“شغف – صبي من حلب على ضفاف نهر السين“، عنوان لكتاب السيرة الذاتية (السردية) للموسيقي العالمي عابد عازريّة، صدر مؤخرًا عن دار النهضة في بيروت بالتعاون مع “نفسانيون”، وهو مترجَم عن اللّغة الفرنسية بعنوان “Éperdument”. ويهدي عابد عازريّة هذه السردية إلى أمه هيلانة ضوماط التي كانوا يسمّونها “القديسة هيلانة” بسبب طيبة قلبها ومحبتها ومساعدتها للناس.
في رحلته، لا يُظهر عازريّة اكتشافاته الموسيقية فحسب، بل يُظهر تاريخ الحضارات والمدن، مسحورًا بالميثولوجيا، وقصص المتصوفين وحكايات الآلهة، مسلطًا الضوء على دور المرأة التي كانت تحتل مكانة عظيمة قبل قرون. ونتيجة لهذا الشغف وبأسلوبه السهل الممتنع في الموسيقى كما في الكتابة، نقل للقارئ عدوى الاكتشافات وسحر المعرفة، فحرّك الدماء الموروثة منذ آلاف السنين، لنخرج من كهف العيش إلى إشعال وإنعاش ذاكرتنا بالوعي.
عابد عازريّة، الملحن والمغني السوري الفرنسي، حمل حقيبة شغفه من حلب إلى فرنسا ناثرًا بها في أحياء باريس نوتات الشرق وبلاد الرافدين، عازفًا على أوتار الحضارات، جاعلًا من قصص الأقدمين، من ملحمة جلجامش وتصوفات ابن عربي وإنجيل يوحنا، أصواتًا للحاضر، راسمًا مستقبلًا متميّزًا للتأليف الموسيقي، كاتبًا سفره في أسطوانات وإصدارات ستأتي لتُغني الهُوية والذاكرة والمعنى.
هو عاشق حلب وباريس وما بينهما من ألحان وقصائد. ملحّنٌ ومغنٍّ ومترجم وكاتب باللغتين العربية والفرنسية. أصدر نحو 20 ألبومًا، واشتهر بأعماله ومؤلفاته الموسيقية لأفلام عديدة، كما ألّف عدة كتب وترجم “ملحمة جلجامش” ملحنًا ومغنيًا نصوصها.
تزيّن لوحة الفنان التشكيلي السوري زياد دلّول الغلاف الخارجي للكتاب، فتمهد للتحولات الداخلية والخارجية المحيطة بالكاتب نفسه، إذ تجمع في ألوانها الترابية وبعض الأزرق عناصر الوجود، جاذبةً القارئ لاكتشاف المضمون. يبدأ الكتاب بمقدمتين: الأولى للكاتب هوبير حداد يتحدث فيها عن الهوية عند عابد عازريّة القائل: “ليست الهويّة إرثًا، إنها بناء”، والثانية للمترجم جمال شحيّد يستذكر فيها عازريّة الموسيقي الحداثي الآتي من حلب.
ويستهل الكاتب سرديته من ولادة أمه وتيتّمها وهي في الثالثة من عمرها عام 1915. طفولة تتداخل بأحزانها وآلامها مع طفولته التي رافقت أخبار اضطهاد الشعوب ورواية أمه عن الإبادة الأرمنية، إلى بيت مزدحم مؤلف من عشرة أولاد آخرهم عابد. هذا الصبي الحلبي الذي عانى من تسلط أب وغيابه عن البيت مقابل حنان أم وأخوات عرفن كيف يتشاطرن المحن، إلى أن طردت الأم زوجها المدمن على الكحول ليهنأ للأولاد العيش بسلام ومحبة. أثارت شجاعة المرأة إعجاب عابد فكان أن بحث عنها لاحقًا في النصوص السومرية البابلية، وسيعمل على إظهار تقديره لها في أعماله مُهتمًا بإبراز صورتها.
