هل ما زال الناخبون الأميركيون مستعدين لمنح الرئيس دونالد ترامب فرصة جديدة لتنفيذ مشروعه، أم أن كلفة هذا المشروع بدأت تتجاوز قدرة أنصاره على الدفاع عنه؟ في نظام سياسي يقوم على توزيع السلطات ومراقبة بعضها بعضاً، لا تمثل الانتخابات النصفية استفتاءً مباشراً على الرئيس، لكنها تقترب من ذلك حين تتحول سياساته إلى محور الصراع العام.
تدخل الولايات المتحدة هذا الاستحقاق وسط انقسام لا يقتصر على الخلاف التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل يمتد إلى تعريف المصلحة الوطنية نفسها، وإلى الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد والهجرة ودور الدولة وحدود السلطة الرئاسية ومكانة أميركا في العالم. وسيكون التحكم في مجلسي النواب والشيوخ أكثر من مكسب تشريعي؛ فهو الذي سيحدد إلى حد بعيد ما إذا كان ترامب سيواصل الحكم بأغلبية تساعده على تمرير أولوياته، أم سيواجه كونغرس أكثر استعداداً لتعطيل أجندته والتحقيق في قرارات إدارته وفرض تنازلات عليها.
في قلب هذه المعركة يقف الاقتصاد، وهو المجال الذي يمكن أن تتحول فيه شعبية الرئيس إلى قوة انتخابية، كما يمكن أن يصبح مصدر ضعفه الأكثر إيلاماً. فالتصويت لا يجري في فراغ أيديولوجي؛ إنه يتأثر بما يدفعه المواطن في متجر البقالة، وما ينفقه على الوقود والسكن والتأمين الصحي. وقد ينجح الخطاب السياسي في تحويل الأرقام الاقتصادية الكبرى إلى مادة للتفاخر، لكن الناخب لا يحتاج إلى خبير اقتصادي كي يكتشف الفجوة بين إعلان تحقيق الإنجازات وبين ما يراه في فاتورته الشهرية.
وعندما تُطرح وعود بمنح عائد مالي يصل إلى خمسة آلاف دولار لكل مواطن بالغ، فإن السؤال الانتخابي يتجاوز جاذبية الرقم إلى مصدر الأموال وآلية توزيعها وكلفتها على المالية العامة. مثل هذا الوعد قد يبدو مغرياً في موسم انتخابي، خصوصاً لدى الأسر التي تشعر بأنها تحملت أعباء ارتفاع الأسعار، لكنه لا يصبح سياسة اقتصادية متماسكة لمجرد أنه صيغ في صورة مكسب مباشر. من سيدفع الكلفة؟
الانتخابات النصفية الأميركية تتحول إلى استفتاء غير مباشر على سياسات ترامب، حيث يختبر الناخبون العلاقة بين وعوده والواقع الاقتصادي
قد تكون الوعود المالية مفيدة سياسياً لأنها تمنح الناخب شيئاً ملموساً يمكن تصوره، بخلاف الخطط الاقتصادية المعقدة التي تحتاج إلى سنوات كي تظهر نتائجها. لكن هذا بالضبط ما يجعلها موضع اختبار: هل تسعى الإدارة إلى معالجة أسباب الضيق الاقتصادي، أم إلى شراء الوقت حتى موعد الاقتراع؟ وليس من الإنصاف افتراض أن كل وعد انتخابي مجرد خدعة، كما ليس من الحكمة اعتبار كل وعد حلاً بمجرد أن يقدمه رئيس يتمتع بقاعدة جماهيرية واسعة. الفارق بين السياسة العامة والدعاية الانتخابية هو أن الأولى تقبل قياس نتائجها ومحاسبة أصحابها، بينما تكتفي الثانية غالباً بتقديم النوايا بوصفها إنجازات مكتملة.
لكن الاقتصاد وحده لا يفسر طبيعة الصراع. فثمة معركة أخرى تدور حول من يملك حق وصف الواقع الأميركي، ومن يستطيع تحديد ما يُعدّ خبراً مشروعاً وما ينبغي استبعاده من المجال العام. وقد أعاد قرار ترامب منع صحفيين من شبكات إعلامية من دخول البيت الأبيض، ثم تدخل القضاء لإعادة وصولهم، فتح سؤال يتجاوز العلاقة المتوترة بين رئيس ووسائل إعلام ينتقدها: هل يمكن للسلطة التنفيذية أن تعامل التغطية الصحفية غير المريحة بوصفها مبرراً لمعاقبة المؤسسات التي تنتجها؟
قد يرى أنصار ترامب في هذا النزاع دليلاً على تحيز وسائل إعلام لا تمنحه المساحة التي يعتقد أنها مستحقة له، وقد يرى خصومه فيه محاولة لتطويع الصحافة وإضعاف الرقابة على السلطة. لكن الديمقراطية لا تُختبر عندما تتلقى السلطة تغطية إيجابية، بل عندما تواجه أسئلة مزعجة وانتقادات حادة. ومن حق أي رئيس أن يرد على ما يعتبره معلومات مضللة، وأن يطعن في مصداقية الصحفيين، لكن ذلك يختلف جذرياً عن استخدام النفوذ الحكومي لإقصائهم.
