنت عليه الابتزاز السياسيّ والعسكريّ.
المواجهة في البصمة الوراثيّة
تحاول إيران ابتزاز السعوديّة بازدهارها الاقتصاديّ ورفاه مواطنيها، وتستثمر في انعدام سبل العيش لدى الشباب الذي تجنّده وقوداً لميليشياتها في بلاد العرب. يخيّل إليها أنّ ازدهار الاقتصادات الخليجيّة يجعلها مدناً من زجاج (استعمل السيّد حسن نصر الله هذا التعبير حرفيّاً يوماً ما)، وتنسى أنّ المواجهة محفورة في البصمة الوراثيّة للدولة السعوديّة بكلّ أجيالها. وحّد الملك المؤسّس عبد العزيز آل سعود الجزيرة بسلطان الحكمة وهيبة السيف. وتحدّى في مفاصل كثيرة الإرادة البريطانيّة، عسكريّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً، في ذروة جبروتها وهيمنتها على المنطقة. وخاطب الأميركيّين من موقع الشريك والندّ حين جاءه فرانكلين روزفلت على متن الطرّاد “كوينسي” عام 1945.
ورث الأبناء البصمة ذاتها. قطع الملك سعود العلاقات مع لندن سبع سنوات إثر العدوان الثلاثيّ على مصر عام 1956. وقطع الملك فيصل النفط عن واشنطن عام 1973. واشترى الملك فهد صواريخ استراتيجيّة من الصين عام 1988، وحين احتجّ السفير الأميركيّ هيوم هوران طلب سحبه، فسحبته واشنطن. وفي التاريخ الأقرب، وقف وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان في وجه إدارة الرئيس الأميركيّ السابق جو بايدن عاماً ونصف عام، قبل أن يضطرّ بايدن إلى المجيء بنفسه إلى جدّة لوصل ما انقطع.
وهم هندسة التّوازن
يحفظ التاريخ للمملكة العربيّة السعوديّة أنّها صانت التوازن الاستراتيجيّ في المشرق العربيّ، بين أميركا وبريطانيا، ثمّ بين الغرب والمعسكر الشرقيّ. لم تسمح لإيران بإغراق المنطقة في نفوذها حتّى حين كانت إيران الشاه أقرب حلفاء واشنطن. وحفظت المنطقة من مدّ تصدير الثورة الخمينيّة بعد عام 1979، ثمّ تصدّت لمدّ “الصحوة” المتطرّفة التي وضعت المسلمين في موقع الشكّ والاتّهام والنّبذ حول العالم. ووقفت في وجه جنون صدّام حسين، ثمّ في وجه تغوّل الميليشيات الإيرانيّة على الدول الوطنيّة، ومنها اليمن.
حمت السعوديّة الشرق العربيّ، وحمت موقعه في المنظومة الدوليّة حين أثبتت أنّها الركيزة الموثوقة لأمن الطاقة العالمي، والشريك في محاربة التطرّف. ومع ذلك، يقع الغرب منذ نصف قرن في وهم هندسة التوازن بين إيران والخليج، وإدماج المشروع الإيرانيّ في منظومة الإقليم كشريك “طبيعيّ”.
صاغ ريتشارد نيكسون في السبعينيّات سياسة “الركيزتين التوأم”، وجعل طهران الركيزة الكبرى. زار الشاه عام 1972 وأطلق يده في شراء السلاح الأميركيّ بلا سقف تقريباً. ثمّ سقط الشاه، فورث الخمينيّ ترسانته وطموحه معاً.
ورثت أوروبا الوهم نفسه بعد الثورة، حين أطلقت “الحوار النقديّ” مع طهران في التسعينيّات، وتمسّكت بالاتّفاق النوويّ، وبنت آليّة ماليّة خاصّة للالتفاف على العقوبات الأميركيّة. وتجلّى هذا الحرص المبالَغ فيه بأوضح صوره في اليمن، حين بلغت قوّات الشرعيّة مشارف الحديدة صيف 2018، وأوشكت على تطويق الميناء. عندها تحرّكت العواصم الغربيّة، تتقدّمها لندن في مجلس الأمن، تحت عنوان الكارثة الإنسانيّة. وانتهى الضغط باتّفاق استوكهولم في كانون الأوّل 2018. وتحوّلت الحديدة لاحقاً إلى المنصّة التي هدّدت منها الجماعة الملاحة في البحر الأحمر.
اليمن ليس شأناً سعوديّاً
اليمن ليس شأناً سعوديّاً. إنّه مشكلة الشرق العربيّ كلّه التي تتولّاها السعوديّة في مواجهة إيران. ويخطئ من يظنّ أنّ انشغال المملكة يتيح لسواها وزناً أكبر في الميزان الإقليميّ. تحرس السعوديّة في هذه الحرب ما يتجاوز مصالحها ووزنها: تحفظ التوازن الإقليميّ الكبير في وجه تمدّد يقوم على عقيدة أيديولوجيّة مغلقة، وعلى أذرع أمنيّة خارجة على سلطة الدول.
يستحيل الفصل بين التهديد الميليشياويّ الذي يواجه السعوديّة وذلك الذي عاشته دول الإقليم كلّها:
- لبنان: صادرت الميليشيا قرار الحرب والسلم فيه، وقتلت أعظم رجالاته في العصر الحديث، رفيق الحريري، ثمّ اجتاحت بيروت بالسلاح عام 2008.
- سوريا: أبقت الميليشيات الإيرانيّة نظاماً قاتلاً على قيد الحياة سنوات قبل أن يسقط.
- العراق: تتغوّل الميليشيات على الدولة، وتحوّله إلى منصّة لتهديد السعوديّة تارةً، وسوريا تارةً أخرى.
- الأردن: يواجه أكبر التحدّيات، من تهريب السلاح والمخدّرات إلى الصواريخ الإيرانيّة التي انهمرت على قواعده العسكريّة.
- مصر: خسرت أكثر من عشرة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بفعل الهجمات الحوثيّة على السفن في البحر الأحمر، وتلقّت أخيراً ضربة على سفينة التغويز في دمياط وناقلة غاز قبالة شواطئها.
لن يكون أحد في الإقليم بمنأى عن الاتّصال التالي من عراقجي، لو أنّ الرياض قبلت منطق هذا الاتّصال. تقف المملكة اليوم أمام اختبار يتجاوز حدودها. إمّا أن تنجح في ردع هذا الأخطبوط وقطع أذرعه، وإمّا أن تعود شاحنات “الميتسوبيشي” المسلّحة لتتجوّل في شوارع بيروت وسواها من عواصم العرب. لا يقف أحد في هذا الإقليم على الحياد حين يكون الخيار مواجهة لا بدّ منها. تكون السعوديّة، أو لا نكون.