أمّا الموسيقى فكانت الحبّ من النظرة الأولى مع أول آلة موسيقية تعرّف عليها في حياته، يقول في الصفحة 26: “كانت أمي تعمل في نادٍ خاص هو نادي حلب، وتعزف فيه فرقة إيطالية مساءً. فأتيتُ لأزورها أثناء النهار. وشاهدت آلة الكونغا الإيقاعية، فدنوت منها ولمست جلدها. فشعرت بإحساس استثنائي!”.
هذا الصبي المأخوذ بالمصادر الصوتية من أصوات الجوامع إلى التراتيل الكنسية، وسنوات المراهقة المكتشفة للموسيقى الفرنسية والأميركية والإسبانية والإيطالية، تنقّل من مدرسة القديس إغناطيوس الأنطاكي إلى مدرسة الأب باليان وعروضه السينمائية الصيفية. فانتقل إلى الولد شغف السينما التي يعتبرها فنًا قائمًا بكل حالاتها وإيقاعاتها. إنّ الموسيقى التي انغرست في عازريّة على نحو شبه بيولوجي، كما يقول، ستجعل الشاب ذا التاسعة عشرة من العمر يقرر السفر إلى باريس لدراسة الموسيقى.
حاملًا ذاكرة ملايين السنين من الحضارات وقصائد أبي العلاء المعرّي (نسبة إلى معرة النعمان قرب حلب)، وبعض المدّخرات النقدية، والقليل من اللغة الفرنسية، ركب الصبي الحلبي الباخرة التركية من بيروت إلى فرنسا.
“فقط في باريس استطعتُ أن أكوّن هذه الأذن الموسيقية. لما حدث شيء من هذا القبيل لو بقيت في حلب” (ص: 27)، يخبر عازريّة أنه كان مستعدًا لأن يعمل أي شيء ليسدّد أقساط دروسه في مدرسة السيد موريس مارتونو، وعلى الرغم من أنه لا يملك بيانو ليتدرب وليس له دخل ثابت، رسم على ورقة الأصابع البيضاء والسوداء للبيانو ليتدرب. وبتصميم الشاب على الدراسة، وبفضل مساعدة جاك وجانين غيبون اللذين يديران مطعمًا في باريس، تابع عابد المسيرة لتحقيق حلمه. صداقة بين ثلاثة أشخاص بقيت متأججة طوال خمسين عامًا ساعدته على إتقان اللغة الفرنسية، وتكوين النفس والمشاركة الإنسانية في كل شيء.
لا تأخذنا سردية عابد عازريّة إلى رحلته الشخصية فحسب، بل إلى سفره الذاتي في عالم حضارات الشرق الأدنى واللغة العربية، وإلى صحوة حياته في اكتشافه موسيقى باخ وأعمال موزارت وأصوات فيشر ديسكاو وهيرتا توبر، وإيقاعات كلود دوبوسي وتوزيع الأوركسترالي الأهم في تاريخ الموسيقى موريس رافيل. في الواقع، نغمات شغفه لا تتوقف في فرنسا، بل تتجاوز الزمان والمكان، يبحث عنها في الغرب والشرق، في جذور اللغات والأديان كلّها… فإذا به في اكتشاف دائم، يكشفه للقارئ في كلّ صفحة من رحلة “شغف”.
ثقافات اجتمعت في شخصه، تآلفت مع كيانه، عاش معها، لا بل أعادت إحياء دم الذاكرة في عروقه، فحان دوره ليعيد بناء هذه الهوية. وهكذا بدأ عازريّة في باريس يؤلف موسيقاه الخاصة مازجًا الآلات الكلاسيكية مع الآلات الشرقية، صانعًا بصمته الخاصة.
