تهتزّ فرنسا في “خريف الغضب” على وقع احتجاجات طلّابيّة واسعة وسط أزمة بنيويّة مركّبة تضع النموذج الفرنسيّ على المحكّ، وذلك قبل سبعة أشهر من موعد الانتخابات الرئاسيّة، وهي الأكثر مصيريّة في تاريخ الجمهوريّة الفرنسيّة الخامسة.
اللافت أنّه مع اقتراب هذا الاستحقاق، يجتاح الشباب الفرنسيّ قلق على الهويّة والمستقبل وكأنّها رغبةٌ في إسقاط النظام، في ظلال تصدّع سياسيّ حادّ وترهّل “دولة الرفاه”. إنّه منعطف دقيق تمرّ به فرنسا وستتحدّد اتّجاهاته في الأشهر المقبلة مع كلّ مكامن الخطر وبوادر الأمل.
انطلقت في السابع عشر من أيلول الماضي، حركة طلّاب المدارس الثانويّة من مدرسة “سانت إكزوبيري” في مدينة “كريتاي”، في المنطقة الباريسيّة، قبل أن تنتقل إلى مئات المدارس والمدن الفرنسيّة الأخرى.
مع تفاقم الاحتجاجات طغى التساؤل عن أسباب تحوّل التحرّك في ثانويّة بضواحي باريس إلى حركة وطنيّة واسعة النطاق. إذ في الأوّل من تشرين الأوّل امتدّ الحراك إلى ما يقرب من 30% من المدارس الثانويّة (البالغ عددها 3,700 مدرسة)، وتواصلت بعد ذلك تحرّكات احتجاجيّة يوميّة.
تضمّنت شعارات الطلّاب عدّة مطالب: تعيين بدلاء عن المعلّمين الغائبين، تقليص أعداد الطلاب في الفصول الدراسيّة، إلغاء نظام اختيار الجامعات “Parcoursup”، إعادة تنظيم الجداول الدراسيّة، وتجديد المباني المدرسيّة.
نظرت رئاسة الحكومة إلى هذا الحراك من زاوية اعتباره “أعمال عنف مدنيّة”. ففي 28 أيلول، صدر تعميم مشترك عن وزيرَي الداخليّة والتعليم يوجّه بإنهاء أيّ عمليّة إغلاق للمدارس بالقوّة، واصفاً إيّاها بأنّها “عمل عنيف”. وهكذا أصبح يُنظر إلى أيّ اختلال في النظام المدرسيّ على أنّه إخلال بالنظام العامّ يبّرر إرسال قوّات مكافحة الشغب.
تكرّر هذا السيناريو في مطلع ولاية إيمانويل ماكرون الأولى (انتخب عام 2017). وشكّل عام 2018 الذي شهد آخر حراك طلابيّ كبير في المدارس الثانويّة منعطفاً حاسماً لا يمكن من دونه فهم طبيعة الاحتجاجات الراهنة. إذ كانت بعض الإصلاحات في قطاع التعليم قد فُرضت آنذاك قسراً.
حينها جرت دعوة الطلّاب إلى الانضمام لصفوف “السترات الصفر” التي كانت قد ظهرت للتوّ على الساحة. لكنّهم قوبلوا بالردّ ذاته: إذ سُرعان ما حصل قمع شديد، وحسب رأي أحد النقابيّين من الطلّاب استمرّ “الضغط الخانق ثماني سنوات، وها هو الوضع ينفجر حاليّاً من جديد”.
كلفة الأضرار: 30 مليون يورو
على مستوى الحراك العامّ في فرنسا، تُقدّر السلطة التنفيذيّة التكلفة الإجماليّة للأضرار الناجمة عن أعمال التخريب التي ارتُكبت على هامش التظاهرات وعمليّات قطع الطرق بما لا يقلّ عن 30 مليون يورو. أمّا الأرقام الصادرة عن وزارة العدل (في 5 تشرين الأوّل) فإنّها تثير الهلع: 5,060 شخصاً وُضعوا رهن الحجز الاحتياطيّ، بينهم 4,406 قاصرين. فقدان عين، كسر في الفكّ، وبتر يد، إصابات لحقت بفتية في سنّ الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة أو السادسة عشرة.
لم تشهد فرنسا، على مدى العقود الخمسة الماضية، قمعاً لحراك اجتماعيّ بمثل هذا التعسّف وفي فترة زمنيّة كهذه. ويحقّ التساؤل ما إذا كان لبلد أن يتوجّس إلى هذا الحدّ من شبابه، فذلك دليل على أنّه يعاني من علّة عميقة، وليس من المؤكّد أنّ هذه الإجراءات الأمنيّة تسهّل استعادة الوضع الطبيعيّ.
في الإجمال يندرج “خريف الغضب” الفرنسيّ في سياق تاريخيّ طويل من الانتفاضات الطلابيّة في الجمهوريّة، من أيّار 1968 الذي شكّل منعطفاً تاريخيّاً، إلى حراك “السترات الصفر” بين عامَي 2018 و2020 الذي بدأ كاحتجاج على ارتفاع أسعار الوقود وتحوّل إلى مطالب بالعدالة السياسيّة والاقتصاديّة. ويعتبر المراقبون أنّ التشابه بين الفترتين واضح، توازياً مع تصاعد أسعار النفط والغاز و”صدمة الطاقة” عالميّاً.
