يُعدّ الكاتب والباحث الفرنسي عزوز بقاق (69 عامًا) من الشخصيات البارزة التي اهتمت بقضايا الهجرة والاندماج والتمييز. وُلد في ضاحية فقيرة في مدينة ليون لأبوين جزائريين، تحدث عن طفولته في روايته “فتى الشعبة” (1986). وإلى جانب مسيرته باحثًا في علم الاجتماع وأديبًا، خاض بقاق تجربة سياسية عُيّن خلالها، في عام 2005، وزيرًا منتدبًا لترقية تكافؤ الفرص في عهد الرئيس جاك شيراك. وشكّلت هذه الخطوة سابقةً جعلت صاحب رواية “الشجرة أو البيت” (2021) مثالًا لنجاح أبناء المهاجرين المغاربيين. وقد وثّق تلك المرحلة من حياته في كتابه “خروف في حوض الاستحمام” (2007).
في هذا الحوار يشرح أسباب تأزم العلاقات بين فرنسا والجزائر، كما يكشف عن روايته الجديدة التي تتناول ظاهرة عاطفية معقدة:
(*) قدّمت ندوة فكرية لافتة في صالون الأدب الجزائري في باريس، نهاية الشهر الماضي، بدت أشبه بعرض مسرحي يمزج التشويق بالسخرية، واستعرضت خلالها تجربتك في الكتابة وعلاقتك بعائلتك المهاجرة. ما رأيك في مثل هذه المبادرات التي تعيدك من السياسة إلى عوالم الأدب، لا سيما حين يتعلق الأمر بنشاط ثقافي جزائري يستحضر أصواتًا إبداعية من الضفة الجنوبية للمتوسط إلى ضفته الشمالية؟
بالفعل، ما ميّز هذه المناسبة أنها نُظّمت للمرة الأولى في باريس، وشهدت إقبالًا كبيرًا. فقد حضر نحو 200 شخص للاستماع إلى الندوة التي قدّمتها، في أجواء مفعمة بالحيوية والذكاء والمشاعر. وهذا يؤكد أن الحاجة إلى تعزيز العلاقات الثقافية بين فرنسا والجزائر لا تزال كبيرة للغاية، وأتوقع أن تشهد هذه العلاقات مزيدًا من التطور والانتعاش في السنوات المقبلة.
(*) إلى أي مدى يمكن لمثل هذه المواعيد أن تعزّز العلاقات بين البلدين، في خضم الأزمة الدبلوماسية المستمرة منذ أشهر طويلة؟
لديّ انطباع بأن جانبي البحر الأبيض المتوسط يتطلعان إلى هذه الديناميكية الإيجابية، التي من شأنها أن تجعل الجزائريين في فرنسا يشعرون بارتياح أكبر، وأن يشعر الفرنسيون في الجزائر بالمثل أيضًا.
ومن حسن حظنا، كما لاحظت خلال تلك اللقاءات الأدبية، أننا نتحدث الفرنسية بطلاقة كالفرنسيين. فالفرنكوفونية من شأنها أن تجعل أبناء المهاجرين الجزائريين يشعرون بأنهم أكثر قربًا من بلدهم الأصلي، وأن تتيح لهم السفر إليه عبر الكتب، والانطلاق منها نحو آفاق أوسع.
(*) لنتحدث الآن بصفتك وزيرًا سابقًا وسياسيًا من معسكر يمين الوسط، عن العلاقات المتوترة بين البلدين، التي لم تشهد مثل هذا التصعيد منذ سنوات طويلة. ما دور السياسيين، خصوصًا في فرنسا، في إعادة المياه إلى مجاريها؟
إنها علاقة بين دولة استعمارية سابقة وبلد كان مستعمَرًا. لقد مضى أكثر من 60 عامًا على استقلال الجزائر، وأصبحت دولة ذات سيادة، ومع ذلك لم تستقر العلاقات بين البلدين على نحو جيد. فهي تتأرجح دائمًا بين الصعود والهبوط، وتتخللها باستمرار تصريحات عنيفة لفظيًا.
إنها لحظات من القطيعة المتكررة، أشبه بعلاقة بين حبيبين لم يعودا قادرين على تحمّل أحدهما الآخر. لكن هذه المرة مختلفة، وأرى أن الأمور ستتغير تمامًا مع وزير الداخلية الفرنسي الجديد، لوران نونيز، الذي يبدو أن قلبه أقرب إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط.
(*) خاصةً أنّ الوزير لوران نونيز لديه علاقة بالجزائر، فوالداه من أصول إسبانية ولدا وعاشا في وهران. هل سيلعب هذا العامل دورًا في تهدئة الغضب الذي أجّجته التصريحات النارية لسلفه برونو روتايو؟
نعم، قد يحدث ذلك تغييرًا كبيرًا، لأن الجزائريين يميلون دائمًا إلى وضع العلاقات الدبلوماسية في إطار عاطفي ووجداني. لذلك، يجب إظهار اهتمام صادق ونابع من القلب.