في باريس، فتحت بعض اللقاءات آفاقًا موسيقية كلقائه في تشرين الأول/ أكتوبر 1970 بالملحّن وقائد الأوركسترا الحلبي الأصل ضياء سكّري. كما حوّل بعض قصائد أصدقائه إلى مقطوعات موسيقية خصوصًا قصائد لأدونيس وأنسي الحاج وإيتيل عدنان وغيرهم. في الواقع، يقول في الصفحة 75: “قلبت الميثولوجيات كياني رأسًا على عقب”، وبدأ اهتمامه الفعلي بـ”ملحمة جلجامش” الرافدية، يوم وجد في إحدى المجلات هذه الأبيات القليلة بالعربية على لسان أوتانبشيتم (نوح البابلي):
“الناس يَرثون، يَقتسمون، فأيُّ إرثٍ يدومُ إلى الأبد؟
البغضاءُ، حتى البغضاءُ، أتبقى إلى الأبد؟
النهرُ يطوفُ، لكن أيطوفُ النهرُ إلى الأبد؟
أنظلُّ نشاهدُ نورَ الشمس؟
لا، لم يكن الخلودُ منذ القدم، وما أشبه النائمَ بالميتِ
على سحنتيهما تظهرُ هيئةُ الموت!
والعبدُ كالسيّد عندما ينتهي الأجلُ يتساويان”.
يقول صاحب “شغف” في الصفحة 92: “فورًا سحرني هذا النوع من الكتابة التكرارية وهذا الشكل من الإيقاعات التنغيمية… فالأمر لا يتعلق بنصٍّ بذاته ولا بشعرٍ معاصر بل بمدوّنة عمرها آلاف السنين”. هنا يذهب القارئ طوعًا مع الكاتب في سفره لاكتشاف الأساطير الرافدية والنصوص المحفورة بالخط المسماري ما بين الألفية الثالثة والثانية ق. م. ثم نُسحر معه في نشأة الحضارات التي غذّت الإغريق والرومان والشعوب المحيطة بالبحر المتوسط. نفتتن بأسطورة “إنانا” في الأدب الرافدي، التي ستصبح عشتار في بابل وأفروديت في اليونان وفينوس في روما.
وهكذا، تنضج ثمار الموسيقى مشبعة بتوابل الشرق وروح الغرب، فيحين وقت قطاف “ملحمة جلجامش” في عام 1977 لينجز عازريّة بنجاح تسجيل ألحانه لأقدم ملحمة معروفة في العالم.
في باريس، شكّلت اكتشافاته الموسيقية، وخصوصًا لموسيقى كلود دوبوسي، مؤسس الموسيقى الحديثة والموسيقى الطليعية والذي جسّد الثورة الموسيقية الحقيقية في القرن العشرين، بالإضافة إلى ألحان موريس رافيل الذي يُعدّ عبقري التوزيع الأوركسترالي، فرحًا بهيًّا وتنوعًا في المصادر الموسيقية عند عازريّة، طارحًا في الكتاب تحليلات لمقطوعات موسيقية لعدد كبير من الموسيقيين العالميين، ثم منتقلًا في الزمن إلى ثقافات بلاد الرافدين ومساهمة اللغات والحضارات في التبادلات المتوسطيّة الثقافية، كتأسيس زرياب، الموسيقي الآتي من بغداد إلى قرطبة في عام 822 م، أول كونسرفاتوار موسيقيّ في التاريخ. كذلك أدخل إلى إسبانيا نبات الهليون، مستبدلًا بالأقداح المعدنيّة التي يُشرب بها النبيذ أقداحًا مصنوعة من الزجاج المنفوخ.
من الثقافة الموسيقية ينتقل إلى ثقافة الطعام التي يتميّز بها كاتبنا. يقول في الصفحة 72: “ما إن أصل إلى مدينة للمرة الأولى، حتى أفعل شيئين بانتظام: أسرع إلى السوق لأكتشف المنتجات الغذائية المحلية… فالطعام هو فنّ الحياة وطريقة التعبير عنها. وبعد أن أتآلف مع طعام السوق، أهتم بما يمكنني سماعه… بحثًا عن أنواع شتى من التسجيلات”. لعلّه لذلك أطلق على ألبومه السادس اسم “توابل” (1989)، ليس لعلاقتها القوية بالطعام وإضفاء النكهة عليه فحسب، إنما أيضًا لعلاقتها بالثقافات القديمة عندما كانت المواد العطرية تُقدَّم للآلهة كالبخور والمرّ وما تحمله من معانٍ تربط بين الأرض والسماء.
