بيروت- يثير توقيف علي كيالي، المعروف باسم «معراج أورال»، مفارقة أمنية تتجاوز أهمية اعتقال شخصية ارتبط اسمها بأبرز المجازر التي شهدها الساحل السوري عام 2013. فبينما أعلنت دمشق أن جهاز الاستخبارات العامة ألقى القبض عليه في عملية نُفذت بالتنسيق مع الاستخبارات التركية، تحدثت تقارير إعلامية عن توقيفه داخل الأراضي اللبنانية، في ظروف لم تتضح تفاصيلها بعد، ما يفتح أسئلة بشأن طبيعة العملية ودور بيروت وأجهزتها الأمنية فيها.
وقالت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا»، الخميس، إن كيالي أُلقي القبض عليه أثناء محاولته الفرار عبر الحدود، مشيرة إلى أن العملية جرت بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات التركي. لكنها لم تحدد مكان التوقيف أو الحدود التي كان يحاول عبورها، وهو ما ترك مساحة واسعة للتساؤلات بشأن كيفية تنفيذ العملية ومسار نقل الرجل إلى قبضة السلطات السورية.
في المقابل، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن كيالي اعتُقل في منطقة المنصورية بقضاء المتن شمال شرقي بيروت، بعد عودته من مستشفى الرسول الأعظم، وأن مسلحين داهموا منزله واقتادوه إلى جهة مجهولة. ونقلت التقارير عن مصادر المرصد أن منفذي العملية تحدثوا بلهجة لبنانية، وأنهم قيّدوا زوجته وصهره أثناء المداهمة، لكن هوية القوة المنفذة لم تتأكد بصورة مستقلة.
◄ أسئلة أساسية معلقة: أين جرى التوقيف فعلياً؟ وما الدور الذي أدته الأجهزة اللبنانية؟ وهل ستُكشف تفاصيل التنسيق السوري التركي؟
وتضع هذه الروايات الدور اللبناني في صلب التساؤلات. فإذا كان التوقيف قد جرى داخل لبنان، فهل شاركت أجهزة الدولة في العملية أو أُبلغت بها مسبقاً؟ وكيف انتقل الموقوف، وفق الرواية السورية، إلى مسار انتهى باعتقاله لدى الاستخبارات العامة؟ لا تتوافر حتى الآن معطيات رسمية كافية للإجابة عن هذه الأسئلة، كما لا يمكن الجزم بأن العملية تمت خارج الأطر القانونية أو بموافقة السلطات اللبنانية.
وتكتسب المسألة بعداً إضافياً من مشاركة الاستخبارات التركية، وفق الإعلان السوري، في عملية تتعلق بشخصية تحمل الجنسية السورية وارتبطت طويلاً بصراعات تركيا مع النظام السابق في دمشق. فأنقرة تتهم كيالي بالضلوع في تفجيرات الريحانية عام 2013، التي أوقعت عشرات القتلى، بينما تتهمه منظمات حقوقية وشهادات ناجين بالمسؤولية عن دور في عمليات قتل جماعي في الساحل السوري خلال العام نفسه.
وُلد علي كيالي في أنطاكية بولاية هاتاي التركية عام 1956، وعُرف لاحقاً باسم معراج أورال. وانخرط في شبابه في العمل السياسي المسلح ضمن تنظيم «عاجلجيلر»، المرتبط بتيار يساري راديكالي منبثق عن منظمة حزب التحرير الشعبي الثوري في تركيا. واعتُقل في تركيا على خلفية أنشطة غير قانونية واتهامات جنائية، قبل أن يفر إلى سوريا عام 1982، حيث وجد ملاذاً في ظل حكم حافظ الأسد.
لم تكن سوريا بالنسبة إلى أورال مجرد وجهة للهروب من الملاحقة التركية، بل تحولت إلى قاعدة لبناء نفوذ سياسي وعسكري. وحصل على الجنسية السورية، وأقام علاقات وثيقة مع شخصيات في محيط النظام، بينها جميل الأسد، شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد. كما ارتبط اسمه بتشكيلات مسلحة شاركت في معارك لبنان في ثمانينات القرن الماضي، قبل أن يعود إلى الواجهة مع اندلاع الاحتجاجات السورية عام 2011.