وتزداد أهمية هذه المسألة في موسم انتخابي يصبح فيه الإعلام جزءاً من المنافسة السياسية. فالجمهور الأميركي لا يتلقى الوقائع من نافذة واحدة؛ إنه يعيش داخل فضاءات إعلامية متباعدة، تتشكل فيها تصورات مختلفة عن الاقتصاد والهجرة والحروب وأداء الحكومة. وفي مثل هذا المناخ، لا تعود المشكلة في أن الناس يختلفون بشأن تفسير الوقائع، فهذا جزء طبيعي من السياسة، بل في أن بعضهم لم يعد يثق حتى في المؤسسات التي يُفترض أن تساعدهم على التمييز بين الوقائع والادعاءات.
أما استطلاعات الرأي، التي يُفترض أن تقدم صورة عن اتجاهات الناخبين، فقد أصبحت بدورها موضع شك بعد الإخفاقات التي رافقت بعض الاستحقاقات السابقة، بما فيها انتخابات 2024. غير أن الاستنتاج بأن الاستطلاعات فقدت قيمتها سيكون متسرعاً بقدر الاعتقاد بأنها قادرة على التنبؤ بالنتائج بدقة مطلقة. فالاستطلاع ليس صندوق اقتراع مصغراً؛ إنه قياس احتمالي يتأثر بطريقة اختيار العينة، واستعداد الناس للإجابة، وكيفية احتساب الفئات التي يصعب الوصول إليها، ثم بمدى اختلاف من يعلنون نياتهم عن أولئك الذين يشاركون فعلاً يوم التصويت. وقد أظهرت التغطيات الحديثة للسباق أن القلق من التقليل من وزن بعض الناخبين الجمهوريين ما زال حاضراً، رغم محاولات تطوير أساليب القياس.
الاقتصاد يشكل محور الصراع الانتخابي إذ ترتبط شعبية الرئيس مباشرة بما يدفعه المواطن يومياً للوقود والغذاء والسكن والتأمين الصحي
لذلك، ينبغي التعامل مع الاستطلاعات باعتبارها مؤشرات على حركة الرأي العام لا أحكاماً نهائية على المستقبل. وقد يؤدي الإفراط في الاحتفاء بتقدم حزب أو تصوير هزيمته على أنها حتمية إلى تشويه فهم الناخبين أنفسهم، بل ربما يؤثر في مشاركتهم. فالانتخابات لا تحسمها المتوسطات الوطنية وحدها، وإنما تُحسم في دوائر محددة، حيث يمكن لفارق محدود في الإقبال أو لتغير محدود في تفضيلات فئة من الناخبين أن يقلب النتيجة.
في مجلس النواب، لا يحتاج الديمقراطيون إلى موجة استثنائية كي ينتزعوا الأغلبية؛ يكفيهم تحقيق مكسب صافٍ من ثلاثة مقاعد، وفق حسابات المقاعد الحالية التي تجعل السيطرة الجمهورية شديدة الهشاشة. أما مجلس الشيوخ، فالمهمة أصعب: يحتاج الديمقراطيون إلى كسب أربعة مقاعد صافية لاستعادة الأغلبية.
هذا التفاوت بين المجلسين قد يفضي إلى نتيجة سياسية غير مريحة لأي من الحزبين: أن يستعيد الديمقراطيون مجلس النواب، فيما يحتفظ الجمهوريون بمجلس الشيوخ، أو أن تتغير موازين أحد المجلسين من دون الآخر. وفي الحالتين، لن تكون النتيجة مجرد تعديل في توزيع المقاعد؛ بل ستحدد طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس خلال العامين الأخيرين من الولاية الرئاسية. فسيطرة المعارضة على مجلس النواب تمنحها أدوات التحقيق والرقابة وتعطيل أجزاء من الأجندة التشريعية، لكنها لا تعني تلقائياً قدرتها على تمرير برنامجها، خصوصاً إذا ظل مجلس الشيوخ في يد الجمهوريين أو استخدم الرئيس حق النقض ضد التشريعات التي لا يوافق عليها.