نعود إلى الشاب الحلبي الذي يشتاق إلى أمه فيقرر أن يزورها في بيروت تحت القصف والبارود، لكنّ الجيش الإسرائيلي الذي حاصر المدينة في حزيران/ يونيو من عام 1982 يمنعه من تحقيق الزيارة. والأم تموت في 29 حزيران/ يونيو، بعد وفاة صديقه جاك بثلاثة أسابيع. يقول في الصفحة 123: “صار العالم بالنسبة إليّ عالمًا لا يطاق، وعشت في عزلة استمرت زهاء ثلاثة عشر شهرًا بدون أن أنطق بكلمة تقريبًا”. ويتابع: “في هذه الإقامة، تذكرتُ أمي يوم قالت لي: يجب أن يروي أحدهم السرديات التي عرفتها في حياتي”. مستلهمًا من إيمانها، بدأ عازريّة يبحث عن نشأة النسك في الشرق، منكبًّا على النصوص الصوفيّة حتى خرجت أسطوانة “المتصوّفة” (1983).
خلف كلمات الموسيقى، نكتشف صداقات عازريّة وعلاقاته الإنسانية مع موسيقيين وكتّاب عرب وغربيين، تنساب في الكتاب كتحية وفاء تكريمية. منهم على سبيل المثال: الملحن وقائد الأوركسترا ضياء سكّري الحلبي الأصل والباريسي الانتماء، وقد شجعه على المثابرة مقدمًا له صفحات عديدة من الشرح الموسيقي. ونزار مروّة الكاتب والناقد الموسيقي اللبناني. وبولس نويا الراهب اليسوعي الذي كان يدرّس التصوّف الإسلامي في السوربون.
وما بين الشرق والغرب، تتوالى الأسطوانات وتتآلف الأنواع الموسيقية في سحر وجمال وسرّ، تجعل موسيقى عابد عازريّة بعيدة عن المألوف، بإتقان يحرّر المتلقي من الكلاسيكي ويدخله إلى الحديث عبر السهل الممتنع. فيكون جديدًا على الدوام.
في أوبرا دمشق عام 2011 لمس كاتب “شغف” تعطّش الجمهور وخاصة الشباب منهم إلى موسيقى استثنائية، إلى إبداع وحبّ. يختم كتابه قائلًا: “الفنّ هو وسيلة لتخفيف شرطنا الإنساني، وهو الذي يجعلنا نجتاز الأقاليم والقارّات. من إنسان بلحم ودم تتحوّل فجأة إلى عصفور! كنتَ إنسانًا وأنت الآن شجرة! تعيش في القرن الحادي والعشرين وإذ بك تنتقل إلى سومر والأندلس. الفنّ يجعلنا نعيش، وهذه الرحلة وهذا البحث هما أشبه بسحر الحياة”.
*****
التقينا عازريّة على هامش زيارته إلى بيروت لتوقيع الكتاب، وكان معه هذا الحوار الخاص، وهو المُقلّ في الحوارات:
(*) نعود إلى هذا الصبي الحلبي الآتي إلى باريس حيث أنجز الكثير من أفكاره وأحلامه وموسيقاه، ماذا بقي منك في حلب بعد كل تلك السنوات؟
لا أظن أنه بقي شيء، لأنّ هذا الصبي الذي وُلد في حلب، وعمل رحلة طويلة، لا يعود نفسه بعد هذه الرحلة. فإذا عدنا أنفسنا، فمعنى ذلك أننا لم نقم بأيّ تطور. أظن أنني حققت كل أحلام الدراسة يوم كنت مراهقًا. في حلب لم أستطع تحقيقها لأنه لم تكن لديّ المواد الأولية. الوحدة التي عشتها في باريس، والخبرة مع الوقت، بالإضافة إلى الإصغاء، علّمتني أن أستفيد من الخبرات وأجعل هذا الصبي الحلبي يكبر وينضج.
