-
حسام جزماتي.. المصدر الجمهورية .نت
-
-
-
عندما تزوج الرائد معين ناصيف من تماضر، الابنة الكبرى لرفعت الأسد، احتفلت الوحدة 569 (سرايا الدفاع) في مقر اللواء 40 الذي تولى ناصيف قيادته نتيجة تلك المصاهرة، رغم وجود ضباط أعلى منه رتبة. أتذكر أن الاحتفال كان سخياً بالحلويات الشعبية والفواكه وحتى المشروبات الكحولية، الممنوعة عادة في الجيش. استمر لسبعة أيام؛ في أحدها غنى فؤاد غازي، وسميرة توفيق في آخر، واللبنانية فريال كريم في ثالث.
كان «القائد» نجم الحفل طبعاً، تُحيط به العروس الطبيبة وصهره المحظوظ. وحولهم كبار ضباط الوحدة وعدة آلاف من عناصرها.
لسبب ما، نادر، لاحَ شبحُ ابتسامة على وجه المقدّم سليمان مصطفى، رئيس أركان اللواء 138، فالتقط أبو دريد المشهد وصاح فيمن حوله: «وَلَك ابتسم سليمان ابتسم!»، فأطلقنا آلاف الطلقات في الهواء!
لم تكن تلك مبالغة. فقد كان مصطفى دائم التجهُّم. وحتى القائد الشرس للواء، المقدّم علي ديب، كان يتعامل معه بتأنٍّ غير معتاد من ديب المُتميّز بانفعاليته الصاخبة.
في اليوم الأول لفرزنا إلى السرايا صفّونا رتلاً واستقبلنا مصطفى بضربة عنيفة لكل منّا. لم نفهم سببها في البداية، لكنه عندما قال للمقدّم محمد حمامة: «مناح. خدن»؛ عرفنا أننا كنّا نتعرض لفحص أهليتنا الجسدية لدخول هذا العالم الغريب المرغوب. وفهمنا أن أحد أبرز مفاتيحه هو القوة الشخصية البدائية للضباط والعناصر، فقد كانت قصص الشراسة أكثر ما يشيع في الوحدة.
إذ روى عناصرُ أقدم أنَّ أحدَ فلاحي المزة دخل بحماره، بالخطأ طبعاً، إلى أراضي اللواء فضرب مصطفى الحمار بكفه على رقبته فأُغمي عليه. وحين كان ديب يتقدَّمنا في الرياضة الصباحية كان يلبس على ظهره العاري «كيس بحارة» محشواً بالحجارة رغم أنه مدخن شره، وغالباً ما يكون قد أمضى ليلته السابقة ساهراً في ملهى «الحصان الجامح» وسط دمشق. أما الرائد شكيب رزق، قائد كتيبة حراسة بيت «القائد» في المالكي، وهو ضخم جداً كالكثير من ضباطنا، فيُقال إنه أدى التحية للمعلّم يوماً فتمزَّق الفلت الذي كان يرتديه من شدتها، وضحك رفعت الذي كان قد سمح للمساعد أول عزيز حمود، بطل «السرايا» في المصارعة، بالدوام بالجلابية في «أمن السرايا»، حيث كان سجاناً، لأن اللباس العسكري يضيق على جسد الثور الذي يحمله.
مضى وقت طويل قبل أن أستَنتج أن هذا ربما كان أحد أبرز أسباب فشل «السرايا» في أن تُصبح «قوات نخبة» كما أراد رفعت لها. مُقدِّماً، من وجهة نظره، كل ما يلزم لتكون كذلك. فقد كان كل شيء وفيراً. كنّا نتقاضى راتباً شهرياً ممتازاً. جزء منه قانوني يتمثّل في تعويض المظليين، وجزءان فرضهما رفعت على وزارة الدفاع؛ هما «مهمة لبنان» التي لم نشارك فيها إلا جزئياً ولوقت قصير، و«بدل الطعام» رغم أننا كنا نتناول أفضل الأصناف التي قد يصعب العثور عليها خارجاً، وبكميات مفتوحة، في القطعة.
كنّا نستلم ملابس تكفي وتزيد. ونحمل بندقية روسية جديدة نتحرك بها حتى إلى المنزل. ولا نحسب كمية الذخيرة، والقنابل اليدوية، إذ كنا نأخذها بوفرة عند تنفيذ المشاريع التي لم تكن تنتهي. وهي إحدى الوسائل التي ظنَّ «القائد» أنها ستُفيد في إعدادنا بالطريقة التي يرغب. فخلافاً لمظهرنا اللاهي في شوارع دمشق كانت دوراتنا ومشاريعنا مستمرة ومرهقة، لا يكاد ينتهي أحدها حتى يبدأ آخر. مشروع سرية؛ مشروع كتيبة؛ مشروع القيادة والأركان. المشروع السنوي الضخم الذي يستغرق شهراً في صحراء أبو الشامات، ويحضره رفعت طبعاً، والرئيس حافظ الأسد، ووزير الدفاع، ورئيس الأركان، وعدد من كبار الضباط، وكبير الخبراء الروس. وكان يُعاق بفشل ما في كل مرة؛ كسقوط دبابات من السيارات الضخمة للكتيبة المكلفة بنقلها، أو ضياع صاروخ بعد انقطاع سلكه في السماء، ووقوع ثان فوقنا بعد أن طار 50 متراً، وانفلاق ثالث إلى قطعتين بعد أن ارتفع 70-80 متراً، أو إصابة بعضنا بنيران صديقة من بنادق الآخرين.