وتكتسب ولايات مثل ميشيغان وكارولينا الشمالية وأوهايو أهمية خاصة في هذا السياق، إلى جانب ولايات أخرى يمكن أن تتحول فيها المنافسة إلى اختبار مباشر لقدرة الديمقراطيين على توسيع قاعدتهم خارج معاقلهم التقليدية.
ولا يعني ذلك أن الناخب في ميشيغان أو أوهايو سيصوّت بالضرورة على أساس موقفه من الرئيس وحده. فالمرشح المحلي وشخصيته، وسجله، وقدرته على مخاطبة القضايا الخاصة بالولاية، عوامل يمكن أن تفصل بين نتيجة وأخرى. لكن ترامب جعل من نفسه مركزاً دائماً للمشهد السياسي، حتى عندما لا يكون اسمه على بطاقة الاقتراع. وحين يتصدر الرئيس الحملات الانتخابية، ويتدخل في اختيار المرشحين، ويقدم النتائج باعتبارها حكماً على مشروعه، فإنه يصعب عليه لاحقاً التنصل من تبعاتها.
وتكمن المعضلة الديمقراطية في أن الانتخابات النصفية قد تعاقب الحزب الحاكم من دون أن تمنح الحزب المنافس تفويضاً واضحاً. فقد يصوّت الناخب ضد ارتفاع الأسعار، أو ضد أسلوب الرئيس في إدارة الحكم، أو احتجاجاً على قرارات بعينها، من دون أن يكون مقتنعاً تماماً ببرنامج الديمقراطيين. وهذا فارق مهم، لأن الفوز بالأغلبية لا يعني بالضرورة أن الحزب الفائز يمتلك إجابة متكاملة عن المشكلات التي دفعت الناخبين إلى معاقبة خصمه.
المشهد السياسي يتجاوز الأرقام فالإعلام والاستطلاعات والكونغرس يحددون موازين القوى بينما يبقى السؤال الأعمق: هل تتحقق وعود الإصلاح فعلاً؟
كذلك، لا ينبغي اختزال الانتخابات في سؤال ما إذا كان ترامب سيخسر السيطرة على الكونغرس. فحتى لو احتفظ الجمهوريون بالأغلبية، لن يعني ذلك أن جميع سياساته حظيت بتأييد شعبي شامل؛ إذ تتأثر النتائج بعوامل محلية وبتركيب المقاعد المطروحة للتنافس وبمستويات المشاركة. وبالمثل، فإن فوز الديمقراطيين لن يثبت وحده أن المجتمع الأميركي تجاوز الانقسام أو أنه تبنى رؤية موحدة للسياسة الاقتصادية والاجتماعية. قد تكون النتيجة مجرد تعبير عن رغبة في إعادة التوازن إلى السلطة، أو عن حاجة الناخبين إلى وضع حدود للرئيس، أو عن احتجاج على أولويات بعينها.
وهنا تظهر المفارقة الأعمق: النظام الأميركي الذي صُمم لتوزيع السلطة ومنع احتكارها يجد نفسه أمام رئيس يحول كثيراً من معاركه إلى اختبار شخصي للولاء، وأمام معارضة تحتاج إلى إقناع الناخبين بأنها أكثر من مجرد جبهة ضد ترامب.
لن تحل انتخابات نوفمبر كل هذه المشكلات. ولن تعيد نتائجها الثقة بالمؤسسات تلقائياً، كما لن تنهي الانقسام الذي أصبح جزءاً من الحياة السياسية الأميركية. لكنها ستحدد ما إذا كان البيت الأبيض سيواصل العمل في ظل أغلبية متعاونة، أم سيواجه رقابة أشد وخصومة تشريعية قد تعيد ترتيب أولوياته. والأهم أنها ستكشف مقدار المسافة بين الوعود التي تُطلق في الحملات وبين ما يعتبره المواطنون تحسناً حقيقياً في حياتهم.
وما سيكشفه الاقتراع، في جوهره، ليس فقط من سيحكم واشنطن خلال العامين المقبلين، بل ما إذا كانت الديمقراطية الأميركية لا تزال قادرة على تحويل الاستياء الشعبي إلى تصحيح سياسي، بدلاً من تركه يتراكم داخل مجتمع تتسع فيه الهوة بين معسكراته وتتراجع فيه الثقة بقدرته على الاتفاق حتى على أبسط الحقائق.