(*) من خلال قراءاتك واطلاعك على الثقافات والحضارات المختلفة، وتمكّنك من اللّغات، إلى أيّ مدى كانت اللّغة العربية جواز مرور لانفتاحك المعرفي؟
بالنسبة لي، اللّغة العربية كانت وما تزال ذاك الضوء المعلق على سفينة رحلتي. عملت دائمًا في اللغة الفصحى لشعراء كلاسيكيين وشعراء قصيدة النثر. فالشاعر الذي يملك الكلمة هو شريكي في الحياة، واللغة دليلي لأعرف الوزن المناسب والمقام الملائم، وكيف أحوّل الكلمة من نغمة إلى أخرى. دائمًا أقول: أفكر بالفرنسية إنما أغني بالعربية. حنجرتي هي حنجرة شرقية، لكنها ليست شرقية تقليدية. أنا أكتب لصوتي وألحن لصوتي، وبالتالي مسؤولية ألحاني تقع عليّ سواء أحبها الناس أم لم يحبوها. هناك أغنية وحيدة من كلماتي هي أغنية “يا امرأة”، ولحنتها في الآن نفسه عام 1986. يومذاك، كان لدينا مهرجان في وسط فرنسا، وقبل الذهاب أسمعتُ الأغنية لعازف القانون اللبناني عماد مرقص. فأعجب بها أشدّ الإعجاب مصرًّا على أن أغنيها في المهرجان. ما أودّ قوله إنني لا أُؤخذ بالمديح لأنني لستُ بكاتبٍ، وفي الواقع حتى “شغف” الذي كتبته باللّغة الفرنسية السنة الماضية وتُرجم هذه السنة إلى اللغة العربية، أتى نتيجة عملي في الترجمة، فالترجمة علّمتني الكتابة.
(*) هل تجد صعوبة في ترجمة الأفكار التي تود إيصالها إلى مقطوعات موسيقية؟
التأليف الموسيقي يتطلب وقتًا. والقصيدة باب مقفول، صاحبها الشاعر، لكنني أستطيع أن أحوّل هذه القصيدة إلى موسيقى. عندها تصبح متاحة للمستمع، فالمستمع لا يقرأ بقدر ما يسمع. في حياتي، لم أشتغل على أغانٍ بل على قصائد حول مادة معينة وحول ثيمات محددة، كالشعر الأندلسي، أو قصائد رباعيات عمر الخيام، وأسميت الأسطوانة “عمر الخيام”. لذلك، فإن العمل على ثيمة معينة يشغل بالي طوال الوقت، فأنا لا أقرأ فقط قصائد عمر الخيام بل أقرأ كل ما دار في عصره من حروب وتطور وحضارة. كذلك الأمر عند تلحيني لـ”ملحمة جلجامش”، قرأت كلّ الأدب السومري والبابلي والآشوري. فالتلحين لا يأتي في دقائق معدودة بل يتطلب الأمر وقتًا وجهدًا ومعرفة.
ألحان اليوم تجارية
(*) ما رأيك بالموسيقى اليوم وسيطرة الذكاء الاصطناعي على اللّحن؟
تميّز لبنان فيما مضى بالألحان الفولكلورية الجميلة كالدبكة مثلًا، أمّا اليوم فأصبحت الأغنيات عبارة عن استهلاك سواء في لبنان أو مصر أو الجزائر… ألحان اليوم هي تجارية، تُصنع لإبهاج آنيّ للناس. لكنّها ليست جميلة. وبرأيي ليس للذكاء الاصطناعي علاقة بالموضوع، فالموسيقي هو المسؤول عن ألحانه، وهو المسيطر على أدواته. للأسف، أصبحت المواضيع فارغة موسيقيًا وكلاميًا، كما أنّ العزف تشوبه عدة شوائب بدءًا من الصراخ والنشاز إلى أداء المغني. المغني عليه أن يغني بصوته. فالمرء لا يستطيع إلّا أن يكون ذاته، أن يكون وجهه من دون أي قناع. كذلك الأمر في الشعر، على الشاعر أن يحكي عن حاله، أن يشبه نفسه مثل الشاعر أدونيس، فمنذ أن بدأ بالكتابة وهو مختلف عن غيره لأنه يشبه ذاته.