وهذا ما لم يكن متوافرًا إطلاقًا مع وزير الداخلية السابق، برونو روتايو، الذي كان يريد قطع العلاقات تمامًا مع الجزائر، وكان، في المحصلة، يريد إشعال حرب بين ذاكرة البلدين. في حين أن المطلوب هو المصالحة في ملف التاريخ.
لكن الحرب والخوف والكراهية أصبحت اليوم عناصر سياسية فعّالة تساعد السياسيين على الفوز بالانتخابات، ولا سيما في أوساط اليمين المتطرف، الذي لم يتقبّل يومًا أن تكون الجزائر دولة مستقلة.
(*) قد تكون أول فرنسي من أصل جزائري يتولى منصب وزير، إذا استثنينا تجربتين سابقتين اقتصرتا على منصب كاتبة دولة، هما نفيسة سيد كارا في عهد الجنرال شارل ديغول عام 1959، وطوقية صيفي عام 2002، في حكومة جان بيير رافاران. وحاليًا، يتولى جيرالد دارمانان، من أم جزائرية، وزارة العدل بعد وزارة الداخلية. هل ترى أن أبناء المهاجرين الجزائريين الذين وصلوا إلى مناصب عليا ما زالوا قلّة، أم أن الطريق أصبح أقصر أمامهم؟
طبعًا، لا يزال عددهم قليلًا إذا نظرنا إلى حجم الجالية الجزائرية، وهي الأكبر في فرنسا، وكذلك إلى حجم الجاليات ذات الأصول الأفريقية أو المغاربية عمومًا. فلا يزال عدد الوزراء المنحدرين من أسر مهاجرة محدودًا في الحكومة الفرنسية.
وبالمقارنة مع الولايات المتحدة، نلاحظ قفزة كبيرة؛ ففي عام 2008، انتُخب باراك أوباما، وهو أول رئيس أسود للبلاد. أما في فرنسا، فقد يتعين علينا الانتظار بضعة عقود أخرى قبل أن يصبح شخص من أصول مهاجرة رئيسًا للوزراء على الأقل.
سيحدث التغيير تدريجيًا، لأن المسألة مرتبطة بالتحولات الديموغرافية. فالفرنسيون لم يعودوا ينجبون كثيرًا من الأطفال، مقارنة بالمنحدرين من بلدان المغرب العربي وأفريقيا عمومًا. وكما ترون، فإن التحول في التركيبة السكانية سينعكس سياسيًا خلال السنوات المقبلة، ولا سيما في الانتخابات، سواء من خلال الترشح للمناصب أو التصويت.
(*) تفصلنا أشهر قليلة عن الانتخابات الرئاسية الفرنسية. هل تعتقد أن الرئيس المقبل سيتمكن من إصلاح العلاقات بين باريس والجزائر، بعدما عجز الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون عن تحقيق ذلك؟
نعم، بالتأكيد، لأن كل بلد بحاجة ماسة إلى الآخر. وبالنظر إلى تاريخ العلاقات بينهما، فإننا نتحدث كل يوم عن الأمير عبد القادر، الشخصية التي يحترمها الشعبان ويبجّلانها. فهو يجسّد رمزًا لن يندثر، وهذا يعني أن الرابط القوي سيظل حاضرًا، وسيكون لهذا الرابط وزن كبير في إعادة بناء الجسور بين البلدين.
(*) ماذا عن عملك الأدبي المقبل؟ هل سيظل يدور في فلك الهجرة والتمييز؟
بل هو رواية حب. فأنا عربي ومسلم وجزائري، ولم أفهم يومًا تمامًا ما يعنيه الحب، أو كيف يُعبَّر عنه. واليوم، وبما أنني فرنسي، أريد أن أكتب عن أسباب وجود حواجز كثيرة لديّ فيما يتعلق بهذا الشعور.
لم أرَ والديّ يومًا يتبادلان القبلات، أو يُظهر أحدهما للآخر علامات الحنان في الأماكن العامة. وكان من الطبيعي بالنسبة إليّ دائمًا ألا يمسك الرجل بيد زوجته أمام الناس في الشارع، وكذلك ألا يُظهر حنانه لأطفاله في العلن.
(*) هل اخترت عنوان الرواية، أم أنك ما زلت تبحث عنه؟
نعم. ولقد اخترت عنوان “التفاوت” أو “الفارق”، وهو مصطلح معقّد ومركّب في اللغة الفرنسية، تمامًا مثل الموضوع الذي يتناوله النص.