وفي مرحلة الحرب، قاد أورال مجموعة مسلحة عُرفت باسم «المقاومة السورية» أو «الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون»، وشاركت إلى جانب قوات النظام السابق في العمليات العسكرية، خصوصاً في مناطق الساحل السوري. وقدّم تنظيمه نفسه بوصفه قوة تقاتل دفاعاً عن سوريا، بينما اتهمته أطراف معارضة ومنظمات حقوقية بالمشاركة في انتهاكات واسعة بحق المدنيين.
ارتبط اسم معراج أورال بصورة خاصة بمجازر البيضا ورأس النبع في محيط مدينة بانياس بمحافظة طرطوس، في مايو 2013، عندما تعرضت مناطق مدنية لعمليات قتل جماعي خلال حملة نفذتها قوات النظام السابق ومجموعات مسلحة موالية له.
ووثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» مقتل ما لا يقل عن 248 شخصاً في الهجمات على البيضا وبانياس، استناداً إلى شهادات وأدلة مصورة، مشيرة إلى أن كثيراً من الضحايا قُتلوا بعد انتهاء الاشتباكات وانسحاب مقاتلي المعارضة. كما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 264 مدنياً في البيضا و195 في حي رأس النبع، مع وجود نساء وأطفال بين الضحايا. وتختلف الحصائل بحسب نطاق التوثيق وطريقة احتساب الضحايا.
◄ أنقرة تتهم كيالي بالضلوع في تفجيرات الريحانية عام 2013، التي أوقعت عشرات القتلى
وتتهم جهات حقوقية أورال بالتحريض والمشاركة في تلك الأحداث، فيما تصفه السلطات السورية الحالية بأنه المتهم الرئيسي في مجزرة بانياس. غير أن توقيفه لا يمثل بحد ذاته حكماً قضائياً بالإدانة، وتبقى المسؤولية الجنائية الفردية بحاجة إلى تحقيق وأدلة وإجراءات قضائية تتيح إثبات الاتهامات.
ولا يقتصر سجل أورال على سوريا. فقد ورد اسمه في التحقيقات التركية المتعلقة بتفجيري الريحانية في ولاية هاتاي الحدودية في 11 مايو 2013، اللذين أسفرا عن مقتل أكثر من خمسين شخصاً. واتهمته السلطات التركية بالضلوع في التخطيط للهجوم، بينما ظل ملفه منفصلاً عن الأحكام الصادرة بحق متهمين آخرين، وفق التقارير المتعلقة بالقضية.
وبذلك، فإن التنسيق التركي المعلن في عملية توقيفه يحمل دلالة تتجاوز التعاون الأمني مع دمشق؛ إذ يتعلق برجل ظل مطلوباً لدى أنقرة على خلفية قضية دامية داخل أراضيها، وفي الوقت نفسه متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة في سوريا. لكن الإعلان عن التنسيق لا يكشف وحده ما إذا كانت تركيا قد قدمت معلومات استخبارية، أو شاركت في التخطيط للعملية، أو أدت دوراً آخر.
ويأتي الاعتقال بعد إعلان السلطات السورية، مطلع أكتوبر الجاري، توقيف جمال طرابلسي، الذي تصفه تقارير بأنه أحد مساعدي أورال السابقين. وقد يعكس تتابع الاعتقالات اتجاهاً لملاحقة شخصيات ارتبطت بالتشكيلات المسلحة الموالية للنظام السابق، وإن لم تعلن دمشق أن العمليتين جزء من حملة واحدة محددة.
في المحصلة، يضع توقيف معراج أورال ملفين أمام اختبار متزامن: مسار محاسبة المتهمين بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين في سوريا، وحدود التنسيق الأمني بين دمشق وأنقرة عندما تمتد العملية، وفق تقارير، إلى الأراضي اللبنانية. وبين الرواية السورية والتقارير عن المنصورية، تبقى أسئلة أساسية معلقة: أين جرى التوقيف فعلياً؟ وما الدور الذي أدته الأجهزة اللبنانية؟ وهل ستُكشف تفاصيل التنسيق السوري التركي؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت القضية مجرد اعتقال لشخصية مطلوبة، أم مؤشراً إلى ترتيبات أمنية إقليمية تتجاوز حدود الدول الثلاث.