(*) لحنت قصائد نثرية خصوصًا لشعراء مجلة “شعر”، كيف كان التعاون معهم؟
هناك فرق بين النظم والشعر، فالشعر العربي كلّه تاريخيًا يقوم على النظم والتفعيلة، وقد وضعت ألحاني مثلًا على قصيدة “المعلقة على حجر أسود” لطرفة بن العبد، وهي برأيي قصيدة من 100 سطر، فارغة باستثناء ستة أسطر منها، فيها الكثير من التقليد والبكائية. إذًا، أتى شعر النثر لينفصل عن الشعر القديم. وكنتُ ما أزال مراهقًا عندما انطلقت مجلة “شعر” في بيروت عام 1956، وكنا مأخوذين بهذه الحركة الشعرية الحداثية في ذلك العصر. كنتُ أجد في هذه المجلة ترجمات لبودلير ورامبو وت. س. إليوت وريلكه. وقد قرأتهم جميعًا وحفظتهم قبل السفر إلى باريس. وكانت هذه القراءات توقظ فيّ فضاءات دفينة تثير أسئلة. هذه العلاقة الفكرية ستتحوّل فيما بعد إلى علاقة صداقة وتعاون فني وثيق خصوصًا مع أدونيس وأنسي الحاج بدءًا من عام 1968.
| عابد عازريّة والزميلة ميشلين مبارك خلال حفل توقيع كتاب “شغف” في معرض بيروت الدولي للكتاب المقام حاليًا |
(*) إلى أي مدى تستطيع موسيقاك ترجمة الحزن والحنين وغربتنا، ربما غربة الذات عن نفسها؟
بالنسبة لي، الغربة هي عندما يكون المرء في حالة لا تشبهه، لذلك أنا لم أشعر بغربة في فرنسا، على العكس تمامًا، وجدتُ نفسي هناك. أهلي وأخواتي في القلب إنما الموسيقى عالمي وهذا العالم ليس له وطن ولا بلد. عندما أفكر في القيام بعمل معين وأنشغل به، طبعًا أشعر بفقدان شيء ما وربما بحزن إنما ليس بطريقة بكائية. في اعتقادي الغناء العربي هو غناء بكائي. أنا أعتبر الموسيقى فرحًا. على سبيل المثال، أغني قصيدة للشاعر والمتصوف السهروردي تبدأ: “أبدًا تحنّ إليكم الأرواح ووِصالكم ريحانها والرّاح”. إذًا تبدأ القصيدة بكلمة أبدًا إنما هي ليست بكائية، لذلك علينا النظر إلى الحالة الشعرية المختبئة وراء الكلمات. الملحنون في العالم العربي للأسف لا يقرأون النص، ويأخذون مقام “الصبا” أو “التكريز” أو “العجم” ويلصقون عليه الكلمات. هذه طريقة صناعية وتجعل اللحن مغلقًا وليس مفتوحًا. عندنا الموسيقي لا يقرأ، وأعرف الكثير من الموسيقيين ليس لديهم كتاب واحد. في الواقع، شعبنا بمعظمه لا يقرأ، التقيتُ في باريس بموسيقيين عرب لا يقرأون، أيعقل أن يكون موسيقيًا ولا يقرأ؟! برأيي عاصي الرحباني الوحيد الذي كان يقرأ، وعندما اشتغل الرحابنة في اللغة العامية اللبنانية، خلقوا شيئًا فريدًا. الإبداع كالحبّ إن لم يتجدّد يموت.
(*) تقول: “ليست الهوية إرثًا، إنها بناء”، فكيف يتشكل هذا البناء؟
بالنسبة لي القومية الذاتية تبنيها لذاتك، والشخص هو الذي يبني هويته وقوميته. أن يكون المرء متفردًا ويعمل على تفرده يومًا بعد يوم. في عام 1968 لحنت قصيدة للشاعر الفلسطيني توفيق زياد “أناديكم وأشدّ على أياديكم”، وفيما بعد لحنها وغناها آخرون. لكنْ عندما أسمعها اليوم وبعد مرور تلك السنوات، أكون راضيًا عنها لأنها ابنة وقتها. ولكلّ إنسان هويته، يبنيها ويتميّز بها عن غيره.