هكذا تجد فرنسا نفسها في خضمّ توتّرات جيوسياسيّة، بينما تغلي الساحة الاجتماعيّة فيها. فالتضخّم مستمرّ، وأسعار الوقود مرتفعة، والقدرة الشرائيّة في تراجع.
رغم تباين أسباب الغضب وتنوّع دوافع الاحتجاجات، إلّا أنّها تعود لجذر مشترك يتمثّل في الحالة المزرية للماليّة العامّة وعدم القدرة على تمويل نفقات الدولة بسبب ارتفاع تكاليف الديون وأسعار الوقود وحالة عدم اليقين السياسيّ مع انطلاق الحملة الانتخابيّة لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في ربيع العام المقبل.
الاحتجاجات على خلفيّة الانتخابات الرّئاسيّة
زيادة على خروج الاحتجاجات عن السيطرة وتميّزها بعنف غير مسبوق، كان لافتاً اختراقها باستقطاب سياسيّ حادّ متمثّل بصعود قطبَي التطرّف في أوروبا، إذ اتّهم عديد من الأوساط حركة “فرنسا الأبيّة” اليساريّة الراديكاليّة التي يرأسها جان- لوك ميلانشون بأنّها وراء حملة التعبئة والتحريض، ووصل الأمر بمحيط “الوزير الأوّل” سيباستيان لوكورنو تحميل حركة “فرنسا الأبيّة” و”وكلائها من أقصى اليسار” مسؤوليّة أعمال العنف، استناداً إلى مذكّرة صادرة عن أجهزة الاستخبارات. ويُشير هذا المصطلح العسكريّ، “وكيل” (proxy)، على وجه الخصوص إلى الجماعات الإرهابيّة المرتبطة بدول أخرى، من دون الإشارة إلى دولة بعينها.
تفاقمت المخاوف الأمنيّة ليس بسبب تخريب المباني المدرسيّة فحسب، بل وقيام تظاهرات ترفع أعلام فلسطين في ضواحي باريس وليون ومرسيليا واستراسبورغ، وهو ما اعتبرته بعض الجهات حضوراً قد يحجب المطالب المشروعة للانتفاضة، خصوصاً مع تأييدها من حركة “فرنسا الأبيّة” المؤيّدة للفلسطينيّين. هكذا تحوّلت الاحتجاجات ضدّ الأزمة التعليميّة منذ فترة طويلة إلى صراع على السلطة بين الأطراف السياسيّة.
احتدّت التباينات في الصحف ومواقع التواصل الاجتماعيّ بعدما كتب الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب على منصّته “تروث سوشيل” أنّ ما يحدث في فرنسا “ليس متعلّقاً بالمدارس، بل بالإسلام الذي يريد السيطرة على دولة كانت عظيمة ذات يوم”، عازياً الاضطرابات إلى “الهجرة الجماعيّة التي خرجت عن السيطرة”، في خطاب يتماشى مع توجّهاته المعادية للمهاجرين عشيّة انتخابات التجديد النصفيّ في بلاده.
مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسيّة، تسود بين الشباب الفرنسيّ رغبة عارمة في التغيير أو إسقاط “النظام” القائم. ونظراً لأنّ هؤلاء الشباب قد بلغوا سنّ الرشد خلال سنوات حكم إيمانويل ماكرون فإنّهم لم يعودوا يثقون بأحزاب الماضي، بل ينشدون قطيعة جذريّة تتيح مواجهة تحدّيات العصر ودرء التهديدات الوجوديّة التي تلوح في الأفق.
تجاذب القطبين
نظراً لعدم وجود حركات وسيطة أو حركات تجديد، يتركّز التجاذب بين القطبين المتشدّدين المتناقضين. من جهة اليسار الراديكاليّ، هناك قضايا المناخ والنوع الاجتماعيّ والشمول، وهاجس وصول اليمين المتطرّف إلى السلطة… ومن جهة أقصى اليمين، تبرز مخاوف الهويّة وشبح ما يُسمّى بـ”الاستبدال العظيم”، والشعور بأنّ فرنسا تضعف وتتلاشى في خضمّ العولمة الجارفة.
فوق ذلك كلّه، يواجه الجميع توتّرات دوليّة وعبء ديون خانقاً، في وقت تشتدّ الحاجة إلى استثمارات في شتّى المجالات للتحضير لفرنسا المستقبل بدلاً من الاكتفاء بإدارة شؤون فرنسا عام 2027.
تبعاً للتطوّرات، يتطلّب الأمر تغيير النهج السياسيّ السائد، والتعمّق في فهم تطلّعات الشباب المنقسم والمتنوّع، ولذلك لا بدّ من الحوار، وهو ما يناقض تماماً ما فعلته حكومة سيباستيان لوكورنو خلال الأيّام الأولى لحراك طلّاب المدارس الثانويّة. وكأنّ أحداث هذا الخريف تقع في منطقة فاصلة تماماً بين مرحلتين: مرحلة أفول عهد رئيس جمهوريّة استنفد طاقته، ومرحلة حملة الانتخابات الرئاسيّة.
تعتبر الأحداث الأخيرة أزمة مركّبة وليست مجرّد نوبة اضطراب عابرة. وتمثّل حركات الطلبة إنذاراً للحكم في فرنسا بوجود الجمر تحت الرماد وبإمكان توسّع “خريف الغضب”، وبقاء البلاد أسيرة التخبّط، أقلّه حتّى حلول الاستحقاق الرئاسيّ في الربيع المقبل.
