لم تعد أوروبا تتجه نحو اليمين بوصف ذلك موجة احتجاج عابرة، بل باعتباره تحولاً سياسياً قد يعيد تشكيل مؤسساتها وعلاقاتها الداخلية وموقعها في العالم. فالأحزاب التقليدية تفقد قدرتها على احتكار أصوات الناخبين، فيما تتقدم القوى القومية والشعبوية مستفيدة من القلق الاقتصادي، وأزمة الهجرة، وتراجع الثقة بالنخب، والشعور بأن الاتحاد الأوروبي أصبح مؤسسة بعيدة عن حياة مواطنيه. ومع اقتراب استحقاقات انتخابية حاسمة في دول كبرى، من إسبانيا إلى فرنسا، يصبح السؤال أكبر من هوية الحكومات المقبلة: ماذا يحدث للاتحاد إذا انتقل اليمين المتشدد من الاعتراض على سياساته إلى إعادة صياغتها من الداخل؟
لا يعني هذا أن القارة ستصبح يمينية بالكامل، أو أن انتصار القوميين في كل الانتخابات المقبلة أمر محسوم. لكن التحول واضح: لم تعد هذه الأحزاب معزولة على هامش السياسة، بل باتت قادرة على المنافسة على الحكم، وفرض شروطها على أحزاب الوسط، ودفع خصومها إلى تبني بعض خطابها. وقد كشفت الانتخابات الأوروبية عام 2024 عن مكاسب مهمة لليمين، رغم احتفاظ القوى المؤيدة للتكامل الأوروبي بالأغلبية في البرلمان. الأهم أن مركز الثقل السياسي يتحرك تدريجياً، وأن ما كان يُعد سابقاً خطاً أحمر أمام التحالف مع اليمين المتشدد بات يخضع لحسابات السلطة والانتخابات.
تفسر هذه الظاهرة أزمة الأحزاب التقليدية بقدر ما تفسر قوة خصومها. فقد وعدت العولمة بالازدهار، لكن مكاسبها لم تتوزع بالتساوي؛ وواجهت الطبقات العاملة تراجعاً في بعض الصناعات وفرص العمل، فيما جعل ارتفاع الأسعار وتكاليف السكن قطاعات واسعة، خصوصاً من الشباب، أكثر شعوراً بانسداد الأفق. وفي الوقت نفسه، بدت حكومات كثيرة عاجزة عن تقديم إجابات مقنعة عن الهجرة والأمن والخدمات العامة. وفي هذه الفجوة، قدم اليمين القومي معادلة سياسية سهلة التسويق: استعادة السيادة، وضبط الحدود، وتقديم المواطنين على الوافدين، ومحاسبة النخب التي يُحمّلها مسؤولية التراجع.
قوة هذه المعادلة لا تكمن في دقتها بقدر ما تكمن في بساطتها. فهي تختزل أزمات متشابكة في خصم واضح، وتعد بأن استعادة القرار الوطني كفيلة بحل مشكلات تتجاوز قدرة الدولة المنفردة. وتمنح المنصات الرقمية هذه الرسائل زخماً إضافياً؛ فالغضب والخوف والاستفزاز تنتشر بسرعة أكبر من النقاش المتأني حول الاقتصاد والطاقة والضرائب والسياسات الاجتماعية. وهكذا يتحول التنافس الانتخابي أحياناً إلى صراع بين «الشعب» و«النخبة»، وبين «الوطن» و«بروكسل»، كأن القارة تستطيع حل أزماتها بمجرد استعادة حدودها السياسية.
اليمين القومي قدم معادلة سياسية سهلة التسويق: استعادة السيادة وضبط الحدود وتقديم المواطنين على الوافدين ومحاسبة النخب التي يُحمّلها مسؤولية التراجع
لكن التطور الأكثر خطورة هو تراجع الحاجز الذي كان يفصل اليمين المحافظ عن اليمين المتشدد. فحين تقبل أحزاب الوسط أو اليمين التقليدي التحالف مع القوميين من أجل تشكيل حكومة، فإنها لا تمنحهم مقاعد فحسب؛ بل تمنحهم شرعية سياسية، وتخفض كلفة التصويت لهم، وتدفع المجال العام نحو مواقف كانت مرفوضة في السابق. وقد أظهرت التجربة الإيطالية، مع وصول جورجيا ميلوني وحزب «إخوة إيطاليا» إلى الحكم، كيف يمكن لتيار ذي جذور في اليمين المتشدد أن ينتقل إلى مركز السلطة. وبذلك لا يعود السؤال فقط كيف ينجح اليمين المتطرف، بل كيف يغير خصومه أيضاً.
وتبدو إسبانيا وفرنسا من أبرز ساحات الاختبار المقبل. ففي إسبانيا، يفتح تقدم اليمين المحافظ والقومي احتمال توسيع نفوذهما في الحكم، بينما تستعد فرنسا لانتخابات رئاسية في 2027 وسط صعود التجمع الوطني واستمرار الاستقطاب. وإذا تزامن ذلك مع استمرار حكومات يمينية في دول أخرى، بينها إيطاليا، ومع تنامي نفوذ القوميين في بولندا، فقد يتحول الصعود من مجموعة تجارب وطنية منفصلة إلى قوة تؤثر في اتجاه الاتحاد الأوروبي بأكمله.