(*) في الصفحة 93 من كتابك “شغف” تقول: “قد لا تكفي عشرون حياة لاستجلاء جزء يسير مما وهبتنا إياه الحياة”. فهل العمر يذهب أحيانًا سدًى؟
يقول جان برنار الطبيب والعالم الفرنسي الشهير: “في عروقنا تجري ملايين السنوات”. نحن نرث البشرية، كلّ شيء فينا يفنى ما عدا الدم لأننا نتوارثه عبر الأجيال، دمنا فيه جزء من أهلنا وجزء آخر من أجدادنا وجزء أقل من آلاف السنوات. ودم البشرية الذي نتوارثه فيه ذاكرة الأجيال. وهذا يعني أنّ هناك تواصلًا بين البشر، فالحروب والصراع على القوميات يقوم بها السفلة لأسباب سياسية ومصالح هيمنة. لكن قلة قليلة هم ناس يقدّرون الحياة. في هذا السياق، أذكر أن السومريين اخترعوا الكتابة المسمارية حوالي 3400 سنة قبل الميلاد. إذًا، نحن من هذا الدم التاريخي الكبير الواسع الذي يشمل الجميع. وعلى الناس أن تعي هذا الموضوع. وإن لم نعِ ذلك، نصبح عبيدًا للطقوس والفراغ.
(*) إذا تخيّل عابد عازريّة المرأة كمقطوعة موسيقية، فكيف يراها: متمردة وثائرة، أم متصوفة؟
المرأة هي نصف البشرية، وأنا لا أفهم كيف أنّ نصف البشرية مشلول، فالمرأة التي تفكر وتنجب وتعمل مشلولة خاصة في البلدان التي تسيطر عليها الأديان. وبرأيي أكبر ثورة في المستقبل ستقوم بها المرأة. فالرجل الذي قام، ومنذ آلاف السنين، بالتشريعات، قد أفلس. في القدم خصوصًا في عهد السومريين، كان هناك الكثير من الإلهات نساء: إلهة الكتابة، والخصوبة والحب… شيئًا فشيئًا تقدّم آلهة الذكور على الإناث خصوصًا مع تشريعات حمورابي حوالي 1755 ق. م، وصولًا إلى إله التوحيد “يهوه” مع موسى.
(*) هل ترى أنّ ثمة هوة سحيقة بين الحلم الفني الذي قمت به وغيرك من أبناء جيلك وبين ما يبحث عنه جيل اليوم على الصعيد الموسيقي؟
هناك بعض الشباب اليوم، وبعض الموسيقيين، يبحثون عن ألحان وأعمال عظيمة لكنّ المشكلة أنّ هويتهم الثقافية هي أوروبية، لم يستطيعوا الاستفادة من تجربة الغرب وذاكرة الشرق في آنٍ معًا. لذلك يجب الاستفادة من التجارب المشرقية الغنية وتجارب الغرب الزاخرة. مشكلة الإنسان اليوم أنه يأكل ويشرب ويعمل ويتكاثر لكنه متوفًّى. ميّت في الذاكرة، في الوعي وفي المعرفة.
إنّ الموسيقي الذي ينجح في الغرب لا يدرك النجاح نفسه في الشرق، الشرق شرق والغرب غرب، لكن من الممكن أن نعمل بينهما زواجًا حرًّا. لكنّ المشكلة هي المهابة التي تفرضها الدراسة الغربية الطويلة على الموسيقي الشرقي، فيخاف من هذا الزواج فيفضّل عليه التأليف الموسيقي الغربي، مثال على ذلك الموسيقي الأميركي من أصل لبناني غابريال يارد الذي حققت موسيقاه نجاحًا كبيرًا في الغرب.
(*) ما هي الحياة بالنسبة لعابد عازريّة؟
الحياة بالنسبة لي ليست تسلية إنما هي وعي. عندنا الإنسان عائش لكنه متوفًّى، لأنه فاقد للوعي. ابن سينا يقول: “مقياس الشعوب أغانيها”، ومن يُحسن الإصغاء يعرف عمّا أتكلم.