لم نكن نرى «القائد» إلا في مناسبات كهذه، مرتدياً اللباس العسكري الذي لا يستحقه. فقد كان يسافر كثيراً إلى الخارج، ربما نصف أيام الشهر. وكنا نعرف ذلك لأننا كنا «نستنفر» حتى يعود. فيُداوم في مكتبه بمجلة «الفرسان» بأبي رمانة أو في مكتبه في القابون، حيث يغرق في مجونه أو ينشغل بشبكة أتباعه وشركائه. ونادراً ما يأتي إلى قيادة الوحدة.
في إحدى المناسبات جمعونا. كنّا حوالي ثلاثين أو أربعين ألفَ عنصرٍ. جلسنا على الأرض تحت الشمس. وأتوا بمكبرات صوت ليخطب «القائد» الذي أتى بعد قليل ووضع يده على المنصة وسط تصفيق الحضور وقال بالضبط: «أيها الإخوة المقاتلون، أيها الرفاق… تعيش أمتنا اليوم…». وسكت برهةً ثم تابع: «أنتو متشوفوا هلق المؤامرات المتصير على سورية». في تلك المرحلة كانت لدينا خلافات مع مصر (حسني مبارك) والأردن (الملك حسين) والعراق (صدام حسين). فجمعهم قائلاً: «متشوفوا هالحسيسين اللي حوالينا… وَلَك بدنا ننـ…ـا لأماتن». فاشتعلت هتافاتنا، ضُباطاً وعناصر.
لم يكن ضباط الوحدة أوعى سياسياً أو أكثر خبرة عسكرية احترافية. صحيحٌ أنهم اختيروا على أساس الولاء، لكنه لم يكن قليلاً في تلك الأيام، عندما بدا أن «السرايا» ذراع النظام الاستثنائية. وربما كان التعبير الأدق هو أنهم اختِيروا على أساس حدة المزاج وشدة البأس. بل إن بعضهم كان مُختلاً بالفعل. ومن هؤلاء سليمان مصطفى الذي قاد مجزرة سجن تدمر، وعلي ديب الذي ارتكب مجازر في لبنان حتى في حق بيئات صديقة، والاثنان كانا على رأس قوات «السرايا» في مذبحة حماة. ولا ينبع الوصف بالاختلال هنا من الجرائم فقط، بل من طريقتها ومما هو أبعد منها.
لم تكن هناك خبرات عسكرية حقيقية على الرغم من الدورات. لم يكن الضباط يستحقون هذا الاسم، ولا كانت التراتبية بينهم مرعية على الدوام. وفي التعامل اليومي كانت تتطاير الشتائم الجنسية المقذعة بشكل طبيعي وتسهُل العقوبات الجائرة والعنيفة سواء في سجن القطعة أو في سجن «الشرطة العسكرية» الخاصة أو في سجن فرع «أمن السرايا».
فبعد أن حاولت الشرطة العسكرية النظامية، التابعة للجيش، ضبط تجاوزاتنا المتزايدة في شوارع العاصمة، صرنا نصطدم معها، وربما نحتجز دوريات كاملة منها ونقتادها إلى مقراتنا، حيث نُنكِّل بعناصرها. فعمد «القائد» إلى إنشاء شرطة عسكرية خاصة بنا. وأيضاً لئلا تكون لشعبة المخابرات العسكرية، برئاسة علي دوبا، سلطة علينا؛ أسس فرع «أمن السرايا». وما لا يعرفه ضحايا تصرفاتنا الفرعونية أن من يدخل إلى أحد هذين السجنين يتعرض لتعذيب وإهانة لا يقلان أبداً عما يحدث في أجهزة المخابرات. فمثلاً، كان سجن «أمن السرايا» غرفة واحدة تحت الأرض بطول ستة أمتار وعرض أربعة، قد يوجد فيها 80-90 موقوفاً يتعرضون لتعذيب يومي غير ما يحصل عند التحقيق، ينتشر بينهم الجرب والقمل، ممنوعون من الكلام، وفي سقف القبو طاقة صغيرة ينزل منها سائل يتحاشاه السجناء القدماء، فهو بول الحارس عندما يستلم ورديته!
أمّا حين لا نكون في دورة أو مشروع، ولا يكون أحدنا في واحد من السجون الثلاثة؛ فكنّا نقضي الوقت في شرب الكحول، على حسابنا هذه المرة، ولعب القمار في خيامنا أو في براكيات الصاج إذا كنا من المحظوظين. وقد نخرج ليلاً، بسيارة المبيت، لسرقة معلنة للبلوك والإسمنت والحديد من العمارات قيد الإنشاء، لنكمل بناء غرف مخالفة في أحراج المزة 86، لنكون «قرب السلاح»!
-