وهنا تبدأ المخاطر الإستراتيجية. فقد استطاع الاتحاد، رغم الخلافات، التعامل مع اعتراضات حكومات منفردة على سياساته، لكن اتساع دائرة الحكومات المتشككة في التكامل قد يحول الاستثناء إلى قاعدة. ففي ملف الهجرة، يمكن أن تتزايد الضغوط لإغلاق الحدود وتشديد الإجراءات وتقليص تقاسم المسؤوليات. وفي الميزانية الأوروبية، قد تتصاعد المطالب بخفض المساهمات الوطنية، في وقت يحتاج فيه الاتحاد إلى تمويل الدفاع والتنافس الصناعي والتحول الطاقي ودعم المناطق الأقل نمواً. أما سيادة القانون، فقد تصبح موضع صراع متكرر بين الحكومات التي تتمسك بأولوية القرار الوطني والمؤسسات الأوروبية التي تدافع عن القواعد المشتركة.
ويبرز دعم أوكرانيا بوصفه الاختبار الأكثر حساسية. فتماسك الموقف الأوروبي لا يرتبط بالحرب وحدها، بل بقدرة القارة على حماية أمنها ومنع القوى الخارجية من فرض وقائع إستراتيجية بالقوة. وإذا توسع نفوذ الحكومات المترددة في دعم كييف أو الراغبة في تخفيف الالتزامات، فقد يصبح الحفاظ على موقف أوروبي مستقر أكثر صعوبة. وليس كل يمين أوروبي متشابهاً في موقفه من روسيا أو أوكرانيا، لكن تعدد الحكومات ذات الأولويات المتعارضة قد يمنح الخلافات قدرة أكبر على تعطيل القرار المشترك.
المفارقة أن خطاب استعادة السيادة قد ينتهي إلى إضعافها. فالدول الأوروبية، حتى الكبرى منها، لا تملك منفردة الوزن نفسه الذي يتيحه لها الاتحاد في مواجهة الولايات المتحدة والصين وروسيا. والتكامل ليس إلغاءً للمصالح الوطنية، بل وسيلة لتعزيز القدرة على الدفاع عنها. وإذا تحولت القومية إلى منافسة بين الدول الأعضاء، فقد تجد كل دولة نفسها أقل قدرة على التأثير في عالم تتجمع فيه القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية في كتل كبرى.
ومع ذلك، ليس التفكك قدراً محتوماً. فالأحزاب القومية ليست كتلة متجانسة؛ بعضها يريد تغيير الاتحاد من الداخل، وبعضها يرفض جوانب من سياساته، فيما لا يرغب بعضها الآخر في تحمل كلفة خسارة السوق الأوروبية ومنافعها. لكن الخطر لا يشترط انسحاب الدول من الاتحاد. فقد يبدأ بتعطيل القرارات، وإضعاف التضامن، وتراجع الثقة المتبادلة، حتى تحتفظ المؤسسات بأسمائها بينما تتآكل قدرتها على العمل المشترك.
أمام أوروبا خياران: أن تجدد مشروعها عبر معالجة إخفاقاته الاجتماعية والسياسية أو أن تترك الإحباط يدفع دولها إلى الانكفاء القومي والتنافس الداخلي
ولا تستطيع الأحزاب التقليدية مواجهة هذا التحول بالاكتفاء بالتحذير من التطرف أو الدفاع عن الوضع القائم. فالديمقراطية لا تستعيد ثقة الناخبين بمطالبتهم بالخوف من البديل، بل بإثبات قدرتها على تحسين حياتهم. وهذا يعني معالجة أزمة السكن، وحماية القدرة الشرائية، وتوفير فرص العمل، وتوزيع تكاليف التحول الاقتصادي بعدالة، وإدارة الهجرة بفاعلية تحترم القانون ولا تتجاهل مخاوف المجتمعات. كما يعني جعل القرار الأوروبي أكثر شفافية واستجابة للمواطنين، بدلاً من تركه يبدو مشروعاً تديره مؤسسات بعيدة عنهم.
إذا ترك الوسط السياسي هذه القضايا لليمين القومي، واكتفى بتقليد خطابه، فسوف يساهم في تطبيع أفكاره حتى حين لا يفوز بالسلطة. أما إذا عالج الأسباب التي تغذي الغضب، فقد يستعيد جزءاً من الثقة التي خسرها. فالاختبار الحقيقي ليس في منع اليمين من الفوز بأي ثمن، بل في منع الأزمات الاجتماعية من التحول إلى تفويض مفتوح لسياسات تقسم المجتمعات وتضعف المؤسسات.
«أوروبا.. إلى اليمين دُر» ليست مجرد عبارة عن تبدل اتجاه التصويت، بل تحذير من إعادة رسم الخريطة السياسية للقارة على مراحل: انتخابات متعاقبة، وتحالفات جديدة، وتنازلات تنقل الخطاب القومي من الهامش إلى قلب القرار. وقد لا ينتصر اليمين المتشدد في كل مكان، لكنه يستطيع، إذا واصل التقدم، أن يحدد شروط النقاش والسياسة حتى في الدول التي لا يحكمها.
أمام أوروبا خياران: أن تجدد مشروعها عبر معالجة إخفاقاته الاجتماعية والسياسية، أو أن تترك الإحباط يدفع دولها إلى الانكفاء القومي والتنافس الداخلي. فالاتحاد الذي يعجز عن إقناع مواطنيه بجدوى التعاون لن يحميه تاريخه وحده، والقارة التي تتفرق بحثاً عن السيادة قد تكتشف أن قوتها كانت في قدرتها على العمل معاً. عندها لن يكون السؤال إلى أي مدى تتجه أوروبا يميناً، بل ما إذا كانت ستظل قادرة على التحرك كقارة واحدة.